المخبأ الأمين .. رسالة من بريد الجمعة عام 1995
أكتب لك رسالتي هذه لعلك تنير لي طريقي بردك أو تريحني بإجابتك مهما كان رأيك , فأنا يا سيدي زوجة وأم أعمل مدرسة وليست لدي مشاكل في عملي بل إنني على العكس من ذلك محبوبة من زميلاتي وزملائي وطالباتي وأنا أتقاضى مرتبا جيدا والحمد لله وأنفقه على آخره على بيتي وأولادي ويعلم الله أنني لا أنفق منه مليما واحدا على متطلباتي الشخصية من ملابس وعلاج وخلافه وإنما أعتمد في ذلك على ما أتقاضاه فوق المرتب من مكافآت أو حوافز وخلافه فأوفره إلى أن يتجمع لي مبلغ مناسب واشتري به ملابس الصيف أو الشتاء أو بعض ملابس أولادي بل وزوجي أحيانا إلى جانب نفقات علاجي.
وقد بدأت مشكلتي حين اكتشفت أن زوجي "يمد يده" إلى نقودي هذه بغير علمي ويأخذ منها ما يشاء دون استئذاني .. ودون إبلاغي فإذا أردت شراء شئ وأخرجت النقود لذلك وجدتها ناقصة مبلغا كبيرا وأسأل عنه زوجي فينكر في البداية أنه أخذه .. ثم لا يلبث بعد فترة أن يعترف ضاحكا بأنه قد فعل ويتعجب من غضبي قائلا : وماذا في ذلك ؟ هل أنفقته على زوجة ثانية ؟ وقد تكرر هذا الأمر مرارا وواجهت مواقف محرجة كثيرة حين أرجع إلى هذه النقود التي أدخرها للطوارئ لاجراء تحاليل طبية مكلفة فلا أجد ما أدخرته لها من نقود واضطر للجوء إلى أمي للاستدانة منها على أن أسدد لها ديني على أقساط وزوجي يرقبني وأنا أستدين وأنا أسدد الأقساط بلا مبالاة وكأن الأمر كله لا يهمه ؟
لقد اضطررت أسفة بعد أن تكرر اعتداء زوجي على نقودي المدخرة للطوارئ بغير علمي إلى أن أخفيها في مخابئ عديدة داخل المسكن فكان يظل يبحث عنها سرا إلى أن يكتشف مخبأها ويستولي عليها ثم يجئ موعد احتياجي لها وأنا مطمئنة إلى وجود النقود فاكتشف أن يده قد سبقت إليها !
لقد أصبحت لا أشعر بالأمان في بيتي ناهيك عما حدث من اقتراض زوجي من شقيقي مبلغا من المال وكيف حدثتني أمي بشأن مال شقيقي لاسترداده وكيف قدمت لزوجي هذا المبلغ كله لكي يرده إلى شقيقي حفاظا على مظهره أمام أسرتي , فإذا بي أعلم من أمي أنه لم يسدد له سوى نصف المبلغ الذي سلمته له وأنه أنفق النصف الآخر فيما لا أعرف من شئون!
أما آخر "الحوادث" فقد حدثت حين حان موعد "تركيب التليفون في مسكننا" ولم يكن معي المبلغ اللازم للرسوم , ونفض زوجي يده من الأمر كالعادة قائلا : منين؟ فاضطررت لاستدانة ألف جنيه من احدى صديقاتي , وذهبت إلى السنترال لانهاء اجراءات التعاقد , فتأجل موعد كتابة العقد وتوريد الرسوم عشرة أيام , ورجعت للبيت ومعي المبلغ , فبحثت عن مخبأ أمين أودعه فيه إلى أن يجئ موعد التعاقد , وأخيرا استقر رأيي على اخفائه بين مراتب الفراش , ومضت الأيام العشرة بسلام , وتأهبت للذهاب إلى السنترال فأخرجت المبلغ من تحت المرتبة فإذا بي أجده خمسمائة جنية فقط لا غير ! لقد فقدت أعصابي وثرت على زوجي وحدثت مشاجرة من ناحيتي وحدي أما هو فقد جلس بكل هدوء يتفرج علي ويضحك ويقول أنه سوف يرد لي المبلغ قريبا بإذن الله , وبالطبع فإنه لم يرده بل لم يسترح إلا بعد ان استولى على بقيته وأنفقها عن آخرها !
لقد اصابني الاكتئاب من الحياة مع هذا الزوج وفكرت كثيرا في الانفصال عنه . وسوف يحدث الانفصال بيننا ذات يوم بالتأكيد لكني أرجع عن تفكيري فيه كل مرة وأتذكر أطفالي الثلاثة وأكبرهم في العاشرة وكلهم يتعلمون في المدارس الخاصة واتحمل نفقات تعليمهم ورسوم مدارسهم وحدي .. فماذا اصنع مع هذا الزوج يا سيدي وهل تنصحني فعلا بالانفصال عنه ؟
جميع الحقوق محفوظة لمدونة "من الأدب الإنساني لعبد الوهاب مطاوع"
abdelwahabmetawe.blogspot.com
ولكـاتــــبة هـذه الرسـالة أقــول :
لا يا سيدتي لا أنصحك بالانفصال عنه حرصا على مصلحة أطفالك الذين لا يقدر هو مصلحتهم ولا يحرص عليها فيما يرتكب من تصرفات مخزية معك .. فالحياة الزوجية سفينة تمخر عباب البحر وسط العواطف والأعاصير , فإذا افتقد الربان الحكمة اللازمة لتجنيبها المخاطر أو ارتكب تصرفات رعناء هددتها بالغرق .. فإنه لا يكون تصرفا رشيدا أن يقفز "مساعده الأول" من السفينة تاركا ركابها الأبرياء لأقدارهم , وإنما تطالبه أمانة المسئولية المشتركة عنهم بأن يستخدم حكمته في رأب الصدوع التي يتسبب فيها الربان بتصرفاته الخرقاء وأن يعتبر نفسه المسئول الفعلي عن ابلاغ ركاب السفينة شاطي الأمان حتى وإن ترك للربان الأخرق شارة القيادة المزيفة يلهو بها كيف يشاء.
ومغزى حديثي هو أن مسئوليتك الإنسانية والاجتماعية عن أطفالك الثلاثة تطالبك بالاستمرار والتحمل مهما كان العناء الذي تلاقينه في سبيل ذلك , على أن تحاولي قدر الامكان تضييق دائرة الخسائر التي تنجم عن رعونة زوجك وتخليه عن مسئوليته كرجل توفير الأمان المادي لأسرته , فالشريكان إنما تتكامل قدراتهما ويعوض كل منهما نقص الآخر شاء ذلك أم أبى .. ومع أن زوجك هو المسئول الوحيد شرعا وقانونا عن اعالة أطفاله وزوجته وتلبية متطالباتهم اليومية والطارئة إلا أنه لا مفر أمامك من مواصلة تحمل مسئولياتك المادية التي فرضتها عليك هذه الظروف العجيبة تجاه أطفالك ونفسك , فهو أمر لا خيار لك فيه ولا جدوى من محاولة تصحيحة مع زوج يتفنن في "سرقة" مدخرات زوجته التي تخصصها للطوارئ العائلية حتى ولو كان ينفقها على احتياجات الأسرة كما يتعلل بذلك , فكل ما يأخذه المرء من مال غيره خلسة أو على غير رغبته أو بغير استئذانه هو سرقة صريحة يأثم بها فاعلها شرعا وقانونا .
ومال الزوجة غير المكلفة شرعا بالانفاق على زوجها وأطفالها كمال الغير تماما في حرمته على زوجها ما لم تأذن له طواعية .. وبغير ضغط مادي أو حتى معنوي.
والواضح أن زوجك مضطرب ماليا وضعيف الاحساس بحرمة مالك عليه متوهما على الأرجح أن له حقا فيه .. أو أنه مادام يلبي به بعض الاحتياجات الأسرية فلا حرج عليه فيما يفعل .. وهو وهم خاطئ تماما ولا يسنده شرع ولا دين .. فضلا عما يتضمنه من معنى مخز يتناقض مع مسئولية الرجل المكلف شرعا وقانونا بالانفاق على زوجته واحترام حرمة مالها , واشعارها بالأمان معه.
فسدي عليه يا سيدتي الثغرات التي تتسلل منها يده "التي تستحق القطع" إلى مالك المدخر للطوارئ العائلية والذي ترفعين به عنه عبثها وجففي "منابع الجريمة" المتوقعة بعدم الاحتفاظ بأية مبالغ مالية في مسكنك .. وحبذا لو أودعتها لدى والدتك أو لو فتحت حسابا جاريا بمبلغ رمزي في أحد البنوك أو في أحد مكاتب البريد القريبة من مسكنك تودعين فيه مدخراتك وتسحبين منها عند الضرورة بلا مخاوف .. الامر لله من قبل .. ومن بعد !
نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" مايو 1995
كتابة النص من مصدره / بسنت محمود
راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي

برجاء عدم النسخ احتراما لمجهود فريق العمل في المدونة وكل من ينسخ يعرض صفحته للحذف بموجب حقوق النشر