الواجب الأخير .. رسالة من بريد الجمعة عام 2002
إننا
كثيرا ما لا نلتقي في الحياة إلا بأنفسنا.. وكثيرا ما تحكم علينا محكمة
الأقدار بأن نتجرع نفس الكأس المريرة التي ارتضيناها لغيرنا.
عبد الوهاب مطاوع
أنا رجل
بلغت الستين من العمر.. تنبهت للحياة فوجدتني الابن الأكبر لأب راحل ولي أخ وأخت
صغيران ونواجه الحياة بمعاش أبي البسيط وترعانا جميعا أمي المكافحة.. وكعادة الابن
الأصغر في بعض الأحيان.. فلقد كانت مطالب أخي كثيرة ولا تراعي ظروفنا الصعبة .. في
حين كنا أنا وأختي نصبر على ظروفنا ونشفق على أمنا مما تكابده ونلتمس لها العذر..
وحين بلغت المرحلة الثانوية خرجت للعمل لكي أساعدها على أعباء الحياة واختصرت طريق
التعليم والتحقت بأحد المعاهد المتوسطة وعملت بعد تخرجي مع مقاول من أصدقاء أبي
القدامى, وساهمت بدخلي البسيط في مواجهة تكاليف الحياة ونفقات تعليم أخي وأختي.
ومضت بنا
الحياة وحصل أخي على الثانوية العامة وأصر على الالتحاق بإحدى كليات القمة بالرغم
من نفقاتها العالية.. وراجعته أمي بإشفاق في ذلك.. فلم يقبل التنازل عن رغبته,
وشجعته أنا بالرغم مما سوف يمثله ذلك من أعباء إضافية بالنسبة لي, وبعد عامين
آخرين أنهت أختي دراستها وحصلت على مجموع كبير وأرادت أن تختار دراسة غير مكلفة..
لكني لم أقبل لها إلا ما يؤهله لها مجموعها والتحقت بالفعل بكلية من كليات القمة..
وتحملنا ظروفنا وتكاليف علاج والدتنا إلى أن تخرج أخي وعمل.. ثم تخرجت أختي
وعملت.. وبدأت أتنفس الصعداء وأفكر في أن أتزوج, ففوجئت بشقيقي الأصغر يعلن لي
رغبته في الزواج من زميلة له في الجامعة, ويصر على التعجيل بالزواج خوفا من
ارتباطها بإنسان آخر, ولم يعجب ذلك أمي ـ وصارحتني برأيها, لكني لم أر غضاضة في
تأجيل زواجي لفترة أخرى .
وتزوج
شقيقي, ومن بعده تزوجت أختي كذلك من رجل كريم وسعدنا بزواجها وتوفيقها في حياتها..
وخلا البيت علي وعلى أمي واشتد المرض عليها.. وانتقلت إلى جوار ربها وهي راضية عني
وعن أختي وتدعو لنا الله, وغاضبة من أخي الأصغر لتقصيره معها خلال مرضها وسوء
معاملته لها.
وخلت
الدنيا علي ووجدتني وحيدا وقد رحلت أمي عن الحياة واستقل أخي بحياته مع زوجته
وأسرته وأختي مع زوجها وأسرتها.. فتزوجت من امرأة ذات خلق ودين ومن أسرة كريمة
وواصلت حياتي راضيا وأنجبت الأبناء وحققت نجاحا لا بأس به في عملي.. وتذكرت أمي
دائما وهي تدعو لي بالبركة في حياتي ومالي وأسرتي.. إلى أن تعرضت ذات يوم خلال
عودتي من عملي إلى حادث تصادم أدى إلى إصابتي إصابة شديدة في العمود الفقري وعجزي
عن الحركة نهائيا, وطال علاجي دون جدوى, ووجدت نفسي وأسرتي وأبنائي في موقف عصيب,
فلقد استهلك العلاج معظم ما ادخرته من عملي وانقطعت مواردي الجديدة بتوقفي عن
العمل.. وقال لي أحد الأطباء إنه من الممكن إجراء جراحة لي في العمود الفقري في
الخارج تعيد إلي القدرة على الحركة, وساعدني على اتخاذ إجراءات إجراء الجراحة في
الخارج على نفقة الدولة وصدر لي القرار بالفعل ولكن بمبلغ لا يكفي وحده لمواجهة
تكاليف الجراحة على أساس أن أتحمل أنا الفارق في التكاليف, ولم أجد بين يدي المبلغ
المطلوب وأظلمت الدنيا في وجهي.
وفي ظلام اليأس لمع في ذهني خاطر.. ماذا لو
ساعدني شقيقي الأصغر الذي رعيته وربيته وأخرت زواجي من أجله في تدبير هذا المبلغ
الناقص ولو على سبيل القرض الحسن فأرده إليه على مهل, وبعد أن استعيد صحتي وأرجع
للعمل, وذات يوم دفعت زوجتي مقعدي المتحرك أمامها وتوجهنا إلى بيت أخي وصارحته
بالموقف وطلبت منه هذا المبلغ, ففوجئت به يرفض ذلك.. وليته قد رفض معتذرا بعدم
قدرته على تحقيق مطلبي.. فلقد رفض طلبي بقسوة وأهانني أنا وزوجتي, وكادت زوجته
تطردنا من بيتها, فخرجنا مختنقين بالدموع.. وبالإحساس المرير بالإهانة والجحود ليس
لأنه رفض مساعدتي وقد كان قادرا على ذلك, وإنما لأنه قد أهاننا وجرح مشاعرنا ولم
يترفق بنا في الرفض, ورجعنا إلى البيت وقد ازدادت الدنيا ظلاما وتجهما.. ولم يتوقف
دمع زوجتي منذ غادرنا بيت أخي وحتى الصباح.
وفي اليوم
التالي زارتني أختي وزوجها على غير انتظار, وقبل أن أحكي لها أي شيء عما حدث بيني
وبين شقيقي فوجئت بها تبلغني أنها وزوجها سوف يتحملان الفارق بين قرار العلاج
وتكاليف الجراحة, وبغير أن أطلب منهما شيئا فانفجرت باكيا رغما عني واحتضنت أختي
وشكرتها مرارا وتكرارا.. وبكت زوجتي ولكن من الفرح هذه المرة.. وخلال فترة قصيرة
كنت قد أنهيت إجراءات السفر وسافرت وأجريت لي العملية الجراحية وأتم الله
نعمته علي ونجحت, واستعدت قدرتي على الحركة.. وكان اليوم الذي استطعت الوقوف فيه
على قدمي والسير عدة خطوات دون مساعدة من أحد يوما مشهودا وسعيدا من أيام حياتي..
ولهج لساني بشكر ربي وشكر أختي وزوجها الكريم.. وجاء موعد العودة وركبت الطائرة
عائدا إلى بلدي فتوجهت من المطار إلى بيت أختي لأشكرها.. فكانت فرحتها برؤيتي
سائرا على أقدامي طاغية.. وقبلتها عدة مرات وشكرتها ورجعت إلى بيتي لأرى أبنائي..
وبعد فترة قصيرة من النقاهة والاستشفاء رجعت إلى العمل مرة أخرى وعملت في شركة كبرى
للمقاولات وبمرتب كبير, وبدأ مستوى معيشتي يتحسن تدريجيا ولست في حاجة لأن أقول لك
إنني ومنذ غادرت بيت شقيقي مهانا ومجروح الكرامة كنت قد قطعت كل صلة لي به وبزوجته
وأسرته.. وأنه لم يسع هو أيضا من ناحيته لأن يستعيد صلته بي أو يعتذر عما فعل أو
يخفف من إحساسي بالمرارة تجاهه.
وواصلت حياتي وعملي واهتممت بزوجتي وأبنائي
وحرصت كل الحرص على صلة الرحم بيني وبين أختي الوفية البارة وزوجها الكريم
وأبنائهما, إلى أن جاء يوم وفوجئت بمن يخبرني بأن أخي الوحيد مريض وفي العناية
المركزة بأحد المستشفيات وحالته خطيرة.. وانزعجت بشدة لما سمعت وهرولت إلى المستشفى,
وقد نسيت كل ما فعل ولم أعد أذكر سوى صورة الصبي الصغير الذي كان يحتمي بي ونحن
صغار ويرهقني بطلباته الصغيرة فألبيها له بحب وعطف على يتمه وحرمانه.
وفي
المستشفى لم أجد زوجته إلى جواره ووجدت بعض الزملاء والأصدقاء وسألت عما جرى فقيل
لي إنه واجه ضائقة مالية استمرت بعض الوقت فلم تحتمل زوجته التي لم تتعود على
الشقاء ذلك وأخذت ما تبقى من ماله وتركته وطلبت الطلاق ولم يحتمل هو ذلك وانهار
وأصيب بنزيف في المخ وحدث ما حدث.. وظل أخي في غيبوبة كاملة إلى أن رحل عن
الحياة منذ أسابيع فقمت بالواجب الأخير تجاهه.. وترحمت عليه وشيعته إلى مثواه وأنا
أعجب لهذه الدنيا التي لا يتعلم الإنسان دروسها أبدا إلا بعد فوات الأوان.. ولست
أريد أن أدعي المثالية فأقول لك إن قلبي قد انفطر حزنا عليه.. وإنما أقول لك فقط
إنني قد حزنت على رحيله عن الحياة ويتم أبنائه حزنا مشوبا بالمرارة تجاهه..
وتساءلت: لماذا لم يكن الأخ البار لي كما كنت الأخ البار له.. ولماذا لم يحرص على
إرضاء أمه التي تحملت الشقاء من أجل أبنائها وماتت وهي غضبي عليه.. وماذا أخذ معه
من متاع الدنيا وقد قطع رحمه وأهان أخاه الأكبر الذي رعاه من بعد أبيه.. ألا تثير
هذه الخواطر التساؤلات الحزينة حقا, وهل هناك في الحياة ما يستحق أن يغضب الإنسان
أمه من أجله أو يقطع رحمه ويجحد أخاه أو أباه؟
ولكاتب هذه الرسالة أقول :
وأنا أيضا
لن أدعي المثالية فألومك على هذه التساؤلات الحزينة أو استنكر أن يخالط حزنك على أخيك
الراحل بعض المرارة التي مازالت عالقة بنفسك تجاهه, فالحق أن المرء قد يحمل أحيانا
لبعض الراحلين عنه مثل هذه المشاعر المتضاربة فيحزن لرحيلهم عن الحياة ويأسى في
نفس الوقت لأنهم لم ينتهزوا فرصة العمر لإصلاح أخطائهم في حقه والتكفير عن جنايتهم
عليه, لكي يكون حزنه عليهم خالصا دون شوائب, ولا عجب في ذلك لأن الحزن إحساس
إنساني صادق والمرارة أيضا إحساس إنساني صادق وقد يختلطان في بعض الأحيان لأن
أحزاننا على الراحلين قد لا تحجب عنا لبعض الوقت مواقفهم السابقة منا.. غير أن من
الأكرم لنا دائما هو أن نحاصر هذه الخواطر الحزينة في داخلنا.. وألا ينطق بها
لساننا بقدر الإمكان عملا بهدي من أدبه ربه فأحسن تأديبه الذي هدانا صلوات الله
وسلامه عليه إلى أن نذكر محاسن موتانا, ونتجاوز عن سيئاتهم بعد أن أصبحوا بين يدي
من لا يظلم عنده أحد, فإن غلبتنا خواطرنا ونطق بها لساننا فليكن ذلك في مجال الأسى
على من لم يتركوا الذنوب حتى تركتهم الذنوب على حد تعبير أحد الأئمة الصوفيين, وفي
مجال طلب الرحمة لمن ظلموا أنفسهم قبل أن يظلمونا محاذرين غاية الحذر من أن نكون
ممن عناهم الرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه في قوله الشريف: لا تظهر الشماتة
لأخيك فيرحمه الله ويبتليك وساعين جهد السعي لأن نكون من الذين إذا رضوا لم يدخلهم
الرضا في باطل وإذا غضبوا لم يخرجهم غضبهم عن حق, وإذا قدروا عفوا. ولست أشك
في أنك قد استهدفت برسالتك هذه التنفير من سوء العاقبة لمن يستسلم للأثرة
والأنانية فيعق أمه ويجحد أخاه وأهله ويقطع رحمه, وتبشير من يرعون حقوق ربهم ولا
ينكصون عن أداء واجبهم الإنساني والعائلي تجاه من يعتمدون في حياتهم عليهم, بحسن
المآل, حتى ولو اعترضت حياتهم ذات يوم اعتى العقبات.
كما أنني
أشعر أيضا بأن النصيب الأوفى من جناية شقيقك الأصغر عليك لم يتمثل في رفضه مد يد
العون إليك حين احتجت إليه في أصعب الظروف إنما تمثل قبل كل شيء في أنه قد ردك
بغلظة وعنف حين طلبت مساعدته, ولم يتجمل حتى في النكوص عن القيام بالواجب العائلي
تجاهك. ولم يترفق بك فيردك ردا كريما هينا معتذرا لك بضيق ذات يده أو بعجزه عن
توفير المبلغ المطلوب.. حتى ولو لم تقتنع بذلك في حينه.. إذ أنك كنت ربما قد
غضبت منه وقتها لاعتقادك بقدرته علي المساعدة.. لكن غضبك لم يكن ليصبح أبدا جرحا
غائرا في النفس ولا طعنة دامية في القلب والكرامة.. كما حدث حين قرن النكوص عن
مساعدتك بإهانتك.. حتى كادت زوجته ـ سامحها الله ـ تطردك أنت وزوجتك من بيتها. غير
أننا كثيرا ما لا نلتقي في الحياة إلا بأنفسنا.. وكثيرا ما تحكم علينا محكمة
الأقدار بأن نتجرع نفس الكأس المريرة التي ارتضيناها لغيرنا. ولو كان شقيقك
الراحل قد أنصف نفسه لأدرك حين اجترأت زوجته على أخيه الأكبر وكادت تطرده من بيتها
هو وزوجته.. وشجعته على أن يقبض يده عنه حين اشتدت حاجته إلى عونه, إن مثل هذه
الرفيقة قد تتخلي عنه هو أيضا في محنته كما تخلي عن شقيقه الأكبر في شدته.. ولم
تكن لتصبر علي تغير أحواله كما لم يصبر هو علي نفسه يوما ما وهو صبي صغير أو شاب
أو زوج وأب ورب أسرة, فرأي نفسه دائما فوق الجميع واحتياجاته قبل احتياجات الآخرين
ولو كانوا أقرب الناس إليه. فأي عجب إذن في أن تضيق زوجته بحياتها معه حين
تغيرت أحواله وتنصرف عنه, وقد انصرف هو من قبل عن أمه في شدة مرضها وعن أخيه في
شدة محنته, وأي عجب في أن تكون الأخت المضحية المقدرة للمسئولية العائلية منذ
صغرها والمتنازلة عن بعض احتياجاتها مراعاة لظروف الأسرة الصعبة هي المبادرة بمد
يد العون لشقيقها الأكبر بغير أن يطلب منها ذلك. ألم يكن ذلك اتساقا طبيعيا
مع شخصية كل منهما وقيمه الأخلاقية والدينية ورؤيته للحياة وألا نتعلم الدروس
أبدا.. ونحن مازلنا قادرين علي إصلاح الأخطاء والتكفير عن الجنايات ؟
· نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد
الجمعة" عام 2002
إعداد / محمد يسري

برجاء عدم النسخ احتراما لمجهود فريق العمل في المدونة وكل من ينسخ يعرض صفحته للحذف بموجب حقوق النشر