الحلم الكبير .. رسالة من بريد الجمعة عام 1994

 

الحلم الكبير .. رسالة من بريد الجمعة عام 1994

 

أنا سيدة في الخامسة والثلاثين من عمري تخرجت في معهد الخدمة الاجتماعية وعمري 22 سنة وبدأت أبحث عن عمل مناسب , وذات يوم جاء إلى بيتنا زوج شقيقتي ومعه شاب يكبرني بعشر سنوات قدمه لنا كصديق له قال أنه سوف يسعى للحصول على وظيفة لي في الشركة التي يعمل بها , ورحبنا به وبعد قليل تبين أن زوج شقيقتي قد أدعى ذلك لكي يتيح لهذا الشاب أن يراني ويتحدث معي لأنه يرشحه للزواج مني ووافقت عليه بناء على موافقة أمي التي لم نتعود مخالفتها في شئ وتزوجنا سريعا بعد خطبة قصيرة .. ولم يكن زوجي من أبناء مدينتي الساحلية وإنما من أسرة طيبة بالجنوب ويعيش وحيدا في شقة متواضعة في مدينتنا ويعمل بشركة مقاولات بعقد مؤقت وبدأنا حياتنا الزوجية في هذه الشقة على وعد منه بأن ننتقل إلى أخرى أفضل منها حين تتحسن ظروفه المادية وطلبت منه أن يبذل جهده مع المسئولين بالشركة لكي يتم تثبيته بها وأشعر بالأمان معه فلم يقصر في ذلك واستجاب له رؤساؤه  وتم تثبيته وانتهت أولى مشاكل حياتي وعملت أنا كأخصائية اجتماعية بمدرسة قريبة من مسكني , وسعدت بحياتي مع زوجي وأنجبنا طفلين , ثم بدأ زوجي يتحدث عن "الحلم الكبير" في حياته وهو أن يدخل الجامعة ويتخرج في احدى كلياتها ويصبح خريجا يحمل شهادة عالية مثلي بدلا من مؤهله فوق المتوسط وأدركت الحرج الذي يحسه زوجي وأشفقت عليه منه فتعاطفت مع رغبته في تحسين وضعه الاجتماعي وشجعته بإخلاص على أن يدرس للحصول على الثانوية العامة ويلتحق بإحدى الكليات وبدأ الدراسة للثانوية العامة بهمه وإصرار وأصبح يعمل طوال النهار في الشركة ثم يعود للبيت فيذاكر دروس الثانوية طوال الليل وأعلنا حالة الطوارئ في البيت . وتوقفت عن الخروج والزيارات واستقبال الصديقات أيضا لأهيئ لزوجي الجو المناسب للدراسة , ثم جاء الامتحان فعانيت معه الخوف والقلق كأنني مازلت طالبة بالثانوية العامة , وظهرت النتيجة فإذا به للأسف يرسب بعد كل ما بذله من جهد , وصدمت برسوبه وحزنت من أجله وأشفقت عليه مما أحس به من خجل وضيق.

وتوقعت أن يتخلى عن الفكرة ويرضى بحياتنا خاصة بعد أن انتقلنا إلى شقة أفضل بعت مصاغي لكي نكمل مدخراتنا ونحصل عليها .. لكنه أصر على تحقيق أمله وفكر في أن يلتحق بمؤهله بجامعة بيروت بالمصروفات العالية بالعملة الأجنبية .. وأشفقت على حياتنا مما سوف يمثله ذلك من إرهاق مادي علينا لكني لم أرد أن أحرم زوجي من تحقيق حلمه ووافقت على تفكيره وشجعته عليه وأقترضنا قيمة الرسوم العالية والتحق فعلا بكلية الحقوق التي كان يحلم بدخولها وبدأ السنة الأولى من دراسة الحقوق وتكرر نفس النظام خلال عام الثانوية العامة "فهو في العمل نهارا وفي البيت يذاكر مساء طوال اليوم" .. وحياتنا تمضي في حدود الكفاف بعد أن بدأنا نسدد قيمة الرسوم التي اقترضناها على أقساط شهرية وعلى أمل أن ينجح زوجي في امتحان السنة الأولى ويتم تحويله لجامعة مصرية فنتخفف من الأعباء وظهرت النتيجة فإذا بزوجي يرسب في امتحان السنة الأولى أيضا .

وتوقعت أن ييأس زوجي لكنه لم يفعل وواصل المحاولة وشجعته عليها ونجح في المرة الثانية والحمد لله وأراد أن يحول أوراقه لكلية مصرية فواجهتنا مشكلة رسوم التحويل مرة أخرى وهي باهظة ومرهقة لنا أيضا لكننا تكبدنا دفعها , وتم التحويل فلم يحول إلى جامعة المدينة التي نعيش فيها وإنما إلى جامعة إقليمية تحتاج إلى سفر ونفقات .. إلخ وزادت أعباؤنا مرة أخرى خاصة بعد انجابي الطفل الثالث وتحملنا لإيجار الشقة الجديدة الذي يبلغ 80 جنيها ومع ذلك فلم اعترض ولم أتذمر ولم أشعره لحظة واحدة بأنني أعاني من ضيق العيش بسبب هذه النفقات الاضافية التي نحن في أشد الحاجة لها .. وبدأ يسافر إلى الجامعة الاقليمية ثلاث مرات في الأسبوع ليحضر المحاضرات ويشتري الكتب ويعود مرهقا ليذاكر .. ومع ذلك فقد رسب في امتحان السنة الثانية أيضا بعد أن استنزفت كليته الاقليمية كل مواردنا .

وفي هذه المرة وجدت نفسي غير قادرة على استمرار احتمال ضيق عيشنا معا وعجزنا عن تلبية احتياجات أطفالنا بعد أن تكبدنا بضعة آلاف من الجنيهات ضاعت هباء كما تأكدت أيضا أن قدرات زوجي لا تؤهله لدراسة الحقوق , وأن استمرار محاولاته لن يكون لها عائد سوى استمرار حرماننا فرجوته أن يتخلى عن دراسة الحقوق مادام عاجزا عن التقدم فيها لكن حلمه كان قد استولى عليه نهائيا وصمم على أن يكمل المشوار الذي بدأه مهما كانت الأعباء .. ولم أعارض حرصا عليه وأستأنف زوجي كفاحه للنجاح في دراسة الحقوق وواصلنا نحن شد الحزام والاستغناء عن مطالبنا الضرورية على أمل أن يعوضنا ليسانس الحقوق عن الضيق الذي نعيش فيه بعد سنوات.

 

 وفجأة سقط زوجي بدون مقدمات ورحل عن الحياة وعمره 43 عاما ووجدت نفسي وحيدة مع ثلاثة أطفال صغار .. رحل عني زوجي بعد 10 سنوات فقط من الزواج ودون أن يحقق حلمه الذي تحملت جفاف الحياة من أجله .. لقد استطعت الآن أن أتجاوز المحنة بالصبر والصلاة ونهضت لتحمل مسئوليتي عن أطفالي لكني أتحسر كثيرا على أنني قد حرمت نفسي من كل شئ وعشت السنوات الماضية كلها أنتظر اليوم الذي يتحقق فيه حلم زوجي ويعوضني عن حرماني ثم فجأة يضيع كل شئ بلا مقدمات ؟

فهل أخطأت حين شجعت زوجي في البداية على الجري وراء حلم لم تكن قدراته تمكنه من تحقيقه فبددت بذلك على أطفالي ما تبدد في هذا المسعى الخائب وهم في أشد الحاجة إليه؟

وهل كان ينبغي علي أن أعارضه في ذلك بشدة مع أنه كان متمسكا بإصرار بما يريد ولم يكن في الغالب يستجيب لى؟

جميع الحقوق محفوظة لمدونة "من الأدب الإنساني لعبد الوهاب مطاوع"

abdelwahabmetawe.blogspot.com

 

ولـكـــاتــــبة هــــذه الــــرســــالــــة أقـــــول:

 

لا يا سيدتي لم تخطئ حين شجعت زوجك على تحقيق حلمه الذي تعلق به أمله في تحسن أحواله , بل لقد أديت واجبك كزوجة مخلصة تشارك زوجها آماله في الحياة وتشجعه على التقدم للأمام وتضحي ببعض مطالبها من أجل ذلك , فإذا كانت التضحية قد بدت لك الآن هباء , فلم يكن ذلك بسبب عبثية الحلم نفسه وإنما لأن العمر لم يطل بزوجك لتحقيق أمنيته , ومن المحزن حقا أن يموت الإنسان قبل أن يتم عمله في الحياة ويحقق أحلامه , لكن الإنسان يحيا أيضا حياته ويسعى إلى أهدافه وهو يعلم جيدا أن الله سبحانه وتعالى قد يسترد هبة الحياة منه في أية لحظة , ولا يمنعه ذلك ولا ينبغي أن يمنعه من أن يسعى بدأب إلى تحقيق آماله والحلم بمستقبل أفضل لنفسه وأسرته وللبشرية كلها إذا استطاع , والإنسان في حاجة دائما إلى حلم مشروع أو هدف صغير يتناسب مع قدراته لكي يسعى إليه ويحس بأن لحياته معنى ومغزى .. وكل الأفكار الخالدة والمبادئ السامية والاختراعات العظيمة التي غيرت حياة البشر للأفضل بدأت دائما بحلم تمسك به صاحبه في وجه الصعوبات والاعتراضات وحتى بمعيار الصحة النفسية فإنه من المفيد دائما للإنسان أن يسعى وراء هدف جديد مشروع كلما حقق هدفا من أهداف حياته لكي يجدد روحه ويزداد تمسكا بالحياة ويتجنب الاكتئاب النفسي بشرط أن يكون الهدف مما تؤهله قدراته والظروف المحيطة به لتحقيقه وإلا كانا ضربا من الوهم وتعذيبا للنفس بالأمنيات المستحيلة فإنعدام الهدف والعجز عن الحلم بغد أفضل أو بالسعادة والعدل والأمان والكرامة إلخ لا يعنيان إلا شيئا واحدا انتهاء "مأمورية الإنسان" في الحياة واستسلامه للكآبة والمرض في انتظار اشارة النهاية .. أما النجاح في تحقيق الأهداف فليس مضمونا لأحد ولا ينبغي ذلك أن يكون معوقا للإنسان عن الكفاح من أجلها .

فعالم النفس وليم جيمس يقول لنا أن مجرد احتمال النجاح يسبغ على الكفاح نبلا ويجعله جديرا بما بذلنا من جهد لتحقيق أهدافنا.

والنظرية الفلسفية الرواقية القديمة كان محورها أن "السرور في الكفاح ذاته مهما كانت نتيجته غيرمؤكدة" لأنه يثير لدى الإنسان الحماس للحياة ويبعد عنه اليأس الذي يفقده الاحساس بقيمة الحياة ذاته .. وإذا كان زوجك الراحل لم يحقق أهدافه التي ضحيت من أجلها , فيكفيه أنه قد رحل عن الحياة وهو يكافح بشرف لتحسين مستواه أملا  في أن يحقق لك وأطفالك مستقبلا أفضل وأنه لم يحقق أهدافه لتقاعس أو كسل عن الكفاح وإنما لسبب قهري لا حيلة لأحد فيه هو انتهاء مأموريته في الحياة .

وأنت الآن يا سيدتي قد أصبح لك حلم آخر وهدف نبيل هو رعاية أطفالك والوصول بهم إلى بر الأمان .. ومن حقك أيضا أن يكون لك حلمك المشروع في السعادة الشخصية وبدء حياة جديدة تمسح عنك أحزان الماضي .. فما عيب الأحلام إذن ؟

نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" فبراير 1994

كتابة النص من مصدره / بسنت محمود

راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي

 

Neveen Ali
Neveen Ali
كل ما تقدمه يعود إليك فاملأ كأسك اليوم بما تريد أن تشربه غداً
تعليقات