تذكرة السفر .. رسالة من بريد الجمعة عام 1990
أنا طالبة بإحدى
كليات جامعة عين شمس وأريد أن اكتب لك قصة أسرتي .. فلقد كان أبي عاملا معماريا
ونعيش أنا وأبي وأمي وشقيقان في غرفة واحدة في أحد أحياء القاهرة القديمة .. ولم
يكن في غرفتنا كهرباء ولا ماء ولا دورة مياه .. ومع ذلك فلقد كنا نحيا راضين
بحياتنا حتى استطاع أبي الحصول على عقد عمل في إحدى الدول العربية فقمنا ببيع كل
ما نملك لكي نوفر له ثمن تذكرة السفر .. وسافر أبي ترفرف عليه أحلامنا في أن يعوض
لنا كل ما فقدناه من أجل شراء تذكرة السفر .. وما حرمنا منه في حياتنا.
وبدأ يرسل كل فترة مبلغا ضئيلا لا يكفي لطعام
ولا لشراب واستمر هكذا ٣ سنوات ثم عاد فطرنا به فرحا ولم يكن قد أدخر سوى القليل
.. وبهذا القليل اشترينا قطعة ارض صغيرة جدا في حي عشوائي غير مأهول بالسكان
وبنينا فوقها شقة مكونة من سقف وحوائط فقط بلا باب ولا شباك ولا كهرباء ولا أي شيء
آخر، ومع ذلك فلقد اعتبرناها قصر الأحلام وسعدنا بها جدا لأنها أفضل كثيرا من
الغرفة المشتركة.
واطمأن أبي إلى أننا قد انتقلنا إلى "القصر" فسافر مرة أخرى إلى نفس الدولة العربية وطالت غيبته بغير أن يرسل إلينا خطابات أو نقودا ووجدت أمي نفسها بلا مورد ومسئولة عن ٤ أطفال فخرجت للعمل في البيوت فكانت تخرج في الصباح فتنظف البيوت وتعود آخر اليوم في غاية الإرهاق لأن أبي كان قد تركها وهي حامل .. فتقوم بإعداد الطعام لنا وتسهر بجانبنا ونحن نذاكر فتنام من شدة التعب ثم جاءت فترة الوضع فاضطرت لترك العمل .. واضطر أخي الأكبر إلى قطع تعليمه ليعمل عاملا معماريا كأبي لينفق علينا. وأنجبت أمي طفلة وعادت للعمل .. وظل أخي يعمل ليساعدها في نفقات الحياة ومرت علينا السنوات ونحن لا نعرف شيئا عن أبي .. ولا نتلقى منه رسائل ولا نقودا وكنا نتذكره كلما سمعنا صوت طائرة في السماء .. ونتذكر الحلم الوردي عن الأب العائد بالخير الكثير من البلاد البعيدة .. ثم نتعجب كيف نسينا ؟ وتنقلنا في سنوات الدراسة بتفوق والحمد لله وبلغ أخي الأكبر سن التجنيد وهو العائل الوحيد لنا فالتحق بالجيش .. وكنت أنا في الشهادة الإعدادية واضطررت لأن اعمل لأحل محله في مساعدة أمي في نفقات الحياة ، فعملت في عيادة طبيب في الفترة المسائية بعد الدراسة .. وظللت على هذا الحال حتى أنهى أخي خدمته وعاد يعمل عاملا معماريا ونجحت أنا في الثانوية العامة بمجموع كبير بالنسبة لظروفي والتحقت بإحدى الكليات النظرية التي تضمن العمل لخريجيها في التدريس ، لأضمن لنفسي عملا.
وبدأت الحياة تبتسم لنا .. فأخي
عاد للحياة المدنية .. وأنا دخلت الجامعة واعمل مساء .. وإخوتي يتقدمون في دراستهم
... فإذا بأمي تقع مريضة بالروماتيزم والارتفاع الحاد في ضغط الدم ومنعها الطبيب
من العمل وطلب منها الراحة والالتزام بالعلاج .. وأرهقتنا نفقات علاج أمي إلى
جانب نفقات الكلية والكتب ونفقات مدارس إخوتي ، فبدأنا نقترض من الأهل بعض النقود لإكمال
ما نحتاج إليه.
وفي أحد الأيام فوجئنا بعودة أبي بعد 10 أعوام
كاملة من الغياب والانقطاع عنا ..عاد أبي وقد أصبح شيخا كبيرا .. ولم يعد بالمال
كما كنا نحلم ونحن أطفال صغار .. وإنما عاد فقيرا كما تركنا .. ولم يحمل لنا من
البلاد البعيدة سوى زوجة تزوجها هناك و ۳ أطفال صغار
ليزيدوا من عددنا وبعد أن انفق على زوجته الجديدة وأولاده منها كل ما ادخره وبعد
أن حرمنا واطعم غيرنا وأصبح غير قادر على العمل عاد وجلس يروي لنا قصته ويطلب منا
أن نقبله هو وزوجته وأطفاله لأنهم في النهاية إخوتنا ، ولحمنا ، ويحتاجون إلى من
يرعاهم .. ووجدنا أنفسنا نقول له : ونحن من رعانا يا أبي ونحن أطفال صغار مثلهم ؟
وكدنا نصرخ في وجهه لولا أن أمي
المريضة التي عانت كل هذه المشاق قد قالت لنا : إذا كان أبوكم قد قصر في حقكم
فعقابه عند الله .. أما انتم فلا تقصروا في حقه حتى لا تتعرضوا لغضب الله،
والأطفال الثلاثة إخوتكم مهما حدث.
وهكذا يا سيدي
وبعد أن كنا أنا وشقيقي نكافح لنعول نفسينا وأمي وشقيقين صغيرين، ونقترض لنكمل
مطالبنا .. ويطالبنا الأهل بما افترضناه ونتعسر في السداد أصبحنا مطالبين بان نعول
نفسينا وأمي وأبي وزوجته وخمسة أطفال صغار .. وفي مثل ظروفنا هذه .. وقد زاد الطين
بلة أني فقدت عملي في عيادة الطبيب مؤخرا لسفر الطبيب الذي كنت اعمل لديه للخارج
.. ولم أجد بعد عملا بديلا يتفق مع مواعيد دراستي .. فهل نطمع أنا وأخي في أن تقف
إلى جانبنا وأن تبحث لى عن عمل يناسب مواعيد دراستی حاليا على أن اعمل في الصيف
ليلا ونهارا ، وأن تجد لأخي عملا برخصة القيادة التي يحملها أو كعامل في أي شركة
بحيث يتقاضى أجرا ثابتا لأن عمله كعامل معماری غیر دائم .. وهو يتعطل كثيرا
وظروفنا لا تحتمل أي تعطل عن العمل .. وهل نطلب منك الكثير إذا طلبنا ذلك؟
ولكاتبة هذه الرسالة أقول :
ليس ما تطلبان
كثيرا في مثل ظروفكما بل لعله أقل القليل .. فعسى أن استطيع تحقيقه لكما في أقرب
وقت بإذن الله وعسى أن استطيع مساعدتكما أيضا في علاج أمكما المريضة التي تتقبل كل
ما تحمله لها الحياة بصبر الأمهات الطيبات على تقلبات الأيام والتي عبرت بحكمتها الفطرية وإحساسها
الديني الصحيح عن الرأي السليم في مسالة قبول أبيكما وأولاده بينكما بالرغم من
تقصيره في حقكم .. فتفضلي بالاتصال بي وشكرا.
نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" ابريل 1990

برجاء عدم النسخ احتراما لمجهود فريق العمل في المدونة وكل من ينسخ يعرض صفحته للحذف بموجب حقوق النشر