سنوات الضياع .. رسالة من بريد الجمعة عام 1994

 

سنوات الضياع .. رسالة من بريد الجمعة عام 1994

سنوات الضياع .. رسالة من بريد الجمعة عام 1994

 

قد تبدو قصتي في نظر بعض القراء بسيطة وهينة لكني أراها غير ذلك .. وأرجو أن تشاركني هذا الرأي , فأنا شاب لم أكتمل الثلاثين من عمري نشأت في أسرة متوسطة الحال بين خمس من الشقيقات واثنين من الإخوة وأبي صاحب أعمال تجارية طيب ويحب أسرته ويفيض لها عطاء وحبا , وأمي ربة منزل شديدة الإيمان بالله والحرص على أن تعرفنا أوامره ونواهيه , وفي صباي أحببت القراءة وأردت بعد أن حصلت على الثانوية العامة الالتحاق بكلية الآداب لكن أبي ضغط علي لكي ألتحق بكلية الحقوق وأحقق له أمله في أن يراني ذات يوم وكيل نيابة محترما , وتواصل الضغط حتى استجبت له راغما والتحقت بكلية الحقوق فلم أكد أمضي فيها شهورا حتى توفي أبي رحمه الله دون أن يتحقق له أمله ولمت نفسي من جديد أن أستجبت لضغطه وهو خطؤه الوحيد معي يرحمه الله وتولتني نوبة يأس فتعرفت على شلة من الشباب المنحرف وتماديت معهم في طريق الضياع حتى أفقت فجأة على فصلي من كلية الحقوق لاستنفادي مرات الرسوب , وفي لحظة صدق مع نفسي ومع أبي سلمت بأن ما حدث كان نتيجة طبيعية للطريق الذي سرت فيه باختياري للأسف وقررت أن أنتشل نفسي منه، وأن أغير حياتي نهائيا .. فهجرت هؤلاء الأصدقاء المنحرفين وودعت طريق العبث والضياع .. وتسلمت إدارة أحد أعمال أبي وهو مقهى وطورته وحولته إلى ناد ثقافي واجتماعي ورضيت عن نفسي ورضي عني إخوتي بعد أن ثبت لهم جديتي في هجر طريق العبث.

 

 وذات يوم لاحظت في رقبتي ورما صغيرا في حجم البلحة فشككت فيه , وعرضت نفسي على الطبيب فقرر إجراء أشعة على البطن وأخذ عينة من هذا الورم الصغير لتحليلها .. وما حدث ما أنذرتني به مخاوفي وجاءت التحاليل مؤكدة أصابتي بذلك المرض اللعين فاستسلمت لأقداري صابرا وقرر الطبيب اجراء جراحة لاستئصال الطحال لأن المرض قد امتد إليه واجريتها وبدأ العلاج بالاشعاع النووي على الرقبة لمحاصرة المرض واستمر العلاج عاما طويلا وتقبلته بصبر جميل واحساس غريب بأن الله سبحانه وتعالى لن يخذلني , وبعد انتهاء عام العلاج بدا لنا أن الورم قد ذهب إلى غير رجعة وانتهت المعاناة والحمد لله فعدت لمواصلة حياتي في أمان فلم تمض أسابيع قليلة حتى شعرت بألم شديد في منطقة البطن فهرولت مرة أخرى إلى الطبيب وبدأت الاشعات مرة أخرى والتحاليل , وقرر الطبيب إجراء جلسات جديدة للعلاج الكيماوي هذه المرة وبمعدل حقنة كل 15 يوما , ولا أستطيع يا سيدي مهما حاولت أن أصور لك ما كان يسببه لي هذا العلاج من ألم نفسي وعضوي ومن حالات إغماء مفاجئة إلى تصلب في عضلات الفخذ والقدمين .. إلى سقوط لشعر الرأس والحواجب .. إلى التبول اللا إرادي الذي يشعر الإنسان بالمذلة والعجز والهوان وقاكم الله جميعا شر كل هذه الآلام .

 وقد استمر علاجي الكيماوي ثلاث سنوات طويلة تحملتها صابرا وراضيا بقضاء ربي وقدره وواثقا نفس هذه الثقة العجيبة التي لا أعرف مصدرها في أن الله سبحانه وتعالى لن يتخلى عني .. وأنه سوف يشفيني ويعيدني إلى ما كنت عليه مع أني كما أعترفت لك كنت قبل عودتي للرشد من أهل الضياع .. لكني كنت مؤمنا هذا الإيمان العجيب بأن الله لن يخذلني ولا أكف عن التعبيرعنه وأنا في أشد حالات المعاناة حتى تعجب طبيبي المعالج من شدة ثقتي بربي واثنى عليها وطالبني بالتمسك بها دائما .

 أما الأصدقاء والأقارب فلقد كنت رغم ما أراه من مصمصمة الشفاء إشفاقا علي أسمع بعضهم وأنا مريض بين الحياة والموت يتهامسون بأنني السبب فيما تدهورت إليه حالتي الصحية مشيرين بذلك إلى سنوات ضياعي السابقة فإذا ذهبت إلى المقهى .. وكنت أذهب إليه بانتظام رغم حالتي سمعت همسا مماثلا وتأملت .. وكلما زاد ألمي النفسي توجهت إلى بيت من بيوت الله وجلست بين رحابه لفترة التمس هدوء النفس والروح ثم أعود إلى حياتي وعملى من جديد , وبعد ثلاث سنوات طويلة ورهيبة ذهبت إلى الطبيب في موعد الجرعة المقررة فطلب عمل أشعة من جديد على البطن .. وجاءت نتيجتها مذهلة للطبيب نفسه قبل أن تكون مذهلة لي وإذا به يبشرني وهو مبتهج وسعيد باختفاء الورم تماما وبأنني سوف أسترد صحتي وعافيتي خلال أسابيع قليلة .. فأغرورقت عيناي بالدموع وهمست لنفسي "نصر من الله وفتح قريب" وغادرت عيادته وأنا أردد هذه الآية الكريمة في سري شاكرا ربي الذي صدق وعده ونصره عبده على المرض اللعين وأعاد له الأمل في الحياة من جديد , وفي غصون ثلاثة شهور فقط يا سيدي استرددت بأمر ربي صحتي وعافيتي وهيئتي السابقة ونما شعرى .. وثقلت حواجبي وتوقف كل ما عانيت منه نفسيا وعضويا خلال سنوات الشقاء الثلاث وخاصة التبول اللارادي ولم يبق من آثاره سوى فتق جراحي بسيط من آثار العمليات الجراحية والعلاج الكيماوي .. ففكرت في أن أواصل تعليمي الذي توقفت عنه وحاولت الالتحاق بأية كلية فحالت دون ذلك سني التي تجاوزت الثامنة والعشرين وأردت العودة لإدارة المقهى فوجدت نفسي غير راغب في ذلك إذ تولدت لدي عقدة نفسية من التعامل مع الناس فقررت البحث عن أية وظيفة لأشغل بها نفسي , وبالفعل وجدت عمل في شركة استثمارية ومع صاحب عمل مثقف وذكي وقد أعجب بي أشد الاعجاب ثم تغيرت معاملته لي فجأة بعد أن علم بقصة مرضي كأنني أنا الذي أخترته لنفسي سامحه الله , مما اضطرني لترك العمل معه آسفا.

 والآن يا سيدي فإني أريد أن أعمل لكي تعود لي ثقتي في نفسي وفي الآخرين ولا يهمني الأجر .. بل إني على استعداد لأن أعمل بغير مقابل على الاطلاق سوى أن استعيد ثقتي في نفسي وفي قدرتي على ممارسة أي عمل آخر عدا العمل التجاري بالمقهى الذي لا أميل إليه .

وأؤكد لمن يقبلني معه أن المرض وما فعله بي لم يؤثرا في معنوياتي أو إيماني بربي , وأنني قادر على العمل لأي عدد من الساعات كل يوم بفضل من الله .

وكل ما أريده هو ألا تمر بي السنوات وأنا في موقعي لا أتحرك وفي عمل تجاري لا يحتاجني الآن لأنه يدار بذاته ولا أجد فيه نفسي .. فهل يتحقق هذا الأمل ؟!

 

ولـــكـــاتــــب هــــذه الـــرســـالة أقـــول:

 

"تجربة آلمتني .. تجربة علمتني" هكذا يقول المثل الانجليزي القديم .. وهكذا ينبغي أن تقول أنت أيضا حين تطوف بمخليتك ذكريات الفشل الدراسي والانحراف ثم المرض اللعين ومعاناته القاسية .. فلقد كانت تجربة المرض شديدة الإيلام ثم شفاك الله من كل آثارها وعافاك , ولابد بالتالي أن يكون درسها لك عميقا .. وأجرك عنها أيضا عند ربك عظيما بإذن الله . ولاشك أن الله سبحانه وتعالى قد مسح بها من ذنوبك .. وأعلى بها من درجاتك عنده كما بشر بذلك الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم كل المهمومين والمكروبين , أما ثقتك بربك التي تعجب لها طبيبك المعالج فإن أهل الحق يسمونها حسن الظن بالله والثقة في رحمته وعدله ويسميها الأطباء في الغرب إرادة الحياة وروح التفاؤل اللتين تعينان المريض على قهر المرض والصمود له , ولاشك أن ثقتك بربك قد أعانتك كثيرا على مقاومة المرض وتحمل عنائه . فإذا كنت قد تألمت لأن بعض الأصدقاء والأقارب لم يعفوك من "المسئولية" حتى عن مرضك اللعين الذي لم تختره لنفسك ولم تدعه لزيارتك فلا تأبه لما سمعت ولا تتوقف عنده لحظة واحدة فما هو بلوم لك ولا عتاب في حقيقته وإنما هو في واقع الأمر نوع من الحيل النفسية الدفاعية التي يحاول بها الإنسان أحيانا وبغير وعي منه أن يدفع بها مخاوفة الشخصية من المرض والموت والمجهول كأن يقول المرء حين يرى مريضا بمرض خطير خاصة إذا كان مقاربا له في السن ما معناه أنه قد أصيب بمرضه هذا لأنه أسرف على نفسه أو أهمل صحته .. أو كان لا يحصل على قدر كاف من الراحة .. إلخ هذه المبررات الوهمية التي لا علاقة لها بمسببات المرض الحقيقية , لكي يبرر لنفسه لا شعوريا مرض المريض"بخطأ" يتحمل هو مسئوليته , فيطمئن نفسه لا شعوريا إلى أنه لن يصاب به لأنه لم يخطئ نفس الخطأ أو لم ينهج نفس النهج في حياته!

إنها حيلة التبرير النفسية المعروفة التي نلمسها لدى البعض في مواقف المرض والموت , ومن أمثلتها أيضا أن يهتم الإنسان بأن يؤكد لنفسه وللآخرين كلما جاء ذكر صديق رحل عن الحياة فجأة أنه كان "مريضا" بمرض"خطير" ليطمئن نفسه لاشعوريا إلى أن خطر الموت ليس قريبا منه مادام لم يمرض بهذا المرض , مع أنه لا المرض ولا الموت يحتاجان إلى تبريرأو تفسير, لكنه الإنسان الضعيف دائما أمام الخوف .. والألم .. والموت والمجهول !

فتفهم ضعف البشر يا صديقي وتجاوز عنه .. ففهم كل شئ يؤدي إلى الصفح عن كل شئ .. كما تقول الكاتبة الفرنسية مدام دى ستايل وواصل حياتك معتصما بإيمانك وثقلتك في نفسك .. وردد دائما قول الحق سبحانه وتعالى " إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون" صدق الله العظيم

أما العمل الذي ترغب في ممارسته لتستعيد ثقتك في نفسك فأرجو أن أبلغك في وقت قريب بإذن الله بما قد أتلقاه لك من استجابات بعض قراء البريد لحل مشكلتك وشكرا لهم مقدما ولك السلام.

 

نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" أكتوبر 1994

كتابة النص من مصدره / بسنت محمود

راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي

Neveen Ali
Neveen Ali
كل ما تقدمه يعود إليك فاملأ كأسك اليوم بما تريد أن تشربه غداً
تعليقات