رحيق الخبرة .. رسالة من بريد الجمعة عام 2004

 رحيق الخبرة .. رسالة من بريد الجمعة عام 2004

رحيق الخبرة .. رسالة من بريد الجمعة عام 2004


تعليقا علي رسالة ‏(‏الماء المقطر‏)‏ أقول لكل أب وأم قرأها وأصيب بالرعب على أولاده‏,‏ إن المبدأ الأساسي والأول في التربية‏,‏ أن أتأكد‏,‏ ويرسخ في أعماقي أن أؤدي واجبي مع أبنائي‏,‏ وأبذل كل المحاولات الجادة المخلصة الصادقة‏,‏ لتربيتهم ليكونوا على أكبر قدر من حسن الدين والخلق والعلم‏ ..‏ أما التوفيق والنجاح فهما بيد الله سبحانه وتعالى‏,‏ فليس صلاح الأولاد ونجاحهم إلا توفيقا ورضا ومنحة من الله سبحانه وتعالى‏,‏ هذا هو المبدأ الأول في التربية‏,‏ تحقيقا لدعوات الرسول صلي الله عليه وسلم ..  "اللهم ارزقني الهدى والتقى والعفاف والغنى‏,‏ اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك" .. وبذلك نعترف بأن كل شئ بيد الله سبحانه وتعالى‏,‏ ولكننا نأخذ بالأسباب بداهة‏.

 

أما المبدأ الثاني في التربية فهو غرس مراقبة الله  في الطفل‏,‏ منذ نعومة أظفاره‏,‏ أي منذ سنواته الأولى‏,‏ حيث نربي فيه الضمير‏..‏ وقد يتساءل الكثيرون‏:‏ كيف يكون ذلك؟ وأقول لهم‏:‏ يكون بداية بإشعاره بوجود الله معه‏,‏ لأنه سبحانه يحبه‏,‏ فهو يرزقنا ويحمينا ويحفظنا‏,‏ ولا نحدثه عن العقاب والنار إطلاقا‏,‏ ولكن نحدثه أن الله يحبه‏,‏ فإذا أكلنا فهذا رزق من الله‏,‏ وإذا لعبنا فتلك صحة منه سبحانه‏,‏ وهي أمان أنعم الله به علينا‏..‏ إذن فالله معنا في كل وقت وكل مكان‏..‏ حتى يرسخ في أعماق الطفل وجود الله معه في كل نفس وعلى كل حال‏,‏ لحبه وحمايته سبحانه له‏,‏ وليس لمراقبته من أجل العقاب‏..‏ وبدلا من أن تقول له إذا ابتعدت عنه‏ (‏ باي‏)‏ أو‏(‏ هاي‏)‏ قل له ‏(‏في حفظ الله ورعايته‏)‏ فيحفظه الله‏..‏ بذلك ومع الوقت‏,‏ يرسخ في أعماق الطفل والوالدين معا وجود الله معه في كل لحظة‏,‏ فإذا تعدى الطفل سنواته السبع‏,‏ نتدرج معه في أن الله يكافئ المحسن ويعاقب المسئ‏,‏ ثم نتدرج في وجود ملكين يكتبان الحسنات والسيئات‏,‏ حتى إذا ما وصل الطفل إلى سن التكليف‏,‏ أيقن أن الله غفور رحيم‏,‏ وأنه أيضا شديد العقاب‏,‏ إننا لا يمكن‏,‏ مهما فعلنا‏,‏ أن نراقب سرائر أولادنا‏,‏ ولا أن نراهم إذا أغمضنا أعيننا أو بعدوا عنا‏,‏ لكن الرقيب الوحيد لهم هو الله سبحانه‏,‏ الذي يجب أن يروه هم بأنفسهم كذلك‏,‏ فيراقبوه بضمائرهم‏,‏ وبعد سن العاشرة نشرح لهم الحديث الشريف "يا بني احفظ الله يحفظك .‏.‏ احفظ الله تجده تجاهك‏..‏ وإذا سألت فاسأل الله‏..‏ وإذا استعنت فاستعن بالله‏..‏ إلخ‏"
وبذلك إذا خرج الابن أو الابنة‏,‏ خرجا وفي عقلهما وقلبهما حفظ الله‏,‏ وخرجت الابنة متقية الله في ملابسها وفي مشيتها وفي سلوكها‏,‏ وخرجا في طاعة‏,‏ ولا يخرجان في معصية فيحفظهما ولن يدعهما للشيطان‏.

 

هذه كلمات قليلة من أم مربية‏,‏ ربت ثلاثة بنين وبنتين‏,‏ أصغرهم لم يتم الثامنة عشرة من عمره‏,‏ وأحمد الله أن أنار بصري وبصيرتي‏,‏ وبارك لي في جهدي في تربيتهم تربية حسنة‏,‏ برغم ظروف عصيبة كثيرة‏,‏ وزمن عجيب غريب حقا‏,‏ فله سبحانه الحمد والشكر من قبل ومن بعد‏,‏ وفقنا الله وإياكم إلى كل الخير‏.‏ والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته‏.‏
من رسالة للقارئة / فرات عبد المعز عبد الستار

ولكاتبة هذه الرسالة أقول‏:‏

قدمت لنا درسا قيما في التربية من واقع خبرتك الشخصية وتجربتك العملية مع أبنائك‏,‏ أرجو أن يستفيد به الأمهات الشابات والآباء ‏..‏ فالحق أنه لا شئ أصدق من التجربة الشخصية‏,‏ ولا ينبئك مثل خبير خبر ما يتحدث عنه بنفسه ومارسه عمليا‏ ..‏ وهو ما فعلته أنت حتى كلل الله جهودك مع أبنائك بالنجاح والتوفيق‏,‏ لقد روي عن المفكر الفرنسي جان جاك روسو الذي كتب كتابا قيما في التربية أنه قال في أخريات حياته‏:‏
ــ كانت عندي ست نظريات للتربية ولم يكن عندي أبناء والآن عندي ستة أبناء وليست عندي نظرية واحدة لتربيتهم‏!‏

والقصة برغم غرابتها تفيد أن المعرفة النظرية بالتربية لا تكفي وحدها لتحقيق الهدف‏,‏ وإنما لابد من الممارسة  العملية والخبرة الشخصية والتجربة والخطأ‏..‏ واستخلاص الدروس من التجارب‏..‏ ولابد قبل كل ذلك وبعده من التركيز على غرس الوازع الديني في نفوس الأبناء منذ الصغر‏,‏ وهذا ما فعلت يا سيدتي وما تنصحين به غيرك من الأمهات فلك الشكر العميق‏.‏

رابط رسالة الماء المقطر


·       نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" عام 2004

راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي



Neveen Ali
Neveen Ali
كل ما تقدمه يعود إليك فاملأ كأسك اليوم بما تريد أن تشربه غداً
تعليقات