الحل الأخير .. رسالة من بريد الجمعة عام 1993
أنا سيدة تجاوزت الخمسين ,
حباني الله في شبابي بقسط وافر من الجمال , نشأت في أسرة كريمة معظم أفرادها في
مراكز مرموقة وتخرجت في الجامعة وتزوجت منذ خمسة وعشرين عاما , وأنجبنا طفلا سعدنا
به ثم تعاقدت أنا و زوجي للعمل في دولة خليجية بمرتبين كبيرين وسافرنا معا ..
وأصبح نظام حياتنا هناك أن نخرج معا للعمل في الصباح وبعد انتهاء مواعيده ينتظرني
زوجي بالسيارة أمام عملي ونعود إلى بيتنا لتناول الطعام .. وبعد الغداء بساعة أو
أكثر قليلا يخرج زوجي إلى المقهى حيث تنتظره شلة الأصدقاء فيسهر معهم حتى العاشرة
مساء وأظل مع طفلي الصغير وحيدين إلى حين عودته .. وقد حاولت مع زوجي في البداية
ألا يطيل ساعات غيابه عن البيت وفشلت , فرضيت بحياتي وتكيفت معها , وسارت بنا
سفينة العمر نتعاون معا في نفقات الأسرة ونقتسم ما يبقى من مرتبينا بعد ذلك مناصفة
ويحتفظ كل منا به في حسابه بإسمه في البنك.
ومضت الحياة ومعظم وقتي أقضيه مع طفلي الوحيد في
البيت .. وعندما بلغ سن العاشرة , أنجبت طفلة فأصبحت له أختا تخفف عنه بعض وحدته ..
وبعد عامين آخرين أنجبت طفلة ثانية , وأصبح لنا ثلاثة أولاد نسعد بهم ويملأون
علينا حياتنا , ومضت خمسة عشر عاما على اغترابنا فقررنا أن نستقيل من عملنا ونعود
لنستقر في بلدنا .. وفكرنا بعد العودة فيما يستطيع زوجي أن يمارسه من عمل بعد أن
فقد وظيفته خلال سنوات الغربة الطويلة , وقرر زوجي أن ينشئ مشروعا تجاريا , ولم
تكن لديه أية خبرة سابقة فتكلف المشروع أكثر مما ينبغي .. وتعثر بعد قليل فحقق
خسائر كبيرة ونصحت زوجي بإيقافه قبل أن يأتي على كل ما يملك , لكنه لم يستجب لي
وواصل العمل به فاستمرت الخسائر وتزايدت حتى أتت على رأس المال كله وأثقلته
بالديون للبنوك والأفراد .. ولجأ إلي زوجي يطلب مني مساعدته في تسديد ديونه حتى لا
يتعرض للسجن .. وبكى متأثرا ، فلم أتردد في الوقوف إلى جواره لأنه والد أبنائي
وتصرفت فيما أملك وأعطيته المال ليسدد ديونه ولم يبق لي منه شئ يذكر , ونتيجة لهذه
الضغوط النفسية مع حزني على ضياع شقاء عمري وعمر زوجي ومستقبل أولادي , هاجمني
المرض فأصبت بالسكر وأدى إلى تثاقل حركة الرجلين , وهاجمتني آلام شديدة في العمود
الفقري والركبتين وبدأت رحلة علاج طويلة .. واضطر زوجي بعد أن كنا نحلم بالاستقرار
في مصر إلى الهجرة مرة أخرى لكي يوفر لنا مطالب الحياة الضرورية , وسافر وحيدا إلى
إحدى دول المهجر غير العربية , وبقيت مع أبنائي في مصر ننتظر أن يحصل زوجي على حق
الإقامة المشروعه هناك بعد 5 سنوات لكي نستطيع أن نلحق به ونواصل الحياة معا.
وللحق فإن زوجي لم يتخل عنا في غربته فأصبح يرسل
لنا المال الكافي لتغطية نفقاتنا الضرورية ويتصل بنا كل أسبوع بإنتظام , وقد أرهقت
الغربة الثانية مشاعره فأصبحت أسمع منه في التليفون من الكلمات الرقيقة ما لم أكن
أسمع مثله ونحن نعيش معاَ في بيت واحد .. وبعد سنوات طويلة من "الصمت"
الذي كان يعتصم به في معظم أوقاتنا معا , ورضيت بأقدارنا وما فرضته علينا من أن
نبدأ من جديد .. واعتبرت ما جرى لنا اختبارا من الاختبارات القاسية وتعلقت آمالي
بأن يتقدم الأبناء في دراستهم إلى أن نلحق بزوجي ويجتمع شمل الأسرة من جديد وهونت
الأمر على نفسي بأننا مهما واجهنا من صعوبات فلن تكون أقسى مما مر بنا وتحملناه
فإذا بابني الطالب الجامعي يهوى فوق رأسي بكارثة جديدة .. فلقد صارحني بعد تردد وهو
يغالب خجله وحرجه بأنه لم يبلغ بعد مبلغ الرجال وأنه لا علاقه له بالرجولة سوى ذقن
وشعر جسمه الغزير .. أما نفسيته فأنثوية وتفكيره كذلك ! ولهذا فهو يريد أن
"يصحح" وضعه ويتحول بالجراحة إلى فتاة!
ومادت الأرض بي وأنا اسمع منه
ذلك وتذكرت في هذه اللحظات القاسية أن ابني هذا لم يكن في طفولته يلعب إلا مع
البنات في مثل عمره وبألعابهن الأنثوية وخاصة العرائس ! وذلك عند زياراتي لصديقاتي
في الغربة خلال انصراف زوجي إلى أصدقائه في المقهى .. كما تذكرت أيضا أنني كثيرا
ما كنت أفاجأ به وهو طفل يرتدي حذائي الحريمي ويتجول به في البيت وهو في قمة
السعادة ! فألفت نظره إلى عدم جواز ذلك لأنه ولد وصارحت زوجي بملاحظاتي عليه , فلم
يتوقف عندها ورأى أنه من الطبيعي أن يلعب الولد مع البنات ! وكانت النتيجة أن
استمر في مصادقة البنات وهو طفل إلى أن انقضت فترة الطفولة وتعذر عليه ذلك فانطوى
علي نفسه وبدأت تظهر عليه أعراض الاكتئاب وبدأ يتعثر في دراسته الجامعية وأفقت من
ذكرياتي وهو يطلب مني مساعدته على حل هذه المشكلة ! وأسودت الدنيا في وجهي مرة
أخرى .. ثم استجمعت إرادتي وبدأت محاولة علاجه فطفت به على 10 أطباء كبار في مختلف
التخصصات , وأعطاه بعضهم هرمونات الذكورة فكنت أجرعها له حتى لا يتهرب منها .. ومع
ذلك لم تثمر أي نتيجة معه , ثم أجمع الأطباء الكبار في النهاية على أن ولدي الوحيد
مصاب بمرض نادر اسمه "ترانسكس" ومعناه عدم توافق الإنسان مع جنسه .. وهو
مرض لا شفاء منه وبمقتضاه فإن ابني الوحيد رجل من الناحية التشريحية فقط لكنه أنثى
نفسيا وعقليا ولا حل لهذا الوضع إلا بأمرين : التحول بعملية جراحية إلى أنثى
وممارسة حياة فتاة بتفكيرها ونفسيتها .. أو البقاء كما هو إلى أن ينهي حياته بيده
ذات يوم لأنه لا يمكن معايشة هذا المرض إلى النهاية !
وعارضت ولدي بشدة في البداية في
إجراء عملية التحول .. وطلبت منه أن يعتبر نفسه إنسانا معاقا مبتلى ويتعايش مع
إعاقته وبلائه ويتحمل أقداره ويصبر عليها لكنه عجز عن الاستمرار وحاول الانتحار
أكثر من مرة .. وأصيب باكتئاب نفسي شديد لم تجد معه نفعا العقاقير ولا جلسات
العلاج النفسي التي استمرت عاما ونصف العام .
وبدأ يعاملني بغلظة شديدة
وحينما يهدأ يبكي بين يدي نادما على ما فعل معي .. وتحملت كل هذا العناء بصبر شديد
وصارحت زوجي بحالته وحاجته إلى إجراء الجراحة .. وطلبت موافقته عليها كبلاء أرحم
من بلاء الانتحار أو استمرار المعاناة فرفض زوجي بإصرار وفي إحدى مكالماته كرر
زوجي رفضه وأكد أن الإقدام على جراحة التحويل كفر فثار ابني وقال لوالده أنه مؤمن
بالله ورسوله لكنه لا ذنب له في حالته النادرة ثم انهار باكيا .. وأخيرا استجمعت
إرادتي مرة أخرى ولا أعرف كيف أعانني الله على تحمل كل هذه المصائب وكتبت لزوجي
رسالة من عشر صفحات بعد أن أكد لي الطبيب النفسي استحالة التعايش مع هذه الحالة
وأنها ستؤدي لا محالة إلى انتحار ابني ذات يوم , وقلت له في رسالتي إن ابننا إنسان
بائس ومرضه نادر وغير قابل للشفاء ولن يجد من تتقبله زوجا لها بوضعه الحالي ولن
يكون له أحفاد منه إذا كان يتمسك ببقائه في جنس الرجال طمعا في هذا الأمل , وإنني
كأم أريده على قيد الحياة لو أصبح أنثى أو حتى أصبح قردا فهو في النهاية ولدي
وفلذة كبدي الذي عانيت في حمله وولادته ورأيته بقلبي قبل أن يأتي للدنيا من عالم
الغيب ولن أتحمل أن أفقده نهائيا ذات يوم , فكرر الرفض مرة أخرى ومازال مصرا على
موقفه .. ومازال ابني مصرا على الجراحه ويعتبرها أمله الوحيد ليتخلص من عذابه ..
وأنا أعيش أسوأ أيام حياتي بين الاثنين ولا أريد أن أخسر زوجي الذي يكافح من أجلنا
في الغربة في هذه السن وينتظر بفارغ صبر حصوله على حق الإقامة ليستطيع أن يأتي
لزيارتنا واصطحابنا معه .. ولا أريد في نفس الوقت أن أخسر حياة ابني المسكين
المريض بمرض نادر ولد به وغير قادر على معايشته ويهمني قبل كل ذلك أن أعرف رأي
الدين في حالته لأني حريصه على رضاء ربي .. فماذا أفعل يا سيدي !
جميع الحقوق محفوظة لمدونة
"من الأدب الإنساني لعبد الوهاب مطاوع"
abdelwahabmetawe.blogspot.com
ولكـــاتــبة هــذه الــرســالــة أقـــــول:
لا حد لآلام الإنسان .. ولا
نهاية ! إذ كلما بدا له أنه قد خبر كل أنواع الألم وذاق كل مرارته خرجت عليه
الحياة أحيانا بما لم يجر له ببال من قبل .. ومن هذا النوع الأخير محنتكم الجديدة
يا سيدتي أعانكم الله عليها .
غير أن الشجاعة الحقيقية هي
دائما في الصبر على المكاره .. والتعامل معها بمنطق واقعي يسلم بما جرت به
المقادير أولا ثم ينشط لعلاج الآثار وتخفيف الأضرار .. ولاشك أنك يا سيدتي فضلا عن
كل آلامك في موقف صعب حقا بين طرفين لكل منهما حجته القوية وعذابه الخاص الذي لا
يدري به أحد .. فالأب مصدوم صدمة العمر بعد كل ما مر به من نكبات في ولده الوحيد
الذي كان يأمل كأي أب آخر في أن يتواصل مع الحياة من خلاله ويحمل من بعده اسمه ,
والابن على الجانب الآخر محكوم بأقدار لا حيلة له فيها ومعذب بأنه ليس رجلا وإنما
سجين جنس لا يحمل خصائصه ولا يتوافق معه والمخرج الوحيد من هذه المحنة القاسية في
تقديري هو الاحتكام إلى رأي أهل الاختصاص واتباع مشورتهم فيما لا يتعارض مع أحكام
الدين مهما كانت هذه المشورة صادمة للشعور ومخيبة لآمال كل أبوين في فلذة كبدهما .
فراجعي أطباء ابنك النفسيين مرة أخرى يا سيدتي وتأكدي بغير أي ميل للتعاطف مع رغبة
ابنك من استحالة تعايشه نهائيا مع وضعه المؤلم هذا ومن أنه سيؤدي به حتما إلى
الانتحار ذات يوم .. وهو فيما أعلم المصير النهائي لمعظم من لا يتوافقون مع جنسهم
في كثير من الحالات .. فإذا أكدوا لك ذلك برأي قاطع لا مجال فيه للتردد أو البدائل
فهم شهود عدول على حالة الضرورة التي تبيح المحظورات وتفرض هذه الجراحة وتنفي عن
ابنك شبهة الاستسهال أو اتباع هوى النفس .. وتقدمي بهذه الشهادات الموثوق بعلم
أصحابها ودينهم إلى لجنة الفتوى بالأزهر الشريف أو إلى دار الإفتاء المصرية وأطلبي
رأي الدين في مشروعية هذه الجراحة وهو إجراء متاح لأي مواطن مقابل رسم بسيط وستقدم
لك الدار فتواها بعد دراسة تقارير الأطباء ومراجعة النصوص .. وغاية الدين دائما هي
خير الإنسان وصلاح أمره ودفع الضرر عنه .. وسوف يكون الفيصل في فتواها هو التأكد
من أنه لا سبيل آخر لعلاج حالة ابنك سوى هذا الحل .. وأن الانتحارخطر جديد يهدد
حياته إذا ظل سجين جنس لا يتوافق معه ولا يشعر بالانتماء إليه فإن كانت الفتوى في
صالحه فابعثي بها إلى أبيه وطالبيه بأن يرتفع فوق آلامه ويمتثل لحكم الضرورة ..
ويضيف هذه المحنة الجديدة إلى ما اختبرته به الحياة من قبل من اختبارات قاسية
تحملها بشجاعة عسى أن تكون آخر الآلام والأحزان في حياتكم .. وأن يستخير ربه ويسلم
بما رأى الأطباء أنه لا مفر منه .. ويرضى به رغم قسوته على نفسه كأب وكرجل ."
ومن توكل على الله رضى بفعله" في النهاية كما يقول القطب الصوفي أبو بكر الشبلي
, والشرع والقانون والتقاليد الطبية في بلادنا لا تسمح على أية حال بإجراء هذه
الجراحة إلا إذا ثبتت ضرورتها الطبية القصوى كحل أخير لمشكلة إنسان معذب بجنسه
ويتهدده خطر الانتحار وإلا فإن نقابة الأطباء تسائل الجراح وتحاسبه وتوقع عليه
العقاب المهني إذا أقدم عليها بدافع الإغراء المادي وحده أو لغير ضرورة صحية .. فليطمئن
إذن ضمير الأب إذا مضت الأمور في اتجاه ما يكرهه وأجازت دار الإفتاء أو لجنة
الفتوى الجراحة كعلاج طبي لا بديل سواه .. ولاشك أن لمحنتكم هذه دروسا سوف تفيد
الآخرين وتلفت أنظارهم إلى بعض العوامل المساعدة التي أسهمت في تعقيد حالة ابنك
منذ البداية .. منها وحدته كطفل طوال عشر سنوات قضاها ملتصقا بأمه وحدها غالبا ومع
غياب الأب عنه معظم الأوقات قد جعلته يدور في فلكها ويعايش عالمها الأنثوي برموز
طوال هذه السنوات .. ورسبت في نفسه
الاستعداد للتوافق مع جنس الأم وصديقاتها وبناتهن أكثر من توافقه مع جنس الأب
والأولاد الذكور .. ومنها أيضا إهمال المقدمات الصغيرة ودلالاتها على ميوله
الأنثوية من الاستمتاع بارتداء حذاء الأم أو ملابسها وهو تصرف لا تكاد تخلو طفولة
طفل من محاولته مرة على الأقل فإذا قوبل بالردع كرهه وانتهى عنه وإذا قوبل
بالتساهل معه أو الضحك له دون النهي عنه تمادى فيه وترك أولى مؤثراته السلبية على
نفسيته , ومنها كذلك ميله للعب مع الفتيات وبألعابهن الأنثوية كالعرائس والاندماج
في عالمهن وخلو حياته من صداقات الأطفال الذكور وألعابهم وسلوكياتهم .. فكل ذلك قد
أسهم بغير شك في بذر بذور عدم توافقه مع جنسه وفي تطلعه الخفي للانتماء إلى عالم
الجنس الآخر الذي بدا له منذ الطفولة مألوفا وجذابا وساحرا , وما يقال عن الولد
يقال أيضا عن الفتاة في طفولتها إذا أهمل الأهل ملاحظة اندماجها في عالم الأطفال
الذكور وحدهم وممارستها لألعابهم وخلو حياتها من صداقات من جنسها .. فالطفل يأتي
إلى الدنيا وعاء خاليا من كل شئ ابتداء من المعرفة والأخلاق والدين وانتهاء بالوعي
بحقيقة نوعه , والأسرة هي التي تصب في وجدانه كل ذلك في البداية , بما تلقنه من
مبادئ وقيم ومعارف وسلوكيات وبما تختاره له من ملابس وألعاب وصحبة تعمق إحساسه
بنوعه وبنواهيها له عما لا يتفق مع هذا الغرض من سلوكيات.
والتنبيه للمقدمات في وقت مبكر
ييسر العلاج دائما قبل استفحال الخطر .. ولست أقصد بحديثي هذا أي لوم لأحد ..
وإنما هي فقط محاولة لاستخلاص عبرة المحنة ليستفيد بها الآخرون .. ويتجنبوا آلامها
كعهدنا دائما مع كل القصص التي تنسجها الحياة بخيوط غزلها الفريدة .. ولا نهاية
لعجائبها .. ولا مواجعها !
نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" ابريل
1993
كتابة النص من مصدره / بسنت
محمود
راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي

برجاء عدم النسخ احتراما لمجهود فريق العمل في المدونة وكل من ينسخ يعرض صفحته للحذف بموجب حقوق النشر