ماء النار ..رسالة من بريد الجمعة عام 1995
ولدت كأي طفلة بين أب وأم وأخ يكبرني بخمس سنوات في أحد أحياء القاهرة , فلم تلبث أمي أن رحلت عن الحياة قبل أن أنعم بالصدر الحنون والحنان الدافق الذي تقدمه كل أم لطفلتها , ولم يمض وقت طويل حتى تزوج أبي بإمرأة أخرى لكي ترعى شئون الأسرة والأطفال وليتفرغ هو لعمله , ولست ألومه في أنه قد تزوج بعد أمي فهذا من حقه , لكنني ألومه فقط على سوء الاختيار, فمنذ جاء بها إلى بيتنا وكأنه قد ألقى علينا بماء النار .. ومنذ ذلك الحين وأنا وأخي نتلقى قذائف لسانها المتسلطة علينا ليل نهار في صبر واحتساب.
ومع أن هذه الظروف كانت كافية لأن تخلق منا فتية غير أسوياء أو غير مهذبين أو فاشلين دراسيا فلقد حمتنا رعاية الله فنشأنا أنا وأخي ننفر من بذاءة اللسان وإيلام الناس أو إيذائهم , وتفوقنا في دراستنا بجهودنا الذاتية إلى أن التحقنا بكليتين مرموقتين .. وما أعانيه الآن يا سيدي هو أنني أفتقد الدفء والحنان والاهتمام في حياتي وفي بيتي, فلقد نجحت طوال السنوات الدراسية السابقة وانتقلت من سنة إلى سنة وأبي لا يدري ما إذا كنت قد نجحت أو رسبت أو في أي سنة دراسية أنا , وبغير أن يقول لي كأب مبروك عند النجاح ويبتهج لنجاحي ويشعرني ببهجة النجاح , وكم من ليال لم أتناول فيها طعاما فلم ينتبه أحد لعزوفي عن الأكل ولم يدعني أحد إليه فكأنني طيف غير مرئي في البيت لا يحس أحد بوجوده , ولقد أشفقت علي إحدى صديقاتي فدعتني لزيارة بيتها وقضاء ليلة معها هربا من التعاسة التي أعيشها في بيتي , فرأيت في بيتها كل ما كنت أحلم به لنفسي, أدامه الله عليها ومتعها به , فقد رأيت الأم الحنون التي ينخلع قلبها إذا تأخرت ابنتها عن موعد عودتها بضع دقائق , ووجدت الأب المثالي الذي يتابع شئون ابنته باهتمام أولا بأول ويقبلها عند مغادرة البيت , وشعرت بالدفء الإنساني الذي أبحث عنه وعرفت أنه موجود في الحقيقة وليس في الخيال وبدأت أحلم باليوم الذي أخرج فيه من البيت البارد الجاف الذي أعيش فيه , لأشارك إنسانا حنونا حياته وأحلامه ومشاعره ويكون لي بيت أجد فيه كل ما حرمت منه في بيتي , وفي انتظار تحقيق حلم الخروج الصعب تمر الأيام ثقيلة ليلها مبلل بالدموع .. ونهارها ملوث بسماع أقذر الكلمات من تلك "المرأة " التي لا أجد ما أصفها به والتي لا تكف عن الدعاء علي أثناء الأكل وعند النوم وعند الاستيقاظ وتصفني بأقبح الصفات التي يعلم الله أنني بريئة منها مما يجعلني أقضي معظم أوقاتي في الكلية فإذا لم تكن هناك كلية قضيت معظم وقتي في المسجد أصلي واستذكر دروسي فيه لابتعد عن لسانها السليط وأبي كالحمل الوديع لا يفعل شيئا سوى أن يعطينا النقود في بداية كل شهر , وهكذا تمضى بي الحياة يوما بعد يوم , فأدع الله لي يا سيدي ألا تطول حياتي بهذا البيت حتى لا أفقد عقلي وثباتي , وأعطني بارقة أمل في أن هذه الحياة لن يطول شقائي بها , واكتب لي كلمة تواسيني بها وتعيد إلي الأمل في الحياة وفي الغد .
جميع الحقوق محفوظة لمدونة "من الأدب الإنساني لعبد الوهاب مطاوع"
abdelwahabmetawe.blogspot.com
ولكــــاتــــبة هــــذه الــــرســــالة أقـــول:
لابد أن نحيا حياتنا دائما بإحساس أن هناك "غدا" أفضل من يومنا الحالي , ولابد أن نأمل فيه ونسعى إليه ونترقبه في صبر وأمل .. فأحد علماء النفس الأمريكيين يقول أن الذين يعيشون باحساس أنه ليس هناك غد لا يجدون هذا الغد الأفضل حين يصلون إليه , لأنهم قد انكروه من البداية وأعلنوا يأسهم منه , فتمسكي بالأمل في هذا الغد الأفضل يا آنستي وثقي في أحقيتك فيه .. فلا شك أنك تسيرين إليه بخطى حثيثة وتفوقك الدراسي ونجاتك أنت وشقيقك من اعتياد القبح والبذاءة وايلام الآخرين خير دليل على انكما تسيران في الطريق الصحيح , إذ أن خير ما يفعله الإنسان هو أن يتعلم من دروس الألم التي تجرعها الاشفاق على الآخرين من أن يتكبدوا نفس الآلام التى خبرها من قبل وعرف كم هي قاسية ومؤلمة للنفس , وليس أحق بالسعادة ممن خبر الألم وعاناة مثلك ولظروف قدرية لا يد له فيها ولا حيلة , فثقي إذن من أن فرج الله قريب وجوائزه للصابرين دافية وواصلي حياتك وتفوقك الدراسي والتزامك الأخلاقي والديني .. فهذه هي أهم المؤهلات التي ترشحك لنيل السعادة والأمان في الغد القريب , وعوضي في "أطفالك" في المستقبل السعيد إن شاء الله كل ما حرمت منه في حياتك من صدر حنون وحنان دافق وكوني لهم الأم الرءوم التي ينخلع قلبها قلقا عليهم إذا تأخروا عن موعد عودتهم من الخارج .. واجعلي من شريك حياتك في المستقبل الأب الرحيم الذي يهتم بشئون أبنائه ويقبلهم عند الوداع ويستقبلهم بالأحضان عند الرجوع .. ولا عجب في ذلك لأننا نعوض عادة في أبنائنا كل ما حرمنا منه في حياتنا إشفاقا عليهم من أن يتكبدوا نفس ما عانيناه وتألمنا له .. "ولا ينبئك مثل خبير" وشكرا لك لأنك قد نبهت كثيرين من الأبناء والبنات إلى ما يتمتعون به بالفعل من عطاء آبائهم وأمهاتهم العاطفي لهم وربما كانوا لا يشعرون به أو "يتشكون" او يجهلون قدره وأهميته بحكم الألفة والاعتياد .
وما أكثر الأشياء الثمينة التي تفقد قيمتها في أنظارنا بحكم اعتيادنا لوجودها في حياتنا .. فلا ينبهنا لأهميتها عادة إلا من حرمتهم الأقدار منها أو من يشتهون مثيلاتها أو بعضها لحياتهم.
إنها مفارقة قديمة لكنها ليست غريبة على النفس البشرية , فشكرا لك على تذكريك للآخرين بقيمة هذا العطاء العاطفي المتاح لهم بلا عناء .. ودعاء إلى الله أن يخفف عنك وعن كل "الغرباء" في بيوتهم ما يعانون منه من آلام وأحزان.
نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" ابريل 1995
كتابة النص من مصدره / بسنت محمود
راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي

برجاء عدم النسخ احتراما لمجهود فريق العمل في المدونة وكل من ينسخ يعرض صفحته للحذف بموجب حقوق النشر