رحلة السنين .. رسالة من بريد الجمعة عام 1991

 

رحلة السنين .. رسالة من بريد الجمعة عام 1991

رحلة السنين .. رسالة من بريد الجمعة عام 1991

 

أنا أم في السادسة والستين من عمري وزوجي في السبعين أطال الله عمره وأبقاه لي ووهبه الصحة والعافية .. وقد تزوجته منذ واحد وخمسين سنة ورزقنا الله بولدين يبلغ عمر أكبرهما الآن 50 سنة , والأصغر 49 سنة وبعد تخرجهما من الجامعة زوجناهما من زميلتين لهما في ليلة واحدة وأقام لهما أبوهما فرحا كبيرا وتكفل بكل شئ .

ودارت عجلة السنين فعملا ونجحا في حياتهما وأنجبا لكن ماذا حدث بعد ذلك .. لقد تعرف الابن الأكبر على فتاة فاستولت عليه من زميلته التي أمضى معها سنوات الدراسة في حب ووفاق وطلقها وابنه وابنته صغيران وتزوج الأخرى فأخذنا على عاتقنا أنا وأبوه الإنفاق على ولديه وتكفلنا بكل مسئوليتهما حتى بلغا المرحلة الجامعية .. وأما هو فقد أنجب بنتين من زوجته الجديدة وانشغل بحياته معها.

أما الابن الأصغر .. فلم يطلق زوجته لكنه يعبد المال ويطأ الجميع من أجله ماعدا زوجته , فيأخذ من أبيه ومني أي شئ يستطيع الحصول عليه بغض النظر عما إذا كنا نحتاج إليه أم لا لأن المهم أولا وأخيرا هو وما تريده زوجته فيأخذه منا ويشتري لها الذهب والماس مع أن حالته المالية جيدة جدا وعنده سيارة مرسيدس آخر موديل طول الشارع ولزوجته سيارة من نوع آخر ولكل ولد من ولديه سيارة صغيرة.

 ومنذ 10 سنوات احتفل زوجي أكرمه الله بعيد زواجنا الأربعين وقدم بهذه المناسبة لي مبلغا من المال هدية فجاء ابني الأصغر هذا وأخذه مني كسلفه سيردها لي ولم يردها حتى الآن منذ عشر سنوات .

وفي نفس هذه الفترة أيضا جاء ابني الأكبر وطلب من أبيه مبلغ عشرين ألف جنيه لعمل يريد استثماره فيه على أن يرده بعد سنة .. فأعطاه ما أراد فمضت 10 سنوات أيضا ولم يسدده .

والأهم من كل ذلك هو أنه منذ 10 سنوات بالضبط لم نرهما ولم نر أولادهما وزوجتيهما ولا أعرف سببا لذلك إلا العقوق والانقياد وراء الزوجات .. فماذا جرى للدنيا يا سيدي لقد أحسنا تربيتهما هما وأولادهما ولم نطالبهما بشئ ولا نرى فارقا بيننا وبين أولادنا فمالنا مالهم في النهاية .. وما نملكه وهو قليل الآن بعد رحلة السنين ملكهم وقد أخذا كل ما كان متوفرا معنا وزوجي يعمل بالتجارة رغم أنه مسن وصحته ضعيفة وأنا مريضة بالقلب .. ولقد ضاع العمر في رعايتهم وتربيتهم وبعد أن أخذوا كل ما بقي معنا لم تعد لنا ضرورة في الحياة ولم تعد هناك فائدة من وجودنا فابتعدوا عنا مع أننا في أشد الاحتياج لهم لرعايتنا في شيخوختنا .. فلماذا يفعلون ذلك يا سيدي وهل هناك سبب آخر سوى "الزوجات والعقوق" .. إنني أمضى نهاري كله أردد حسبي الله ونعم الوكيل .. وأريدك أن تكتب عن عقوق الأبناء لأني لا ألوم في النهاية إلا أولادي والسلام عليكم ورحمة الله.

ولــكــاتـبة الرسـالـة أقــول :

 

يبدو أن مصاحبة أسرة من بدايتها حتى شيخوختها أمر يثير الأسى  في النفس غالبا كما قال صادقا ذات يوم أديبنا العظيم نجيب محفوظ في أحد أعماله .. وهذا صحيح إذ ما أبعد البدايات الواعدة بالبهجة والسرور عن نهاياتها المثيرة للألم والاستنكار.

 ومن حقك يا سيدتي أن ترددي حسبي الله ونعم الوكيل أناء الليل وأطراف النهار ولعلك حين تفعلين ذلك تسرحين بعيدا فتطوين صفحات السنين وتستعيدين صور ولديك هذين وهما طفلان رضيعان لا يدريان من أمر نفسيهما شيئا ويعتمدان عليك في كل شئونهما .. ثم تتابع عليك مشاهد الطفولة والصبا والشباب بذكرياتها .. وأمراضها .. وألعابها ومسراتها وهما بسمة الحياة وفرحة القلب وعزاء المستقبل حين تأتي الشيخوخة .. ثم تقطعين التتابع فجأة لتتساءلي بمرارة كيف تحولت فرحة القلب القديمة إلى غصة تؤلمه وتؤرقه في سنوات الوحدة والشيخوخة وكيف هان عليهما أن يباعدا أبويهما عشر سنوات طويلة كليل المعذبين مهما كانت أسبابهما ومبرراتهما .. وأينما كان وجه الحق في أي خلاف معهما .

نعم كيف حدث هذا ؟

المال؟ أي شئ في الدنيا يستحق أن يقاطع ابن من أجله أباه وأمه كل هذه السنوات وكلاهما كما يبدو من رسالتك ليس في حاجة ماسة للمال .. الزوجة كما تقولين ؟ وأين رجولة الأبناء وعاطفتهم وخوفهم من ربهم وطاعتهم لأمره بأن يصاحبوا آباءهم وأمهاتهم فى الدنيا معروفا .. حتى وإن جاهداهم على ألا يعبدوا الله !

يا إلهي .. ماذا جرى للدنيا حقا يا سيدتي .. وماذا أقول أكثر مما كتبت مرارا عن جناية عقوق الأبناء للآباء والأمهات ؟ إنني لن أكرر ما قلته من قبل لكني سأذكر ولديك فقط بأنه كما تدين تدان وأنه ليس من حق من يعق أباه أن يتوقع من ابنه أن يبره وأننا قد ندفع فواتير كل خطايانا فيما بعد ويؤجل الله عقابها إلى الآخرة .. إلا خطيئة واحدة هي عقوق الآباء والأمهات فقد ينزل الله عقابه عليها في الدنيا مع ما يدخره لمرتكبها من عذاب في الآخرة .

فلينظر إذن كل منهما أمره .. وليحاول استدراك ما فاته وليس في الحياة خلاف لا يمكن تسويته بالحق والعدل .. وبما يرضي خالق الأكوان وإن تطلب الأمر أن يتنازلا عن بعض مطالبهما اتقاء لغضب ربهما .. وابتعادا عن معصيته .. فإن لم يفعلا فلن يلوما إلا نفسيهما .. والسلام .

 نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" نوفمبر 1991

كتابة النص من مصدره / بسنت محمود

راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي


Neveen Ali
Neveen Ali
كل ما تقدمه يعود إليك فاملأ كأسك اليوم بما تريد أن تشربه غداً
تعليقات