مقعد في الشمس .. رسالة من بريد الجمعة عام 1993

 

مقعد في الشمس .. رسالة من بريد الجمعة عام 1993


 مقعد في الشمس .. رسالة من بريد الجمعة عام 1993


أنا سيدة تقدم للزواج مني وأنا فتاة دون العشرين بسنوات رجل يكبرني بثلاثين عاما, فرفضت بالطبع وبكيت وحاولت الانتحار, لكن شقيقي أجبرني على قبول الزواج منه لأنه كان المسئول عني وضاق بعبئي ونفقاتي .. وكان شقيقي هذا نقاشا في زمن لم يكن صاحب الحرفة يجد فيه ما يكفي نفقاته، فتزوجت راغمة بعد عام من الخطبة وبدأت حياتي الزوجية فتاة صغيرة في الثامنة عشرة من عمرها وئدت أحلامها وعواطفها في مهدها, فلم أجد في حياتي الجديدة ما يعوضني أو يخفف عني حرماني، بل شربت كأس المر حتى الثمالة سنوات طويلة وعانيت من الضرب والاهانة والتجريح والطرد من البيت عند كل خلاف .. وفي إحدى هذه المرات ثرت ذات ليلة لكرامتي بعد أن أنجبت أول أولادي فعدت إلى بيت شقيقي طالبة منه حمايتي ودفاعه عني وعدم عودتي لزوجي ففوجئت به سامحه الله ينهال علي هو الآخر بالضرب ويعيدني إلى بيت زوجي ويطلب مني بصراحة قاسية أن أنسى تماما أن لي أخا أو بيتا آخر أستطيع اللجوء إليه إذا ضقت بعشرة زوجي, خاصة وأنه سوف يتزوج في شقة الأسرة .. فاستوعبت الدرس القاسي بمرارة واستسلمت لمصيري, وقمت برعاية زوجي بما يرضي ربي قبل أي اعتبار آخر, وتصبرت على ما ألاقيه من عنت مع زوجي وأولادي وقد رزقني الله منه بولدين وبنتين اضاءوا لي ظلام حياتي .. ومضت السنوات بخيرها وشرها, ثم مرض زوجي مرضا طويلا لمدة 4 سنوات رعيته خلالها بإخلاص, ومات يرحمه الله وسامحه منذ عامين .

وبعد رحيله عثرت بين أوراقه على عقود باع لي بمقتضاها كل ما يملك، فحمدت الله كثيرا على ذلك , واعتبرت أن الله قد أعطاني بذلك الجزاء الأوفى لخدمتي لزوجي في مرضه وصبري على حياتي معه وتعجبت من حكمة الله .. فقد باعني آخر لزوجي رغم إرادتي من أجل المال وكرهت ذلك من أعماقي ثم امتثلت لمصيري فإذا بخالق الكون يعطيني هذا المال .. ومعه أربعة كواكب تضئ حياتي وأسعد حتى بمجرد النظر إليهم , ويعطيني أيضا راحة الضمير لأني لم أقصر في حق زوجي خلال مرضه, أو طوال رحلة الحياة.

 وشكرت ربي على كل ذلك, وسافرت لأداء العمرة, وفي هذا العام سوف أؤدي فريضة الحج إن شاء الله .. وكل شئ في حياتي يمضي الآن على ما يرام لولا شئ واحد يكاد ينغضها علي في الوقت الذي كان ينبغي أن تصفو لي الحياة تماما.

 إنه شقيقي الذي لم أره خلال سنوات زواجي لمدة 25 عاما سوى أربع أو خمس مرات على الأكثر, والذي ضربني وطردني إلى بيت زوجي حين لجأت إليه وأنا زوجة شابة ضعيفة كسيرة الجناح .. فقد عاد للظهور في حياتي بعد وفاة زوجي من جديد وأصبح يتردد على بيتي يوميا بحجة الاطمئنان علي وعلى أولادي, ثم أصبح يطالبني دائما بنقود , أو بأن أتزوج مرة أخرى, وحين رفضت ذلك وجه لي كلاما جارحا كثيرا واتهمني بأني لا أريد الزواج لكي أعيش حياتي منطلقة بلا قيود ولا حدود ! وكلاما سخيفا آخر من هذا النوع, خجلت منه وبكيت كثيرا .. ولا أعرف ماذا أفعل معه .. إنني لا أريد الزواج مرة أخرى فأنا سعيدة بحياتي هكذا بعد معاناتي الطويلة, ومتعتي الكبرى الآن هي أن أجلس على مقعد في شمس الشتاء الدافئة واشتغل بالتريكو وأنتظر عودة أولادي من مدارسهم وكلياتهم أو أن أذهب إلى النادي وأجلس وحيدة أشرب الشاي وأراقب أولادي وهم يؤدون تمارينهم أو يلعبون مع أصدقائهم وأجد في كل ذلك هناء الدنيا, فماذا أفعل مع شقيقي هذا يا سيدي , هل أعطيه ما يطلبه من نقود ليسكت عني, أم هل أتزوج على غير رغبتي ورغبة أولادي, لقد فكرت أن أطلب من أخي بمنتهى الحسم إلا يأتي إلى بيتي وأنني لا أريد أن أراه مرة أخرى, ثم أصارح أولادي بكل شئ خاصة أنني مصممة على ألا أعطيه قرشا واحدا من مالي لكني لا أعرف هل هذا هو التصرف الصحيح أم لا .. وكل ما أدعو به ربي هو أن يسترني في حياتي ويستر الجميع وألا أشعر بالوحدة ذات يوم حين يكبر الأولاد وينصرفون عني إلى حياتهم الخاصة .. وشكرا لك فلقد أحسست بالراحة بمجرد أن أزحت عن صدري هذه الأفكار وكتبتها على الورق إليك فماذا تقول لي ؟

جميع الحقوق محفوظة لمدونة "من الأدب الإنساني لعبد الوهاب مطاوع"

abdelwahabmetawe.blogspot.com

 

ولـكـــاتـــبة هــذه الــرسالــة أقول:

 

اختاري لنفسك ما ترينه ملائما لك بغير استجابة لضغوط ولا خضوع لابتزاز .

فأنت سيدة ناضجة ومجربة وقادرة الآن على الدفاع عما تختارين لحياتك وعلى التمسك به, فإن رضيت بمقعد في الشمس الدافئة تشتغلين فيه التريكو وتنتظرين عودة أولادك إليك لتكرسي لهم حياتك بعد العناء القديم وهي حياة تكتفي بها كثيرات في مثل ظروفك فلك أن تختاري ذلك وتتمسكي به, وإن رغبت في الزواج وخشيت على نفسك من الوحدة أو الفتنة, ولم يعترض أبناؤك على رغبتك ولم يتضرروا منها, فلك أن تتزوجي مرة أخرى حين تشائين ذلك بشرط واحد هو أن تكون رغبتك في الزواج رغبة مستقلة تماما عن ضغط أخيك عليك وليست تهربا من هذا الضغط أو أملا في إبعاده عن التدخل في حياتك, لأن ما نختاره لحياتنا بملء إرادتنا هو وحده ما يستحق أن نشقي للوصول إليه والدفاع عنه, أما ما يفرضه علينا الآخرون فيستوي معه النجاح والفشل ولا يصمد كثيرا لرياح الزمن.

 وأنت في كل الأحوال لست مضطرة إلى الزواج استجابة للضغط أو لمنح شقيقك من مالك ومال أبنائك استجابة لابتزازه، كما أنك بكل تأكيد لست في حاجة إلى قطع رحمه ومطالبته بعدم العودة إليك مرة أخرى لأن في ذلك إثما كبيرا لا يجوز لك أن تفسدي به راحة ضميرك بارتكابه, وإنما أنت مطالبة فقط بأن تحددي له بحزم الحدود التي لا يجوز أن يتخطاها في التدخل في حياتك الشخصية ولن يعينك على فرض هذه الحدود والتزامه بها سوى التزامك بتعاليم دينك وقيمك الأخلاقية, فالضعفاء وحدهم الذين يقبلون المساومة على حريتهم الشخصية ويضطرون للخضوع للضغوط والابتزاز, والاستقامة الشخصية هي أكبر سند لأي إنسان يريد أن يعيش حياته كما يريدها هو وليس كما يريدها له الآخرون. فيها وحدها يكتسب الصلابة التي تمكنه من أن يرفض ما يريد رفضه دون أن يعتوره ضعف راجع لإحساسه لما في حياته من ثغرات أخلاقية.

 

لهذا فلست أنصحك بأن تقطعي صلتك بأخليك هذا، وإنما بأن تمنعيه فقط من أن يفرض عليك ما لا تريدين مرة أخرى .. وزياراته اليومية لك ليست شرا كلها على أية حال فهي دليل على الاهتمام وعلى استشعاره لمسئوليته عنك حتى وإن شاب اهتمامه هذا بعض الغرض .. والإنسان يا سيدتي في حاجة دائما لمن يهتم بأمره من أهله وعشيرته حتى وإن قسوا عليه في الماضي .. أو خالط اهتمامهم به بعض الغرض .. وفي رواية فرنسية قديمة قال البطل الذي صنع ثروته في سنوات الهجرة الطويلة إلى أمريكا الجنوبية ثم عاد لوطنه كهلا غنيا وحيدا فالتف حوله الأهل الذين لم يساعدوه في شبابه "أعرف جيدا أن كل من حولي من أهلي يهتمون بي أملا في مغنم أو كسب من ورائي .. لكن ذلك على أية حال أفضل من أن أكون ثريا وحيدا بلا أهل ولا أقارب لأننا لا نسعد في المنفى أبدا ولا بالوحدة ولا نسعد بأن نكون لا أهل لنا ولا جذور .. فشكرا للرب الذي جعل عندي ما يطمع الآخرون فيه .. ولم يجعلني من الطامعين فيما عندهم !"

وهذا هو المغزى الذي أريدك أن تشكري ربك أيضا عليه .. وليس معناه بالتأكيد أن تستجيبي لابتزاز شقيقك من الناحية المادية , وإنما انظري فقط إلى حاله نظرة عادلة .. فإن كان في مالك حقا معلوما هو الزكاة  فإن كان من مستحقيها, فالأقربون أولى بالمعروف وللشقيق الذي لا يكفيه نصابه لمواجهة نفقات الحياة حق في زكاة شقيقه القادر, وللابن أيضا المستقل بحياته عن حياة أبيه ويعول أسرة وأولادا ولا يكفيه نصابه للحياة حق كذلك في زكاة أبيه وأمه .. بل إن للزوجة القادرة أن تعطي زوجها أيضا من زكاتها المستحقة عليها إن كان من أهل الاستحقاق لأنها ليست مكلفة بالانفاق عليه .. كما يجوز دائما دفع الزكاة للإخوة والأخوات وسائر الأقارب إذا كانوا من مستحقيها وتوجيه الزكاة أو بعضها للأهل المستحقين قبل الآخرين أمر مندوب ومستحب لقول رسولنا الكريم "الصدقة على المسكين صدقة, وعلى ذي القرابة صدقة وصلة".

فانظري إلى حال أخيك بهذه النظرة المتجردة من مرارتك القديمة تجاهه فإن كان من المستحقين فهو الأولى بزكاتك من غيره, وإن لم يكن فلا بأس بالهدية الصغيرة استرضاء للنفوس واتقاء للأحقاد .. وتصرفي في ذلك وفي شأن حياتك كلها بإرادتك الحرة بلا مّن عليه ولا استعلاء .. وبلا ضعف أيضا معه أو استجداء , فأنت سيدة أمرك وليس لأحد أن يرسمها لك مرة أخرى بعد أن عانيت ما عانيت حين فرضها عليك الآخرون !

نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" فبراير 1993

كتابة النص من مصدره / بسنت محمود

راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي 


Neveen Ali
Neveen Ali
كل ما تقدمه يعود إليك فاملأ كأسك اليوم بما تريد أن تشربه غداً
تعليقات