فوهة البركان .. رسالة من بريد الجمعة سنة 2003
أنا ربة بيت, ولي 3
أبناء ذكور, ومتعلمة تعليما متوسطا .. عندما كنت فتاة مراهقة لم تكن لي أحلام
كبيرة مثل بقية الفتيات بفتى الأحلام الذي يشبه نجوم السينما, أو أن أمتلك سيارة
فارهة, أو أن أعيش في فيلا فاخرة, بل إنه لم تكن لي أحلام أصلا, وكنت ومازلت
أترك الدنيا تمضي بي في أحد أنهارها المتعددة.
وبعد الانتهاء من تعليمي
توفي أبي, وكنت وحيدته, وبقيت أنا وأمي وحيدتين, ثم تقدم لي شاب جامعي يعمل
في إحدى الدول العربية, وأعجبت به أمي خاصة أنه شاب طيب وكريم ولديه إمكانيات
مادية كافية لتجهيز الشقة بمحتوياتها نظرا لأننا بعد وفاة والدي لم يكن لدينا مال
يذكر إلا معاشه, وكان طلبه الوحيد هو أن أسافر معه بعد عدة أشهر من الزواج للعيش
معه حيث يعمل ويقيم, وبالرغم من حزن أمي على
فراقي وحزني على فراقها فإنني سافرت مع زوجي وعشنا سنوات جميلة وأنجبنا ثلاثة أبناء,
وعندما وصل ابني الأكبر لسن المدرسة أردت أن أعلمه في مصر ومع إصراري على ذلك وافق
زوجي على عودتي أنا وأولادي إلى مصر خاصة أن أمي قد تقدمت بها السن وأصبحت مريضة
وتحتاج إلى من يرعاها وأنا ابنتها الوحيدة.
ورجعت إلى مصر وأقمت مع أمي وأولادي واستمر زوجي
في الغربة بمفرده يعمل ويرسل لنا ما نحتاجه وأكثر.
ومرضت أمي مرضا شديدا,
ورجع زوجي في إجازة وأصر على أن يدخلها أفضل مستشفى للعلاج ولكن توفاها الله
وشملها برحمته وعاد زوجي إلى عمله, وبعد عدة أشهر اتصل بي وقال إنه قد آن الأوان
لكي تأتي لتعيشي أنت والأولاد معي فأنا أحتاج إليكم, ورفضت وأصررت على تعليم
أولادي بمصر وتعليمهم بشكل جيد لكي يكونوا أفضل مني.
وبالرغم من أنني مطيعة
وأترك الدنيا ـ كما قلت ـ تمضي بي كيفما تشاء إلا أنني كنت متمسكة برأيي في هذا
الموضوع لأنه مستقبل أبنائي, واستجاب زوجي, وكنت أنا والأبناء نسافر إليه في
إجازة المدارس وهو يرجع في إجازته إلينا أيام الدراسة.
ووصل ابني الأكبر إلى
المرحلة الإعدادية, ويشاء القدر أن أمرض مرضا شديدا يقعدني عن عمل أي شيء حتى
أعمال المنزل وألا أنهض من فراشي إلا إلى دورة المياه .. ويصر زوجي على أن أسافر
معه أنا والأبناء لنكون تحت نظره ويرعانا حيث أنه لا يوجد بمصر من يرعاني ويخدمني
.. وفعلا سافرت أنا والأبناء وأدخلهم زوجي مدارس خاصة واحضر لي شغالة فلبينية
لتخدمني وتخدم البيت كله.
في البداية اعترضت على
وجود الشغالة, وحاولت أن أقوم بأعمال المنزل ولكن ذلك كان يزيدني ضعفا, فتقبلت
في النهاية وجودها في البيت لفترة مؤقتة إلى أن يعيد الله إلي بعض صحتي.
وكانت الشغالة نشيطة ونظيفة
وتلبي جميع طلبات أفراد المنزل .. ونصح زوجي الأبناء بأن يتحدثوا معها
بالانجليزية دائما لأنها لا تجيد غيرها ولكي يحسنوا لغتهم الأجنبية وشجعتهم أنا
أيضا على ذلك, فكان كل من في البيت يتحدث اللغة الانجليزية ولا نشاهد من قنوات
التليفزيون إلا القنوات الأجنبية وكنت أنا الوحيدة التي أتحدث العربية لأني لا
أعرف الانجليزية, وكنت سعيدة بذلك لكي يتعلم الأبناء ولكني شيئا فشيئا أحسست أني
وحيدة وليس هناك من يحدثني إلا زوجي عندما يأتي من عمله في المساء.
وأحسست أني كم مهمل وحاولت
أن أستعيد الأبناء إلى حضني, وكنت أريد أن أتحدث معهم ويتحدثوا معي, وأجد لغة
مشتركة بيننا إلا أنهم دائما يصرون على أن يتحدثوا بالانجليزية, وعندما لا
أفهمهم يبتعدون عني, واشتكيت لوالدهم من ذلك, وفعلا حدثهم أكثر من مرة بأن
يتحدثوا معي بالعربية فلم يستجيبوا وكانوا دائما يجلسون مع الشغالة.
وبعد مرور أكثر من عام على مرضي أراد الله أن
يشفيني وتحدثت مع زوجي في أن يصرف الشغالة, لكي أتخلص من تأثيرها على الأبناء
ولكنه رفض بدعوى أن البيت كبير والأبناء طلباتهم كثيرة ولن أقدر على أعمال المنزل.
وعندما بدأت أتحرك في البيت بعد طول المرض اكتشفت أن الأبناء متعلقون جدا بالشغالة
خاصة ابني الأكبر .. بل إنه معجب بها كأنثى, فنظرت إليها نظرة المرأة
للمرأة فوجدتها جميلة ورشيقة ترتدي ملابس ضيقة وقصيرة, فأحسست بخطورتها على
الأبناء وأكبرهم في سن المراهقة, ولاحظت نظراته تجاهها, ووجدتها لا ترفض
نظراته إليها بل دائمة التحدث والضحك معه, وأحسست أنها مدركة تماما ما في عيني
ابني وما في قلبه من مشاعر المراهقة, وتشجعه على ذلك بنعومتها في الحديث فقررت
أن أبعد هذا الخطر عن بيتي, وطلبت مرة أخرى من زوجي أن يطردها من البيت بحجة
أننا لم نعد في حاجة إليها, وأن ملابسها وكلامها لا تتناسب مع أخلاقنا وعاداتنا
وتقاليدنا, فرد بأن هذه هي طبيعة جنسهم وأننا لا نريد منها إلا أن تقوم بواجبها
على أكمل وجه, واشتد الحديث وأنا مصرة على أن يطردها من البيت, وهو يرفض ولا
أريد أن أقول له إن ابنه منجذب إليها وهي تشجعه على ذلك, وهممت أن أقول له:
توجد أسباب قوية لأن تغادر هذه الفتاة البيت وهذه الأسباب هي, فقاطعني بصوت عال:
أيا كانت هذه الأسباب فإنها لن تغادر المنزل لأنها زوجتي!
ورنت الكلمة في أذني عدة مرات وكأنها صدى الصوت,
وخرس لساني عن النطق بالأسباب التي هممت بذكرها, وقال زوجي إنه تزوجها ونحن
مقيمون بمصر لكي تخدمه وترعاه! فقل لي بالله عليك يا سيدي: ماذا أفعل هل أحدث
زوجي عن شعور ابني تجاه زوجة أبيه وما تفعله هي لإغرائه؟ وماذا سوف يكون تصرفه
تجاه الابن؟ وهل أقول لابني إن هذه الشغالة هي زوجة أبيه؟ وماذا سوف يكون شعوره
ورد فعله؟, بل وماذا افعل وكيف أتصرف لأبعد هذه الشغالة عن المنزل وأحمي زوجي
وأولادي.
وماذا افعل أيضا لاستعادة
ثقة أولادي والتخلص من تأثير الشغالة عليهم خصوصا أنه توجد فجوة عميقة بيني وبين
أولادي من الناحية الثقافية, فهم دائما يتحدثون باللغة الانجليزية ويستخدمون
الانترنت ويتحدثون عن أشياء جديدة لا أعلمها.
إنني أعيش في جحيم, وفي داخلي بركان لا أعلم
متى سينفجر, وأنا أحاول الآن أن أسد فوهته بكل ما لدي من قوة للمحافظة على أسرتي
التي ليس لي سواها, وإن لم يكن لديك الحل فادع الله لي أن يتوفاني لأنني لا أقوى
علي احتمال هذا الموقف.
*
رابط رسالة الصراع الدامي تعقيبا على هذه الرسالة بعد رد الأستاذ
ولكاتبة هذه الرسالة أقول:
الواضح يا سيدتي أنك سيدة حسنة النية, وطيبة القلب إلى حد بعيد.. فلقد أسهمت بقلة احتياطك في نسج خيوط هذه القصة المؤسفة.. وكانت أول أخطائك حين أصررت على مفارقة زوجك والعودة إلى مصر بدعوى تعليم أبنائك فيها وإلحاق أكبرهم بالمدرسة الابتدائية, ولم يكن هذا السبب وحده كافيا للابتعاد عن زوجك وهجره, فالمدارس متوافرة حيث يعمل ويقيم, والزوجات الحريصات لا يدعن أزواجهن للوحدة ومغريات الغربة لمثل هذا السبب.. ثم تكرر هذا الخطأ في حياتك مرة أخرى حين رفضت بإصرار اللحاق بزوجك وجمع شمل أبنائك معه في حياة واحدة عقب وفاة والدتك, وعندما اقتنعت متأخرة بضرورة جمع الشمل كان زوجك وبتأثير الوحدة والفراغ قد وجد حلا آخر لمشكلته, فتزوج من هذه الفتاة الفلبينية قبل عودتك إليه, وضمها إلى بيتك بعد مرضك بزعم أن تحمل عنك أعباء البيت وترعاك.. وهذا هو الجانب الخادع في القصة كلها إذ كان يستطيع زوجك بعد أن اقتنعت بالعودة إليه, وجمعتكما حياة مشتركة أن يتخلص من هذه الفتاة, ويسرحها بإحسان قبل عودتك لبيتك, كما كان يستطيع كذلك مراعاة لظروفك الصحية أن يستبدلها بأخرى تعرف حدودها كشغالة ولفترة مؤقتة إلى أن تستردي عافيتك وتستطيعي الاستغناء عن خدماتها, أما أن يخدعك ويدلس عليك ويفرض وجودها في بيته بدعوى أنها شغالة ـ وهي في الحقيقة زوجته, فهذا ما لا يتفق مع الأمانة في شيء ـ ومن أسوأ ما يفعله زوج بزوجته التي تثق فيه وتأمن إليه أن يتحايل عليها لكي يحتفظ بزوجة أخرى معها تحت سقف واحد بغير علمها وقبولها لمثل هذا الوضع العجيب .. وخداعه لزوجته الأولى وأم أبنائه في هذا الشأن مما لا يغتفر بالفعل, ذلك أنه إذا كان قد التمس لنفسه بعض العذر فيما أقدم عليه بوحدته وبعد زوجته وأبنائه عنه لسنوات طويلة, فأي عذر له في الاستمرار في هذا الخداع, وقد عادت إليه زوجته واجتمع شمله بأسرته من جديد وأزيلت أسباب شكواه.
لقد كانت الأمانة تقتضي منه
أن يخيرك بين القبول بزواجه من أخرى والاستمرار معه علي هذا الحال.. وبين
الانفصال عنه وأداء كافة حقوقك إليك.. وهو لم يفعل شيئا من ذلك.. وليس من
العدل أن تتخلى عن بيتك وأسرتك ومملكتك لتحتلها دونك مثل هذه الغازية للبيوت الآمنة,
وإنما العدل هو أن تطرد الغازية وتخلص البيوت لأصحابها, كما لا يمكن على الناحية
الأخرى أن يستمر هذا الوضع الفريد إلى ما لا نهاية.. ذلك أن علاقته بها لن تخفي
عن أبنائه إلى الأبد ولابد أن يجيء يوم تتكشف فيه كل الحقائق, فماذا يمنعه
إذن من أن يسرع بإصلاح هذا الخطأ, وتسريح هذه الفتاة بإحسان قبل أن تتفاقم
العواقب ويكتشف أبناؤه زواجه منها ويسقط اعتباره لديهم؟
لقد أخطأت يا سيدتي بالبعد
عنه سنوات طويلة لأسباب غير قهرية.. لكنك قد أصلحت هذا الخطأ الآن حتى ولو كان
ذلك قد حدث متأخرا عن موعده, وعليه هو أيضا أن يصلح خطأه الذي ترتب على ابتعادك
عنه ويكتفي من التجربة بما جري منها حتى الآن, وينقذ أبناءه من تأثير هذه الفتاة
عليهم وزوجته من هذه المحنة.. ونفسه من هذه النزوة.. فهل يستجيب لنداء العقل
والحكمة قبل فوات الأوان؟ إنني أنصحك بالاستعانة عليه بالعقلاء من أهله, وألا
تتنازلي عن مطلبك بانفصاله عن هذه الفتاة وإبعادها عن حياتكم إلى النهاية, والله
المستعان على كل أمر عسير.
رابط رسالة الصراع الدامي تعقيبا على هذه الرسالة
· نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" عام 2003
راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي

برجاء عدم النسخ احتراما لمجهود فريق العمل في المدونة وكل من ينسخ يعرض صفحته للحذف بموجب حقوق النشر