الماء المقطر .. رسالة من بريد الجمعة سنة 2004

الماء المقطر .. رسالة من بريد الجمعة سنة 2004

الماء المقطر .. رسالة من بريد الجمعة سنة 2004


أنا رجل في منتصف العقد الرابع من العمر ..‏ تزوجت وأنا في الخامسة والعشرين من عمري من مدرسة زميلة لي‏.. تبادلت معها في البداية نظرات الإعجاب ثم تقدمت لخطبتها بالرغم من معارضة أهلي لاختياري‏، وتمت الخطبة بدبلتين فقط‏,‏ وتحدينا الصعاب الكثيرة المحيطة بنا‏,‏ وتم الزواج في أضيق الحدود‏,‏ وبدأت حياتي الزوجية في شقة شبه خالية إلا من الأثاث الضروري‏,‏ فلمست في زوجتي الطيبة والصدق والحنان‏..‏ ولم تلبث أن انتزعت حب أهلي وتقديرهم لها بمعاملتها الكريمة لهم وأخلاقها الطيبة‏,‏ ولقد كافحت لمواجهة ظروف الحياة‏,‏ فكنت أعمل عملا مسائيا في إحدى المنشآت التجارية بعد عملي الرسمي‏,‏ وكافحت زوجتي من جهتها لتدبير شئون الأسرة والإسهام معي في نفقات الحياة‏,‏ حتى تحسنت ظروفنا شيئا فشيئا وانتقلنا إلى شقة أكبر وفرشناها بأثاث جيد‏,‏ وكنا قد أنجبنا ابنتنا الكبرى ثم رزقنا الله بطفلة ثانية‏..‏ فركزنا كل اهتمامنا عليهما وربيناهما على الأخلاق الكريمة وتأدية فرائض الله‏..‏ وحرصنا على ألا نعرضهما لأية مخاطر‏,‏ فلم نسمح لهما أبدا بالذهاب إلى المدرسة أو العودة منها وحدهما‏,‏ وإنما كنت أتبادل دائما مع زوجتي توصيلهما للمدرسة وإعادتهما منها‏,‏ ولم نسمح لهما أبدا بالخروج من البيت وحدهما‏..‏ وإنما لابد من أن يصاحبهما أحدنا أنا أو زوجتي في أي مشوار لهما‏,‏ كما لم نسمح لهما أبدا باستعمال أية وسيلة مواصلات عامة خوفا من تعرضهما لمضايقات الزحام‏.

 

واستمر الحال هكذا حتى بدأت ابنتي الكبرى مرحلة الدراسة الثانوية‏,‏ فتقدمت زوجتي بطلب نقل إلى مدرسة ابنتي القريبة من مسكننا‏,‏ وانتقلت إليها وبذلك أصبحت ابنتي الكبرى تحت رعاية أمها داخل المدرسة‏,‏ إلى جانب رعايتها‏,‏ ورعايتي خارجها‏,‏ وساعدها ذلك على النجاح والتفوق فحصلت على مجموع‏ 90% في الثانوية العامة والتحقت بإحدى الكليات‏,‏ واستمر نظامنا معها ومع أختها كما هو فلا خروج لأي منهما وحدهما‏..‏ ولا زيارات لصديقاتهما وزميلاتهما‏..‏ ولا ركوب للأتوبيس أو الميكروباص أو أية وسيلة مواصلات‏,‏ حتى أصبح الأهل والجيران يحسدوننا على حسن تربية ابنتينا وهدوئهما وبعدهما عن عبث الشباب ومشاكساته‏.‏

 

إلى أن جاء يوم منذ نحو شهرين وكنت في عملي فشعرت فجأة بمغص شديد لم أستطع مقاومته وفشلت المسكنات في تهدئته‏,‏ فأذنت لي المديرة بمغادرة العمل والعودة إلى البيت للراحة‏..‏ وتوجهت إلى البيت وكنا نحو الساعة الثانية والنصف من بعد الظهر‏,‏ وهو موعد مبكر بالنسبة لعودتي للبيت‏,‏ حيث لا أرجع إليه عادة قبل الرابعة والنصف‏,‏ ولا ترجع زوجتي من عملها قبل الرابعة‏,‏ فوضعت المفتاح في الباب فإذا بي أجده مغلقا من الداخل‏,‏ وتعجبت لذلك لأننا لا نغلق الباب من الداخل أبدا‏,‏ فدققت الجرس فلم يجبني أحد‏,‏ فواصلت رن الجرس بعصبية شديدة وأنا أكاد أهشمه‏,‏ فمضت ثلاث دقائق وكأنها ثلاث ليال ثم فتحت ابنتي الكبرى الباب وهي في أشد الارتباك ووجهها تعلوه صفرة الموت‏,‏ فسألتها لماذا تأخرت في فتح الباب‏,‏ فقالت إنها كانت تغير ملابسها‏..‏ ولم أطمئن لهذا الجواب فاندفعت كالمجنون إلى حجرة نومها فوجدت فراشها مضطربا وغير منظم، فخرجت كالمسعور أدور في الشقة كلها وأفتشها فإذا بي أجد شابا مختبئا تحت مائدة السفرة‏,‏ فسحبته من تحتها وأنهلت عليه ضربا وركلا وأصبته إصابات بالغة‏,‏ وهرولت إلى المطبخ لإحضار سكين وهددته بها إن لم يقل لي الحقيقة‏,‏ فحاول أن يؤلف لي قصة وهمية لا تدخل عقل طفل‏,‏ وتمالكت نفسي في النهاية بعد أن فكرت جديا في قتله‏,‏ ثم طلبت منه أن يكتب إقرارا بأنه المسئول الأول والأخير عما حدث لابنتي إن كان قد أصابها منه مكروه‏..‏ فكتبه ووقعه وهو يرتجف‏,‏ فطلبت أن يكتب إيصال أمانة بمبلغ خمسين ألف جنيه ليكون سلاحا ضده إذا هو أنكر ذات يوم مسئوليته‏,‏ فكتبه ووقعه بغير معارضة‏.

 

وفكرت بعد ذلك ماذا أفعل به وكيف يخرج من البيت ونحن نقيم في منطقة شعبية يعرف الجيران فيها كل شئ عن جيرانهم‏,‏ ويتشاركون في تناول الإفطار أمام بيت أحدهم كل يوم‏,‏ وقررت أن أخرج معه وكأنما كان قد جاء معي أو جاء لزيارتي‏,‏ وبالفعل غادرت البيت وهو بجواري‏,‏ وحييت جيراني بطريقة حاولت أن تكون عادية إلى أن انحرفنا إلى الشارع العمومي فتركته ورجعت وأنا أفكر ماذا أفعل مع ابنتي التي ظننت أنني قد أحسنت تربيتها وتنشئتها وأغدقت عليها الكثير من الرعاية والاهتمام والرقابة المستمرة‏..‏ وكنت قد عرفت أن هذا الشاب شقيق لإحدى صديقاتها وأنها قد اتصلت به وطلبت منه الحضور إليها لأنها وحدها في البيت‏,‏ وليس هناك أحد من أهلها‏,‏ ورجعت إلى المسكن لأحاسبها عما فعلت فإذا بي أجده خاليا منها‏..‏ فهرولت إلى الشارع ووجدتها تقف على محطة المترو فرجعت بها‏,‏ ومن شدة الصدمة لم أضربها كما كنت أتوقع‏,‏ وإنما اصطحبتها على الفور إلي طبيب لأمراض النساء ففحصها وطمأنني إلى أنها سليمة ولم يمسها سوء‏,‏ فرجعت وهموم الدنيا كلها تتكثف في صدري وقلت لها إنه لو كان الضرب يفيد في علاجها لأوسعتها ضربا‏,‏ ولكن ماذا أفعل معها وقد وفرت كل شئ لكي تكون ابنة صالحة فإذا بها تخذلني وتخذل أمها على هذا النحو المشين؟‏.‏

 

وحانت ساعة عودة زوجتي إلى البيت فكتمت الأمر كله عنها خوفا عليها من مضاعفات أرتفاع الضغط الذي تشكو منه‏,‏ وكتمت سري في صدري‏..‏ وعافت نفسي الطعام فلم أذق لقمة واحدة طوال اليوم‏,‏ ولم أتناول طعام الإفطار في اليوم التالي‏,‏ وخرجت إلى عملي فإذا بي أسقط في الشارع ويهرول بعض الجيران لمساعدتي وحملي إلى مستوصف خيري قريب‏,‏ فيتضح إنني أعاني من غيبوبة السكر‏,‏ وهو مرض الحزن والهم والغم‏,‏ وانتظمت في العلاج‏..‏ وكلما لاحظت على زوجتي وجومي وحزني واكتئابي قالت لي إنها تشعر بأنني أخفي عنها شيئا جللا‏,‏ فأتعلل لها بمشاكل العمل ومتاعبه ومازلت منذ ذلك الحين حائرا في أمر ابنتي وفيما فعلت بشأنها‏,‏ وأسأل نفسي فيم قصرت معها حتى تفعل ما فعلت‏..‏ وهل كان ما فعلته معها خطأ أم صوابا‏,‏ وهل أصارح زوجتي بما حدث خاصة أنها تلاحظ علي حزني الدائم وصمتي المستمر‏,‏ وتجنبي للحديث مع ابنتي الكبرى وتشعر بالقلق لكل ذلك ؟

 

إنني أتعذب‏,‏ وقد ضاق صدري‏,‏ في الأيام الأخيرة‏,‏ وأصبحت قليل الاحتمال وكثير الغضب والشجار مع زملائي في العمل لأتفه الأسباب‏,‏ فماذا أفعل وكيف أتصرف مع زوجتي وابنتي؟

*
رابط رسالة رحيق الخبرة تعقيبا على هذه الرسالة بعد رد الأستاذ

 

ولكاتب هذه الرسالة أقول‏:‏

نحن نتمنى دائما أن نحمي أبناءنا من كل أخطار الحياة ومضايقاتها‏..‏ ونتمنى لو استطعنا تنشئتهم في بيئة معقمة لا يتنفسون فيها إلا الأكسجين المكرر‏,‏ ولا يشربون إلا الماء المقطر المغلي زيادة في الحرص علي سلامتهم‏,‏ ولا يطعمون إلا الشهد الصافي‏,‏ ولا يسمعون إلا ترانيم الفضيلة والأخلاق الكريمة والسمو الروحي‏,‏ لكن ما نتمناه شئ وما يجري على أرض الواقع شئ آخر يا سيدي‏,‏ ونحن مهما أجهدنا أنفسنا في تنشئة الأبناء وحسن رعايتهم وإرساء القيم الدينية والأخلاقية في أعماقهم‏,‏ فليس من المستبعد أن يتورطوا في الخطأ ذات يوم‏,‏ ولا نملك حين يحدث ذلك إلا أن نتعامل مع أخطائهم بحكمة‏,‏ ونحاول جاهدين إعادتهم إلى الطريق القويم‏,‏ بل إن الخوف الشديد من جانبنا عليهم والحماية الزائدة لهم قد يكون لهما في بعض الأحيان أثر عكسي عليهم‏,‏ إذ يضعفان من خبرتهما بالخير والشر في الحياة‏,‏ لأننا بحمايتنا الزائدة عن الحد لهم قد سلبناهم بعض قدرتهم علي التمييز بين الخطأ والصواب‏,‏ فيسهل وقوعهم في الأخطاء‏..‏ لهذا فنحن مطالبون بالاعتدال حتى في الخوف علي الأبناء وفي حمايتنا لهم‏,‏ ومطالبون بإعانتهم على الالتزام الأخلاقي والديني وتقديم المثل والقدوة لهم في ذلك‏,‏ ثم ندعو الله سبحانه وتعالي من قبل ذلك وبعده أن يكلأهم برعايته ويحميهم من شر أنفسهم وشرور الحياة الكثيرة‏.

‏

والواضح يا سيدي هو أن مبالغتك أنت وزوجتك في حماية ابنتك الكبرى والخوف عليها من كل شئ قد دفعاكما إلي فرض العديد من القيود على حركتها‏..‏ فلم تسمحا لها بالحركة وحدها أبدا‏.‏ ولا بركوب المواصلات ولا زيارة الصديقات أو استقبالهن فلم تحل هذه القيود كلها بينها وبين التفاعل مع إغراءات الشباب‏..‏ بل لعلها كانت دافعها إضافيا لها لمحاولة التجربة واكتشاف الأسرار المبهمة والتعرف على المجهول الذي تفرض هذه القيود عليها لكيلا تعرفه‏,‏ كما أن بعدها عن الشبهات في رأي أبويها بالنظر للقيود العديدة المفروضة عليهما قد أغراها بالإقدام على المغامرة دون خوف‏,‏ فكان ما كان من أمرها‏..‏ والآن فإنك تكابد الإحساس المرير بالحزن والهم ولوم النفس والتفتيش عن أسباب القصور في التربية التي سمحت لما حدث بأن يقع‏..‏ والحق أنك لم تقصر في رعاية ابنتيك وتنشئتهما حتى ولو كنت قد بالغت بعض الشئ في الخوف عليهما ومحاولة حمايتهما من الشرور‏,‏ وما حدث يمكن اعتباره زلة نجمت عن نزق الشباب وتطلعه للمغامرة‏,‏ والإثارة العاطفية وتجربة الأشياء المحرمة‏.‏وكل ذلك يمكن تداركه وإصلاحه بأقل الخسائر بإذن الله‏,‏ ولابد أن ابنتك قد أدركت الآن فداحة الخطأ الذي ارتكبته في حق نفسها وأبويها وأختها الصغرى التي ينبغي أن تكون المثل والقدوة لها‏,‏ ولابد أنها تحاسب نفسها على ما جنته‏..‏ بيديها فأسقطت به اعتبارها في نظر أبيها وفي نظر كل من كان يظن فيها الالتزام الخلقي والديني‏.‏

 

غير أنني أري لك أن تقتسم همك بأمر ابنتك مع زوجتك‏,‏ ليس فقط لأنها شريكة حياتك وأم هذه الفتاة التي يهمها أمرها‏,‏ وإنما أيضا لكي تتخفف أنت كذلك من بعض ما تكتمه في قلبك ويجثم على صدرك حتى لتسقط في الطريق غائبا عن الوعي‏,‏ ثم لكي تقوم الأم بدورها المهم مع ابنتها فتحتويها وتشعرها بخطئها وتعيدها إلى طريق الالتزام‏,‏ وتتفهم حقيقة مشاعرها وحقيقة ما بدر منها‏,‏ وتحدد إذا كان ما حدث مجرد نزوة عابرة أم شيئا أعمق من ذلك‏,‏ وفي هذه الحالة فلقد تجد من الملائم إذا كان ذلك الشاب مقبولا من الناحية العائلية والاجتماعية‏,‏ أن يتقدم لها ويضفي الشرعية علي ارتباطه بها إلي أن تسمح الظروف بإتمامه‏,‏ وبذلك تؤدي البداية الخاطئة‏..‏ إلى نهاية مشروعة ومباركة بإذن الله.

رابط رسالة رحيق الخبرة تعقيبا على هذه الرسالة

·       نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" عام 2004

راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي 


Neveen Ali
Neveen Ali
كل ما تقدمه يعود إليك فاملأ كأسك اليوم بما تريد أن تشربه غداً
تعليقات