القطط .. رسالة من بريد الجمعة عام 1994
أنا شاب نشأت بلا أب .. فقد انفصل أبي عن أمي وعمري تسعة شهور فنشأت في أحضان أمي التي لم تتزوج بعد أبي ولم تبخل علي بشئ من رعايتها وصحتها ولم يبخل علي كذلك أخوالي بمالهم .. فتربيت في رعاية أمي وأسرتها حتى تخرجت طبيبا بيطريا وعملت , ولأني وحيد وأعيش مع أمي وحدنا في مسكننا فقد بدأت بعد التخرج أفكر في الزواج وشجعتني أمي وخالي على ذلك , وأكرمني ربي فوجدت الإنسانة التي قبلت بظروفي وإمكانياتي المحدودة وقبلت أن تعيش معنا أمي بصفة دائمة فارتبطت بها وعقدت قراني عليها وتقدمت لمحافظة القاهرة بوثيقة القران منذ عامين للحصول على شقة من شقق الزواج الحديث ولم أتسلمها حتى الآن , ونظرا لطول فترة الانتظار فقد عرضت علي زوجتي أن نتزوج مؤقتا في شقة أمي القديمة فرحبت بذلك حتى لا تطول فترة القران , وتزوجنا وعشنا مع والدتي التي لم تحملني شيئا تقريبا من مصروف البيت وعملت أنا ليلا ونهارا والتحقت بعمل اضافي يستغرق وقتي حتى الحادية عشرة مساء لكي أوفر ثمن شقة قريبة من مسكن أمي .. وأنجبت زوجتي طفلة جميلة فبدأت المتاعب تعرف طريقها إلى حياتي لأول مرة.
فالحكاية يا سيدي أن أمي تقتني عددا من القطط منذ فترة طويلة ومرتبطة بها نفسيا إلى حد كبير ولا تستطيع الاستغناء عنها مهما كانت الظروف وبعد ولادة طفلتي بدأت زوجتي تخاف من القطط على طفلتنا وحدثتني بذلك مرارا فأكدت لها أنه لا ضرر على الطفلة منها مادام لا يحدث أي احتكاك مباشر بينها وبين القطط , وطالبتها بالصبر حتى اتسلم شقتي الجديدة القريبة من شقة أمي وبعدها ننتقل إلى الشقة وتختفي المخاوف واستطيع الاطمئنان على أمي كل يوم .. فعدت ذات يوم من عملي فلم أجد زوجتي ولا طفلتي في البيت وعلمت أنها قد أخذت كل ما لها في البيت من متعلقات حتى شهادة ميلاد الطفلة وذهبت إلى بيت أبيها فتحدثت مع أبيها في هذا الشأن وقررت أن أتركها عشرة أيام تستريح خلالها في منزل أسرتها ثم تعود للحياة معي، لكني تألمت كثيرا حين لم أجد أباها يدين ابنته في خطأ تركها لبيت زوجها في غيابه ودون إذنه , وفوجئت به يقول لها أن بيت أبيها مفتوح لها في أي وقت , وكان طبيعيا بعد ذلك أن تتمادى زوجتي في موقفها وترفض العودة معي إلى بيت أمي بحجة القطط .. فعرضت عليها عدة خيارات منها أن نعيش معا بصفة مؤقته في شقة يملكها أبوها بمدينة السلام , أو أن أقضي معها أيام في بيت أسرتها وتقضي معي بضعة أيام من كل أسبوع في بيت أمي , أو .. أو فرفض أبوها فكرة الاقامة في بيت أمي , وكانت النتيجة أنني منذ ذلك الحين وأنا أتردد بين عملي الذي أذهب إليه في الصباح وبين زوجتي التي تعيش في بيت أبيها , وبين بيت أمي التي أذهب إليها في الظهر لاطمئن عليها وبين عملي الاضافي الذي ينتهي في الحادية عشرة مساء , وزوجتي تراني أتمزق بينها وبين أمي ولا يرق قلبها لما أعانيه من عذاب ومعاناة وكل ذلك بسبب القطط مع أنها قد علمت بوجودها منذ البداية ولم أخف عنها شيئا من حياتي قبل الزواج وقد قبلت بكل ظروفي ووافقت على اتمام الزواج في بيت أمي إلى أن أستطيع شراء شقة , ومن حين إلى آخر أذهب إلى زوجتي وأشرح لها ما أعانيه في غيابها وأؤكد لها أني احتاج إليها بجانبي في هذه الظروف وأن من واجبها كزوجة أن تصبر على ظروفي إلى أن تتحسن قريبا جدا حيث سأتسلم الشقة خلال شهرين أو ثلاثة, بل ووعدتها بأن أترك عملي الاضافي بعد الظهر لكي أتفرغ لها وتخرج يوميا حتى لا تضيق بجلوسها مع أمي وحدهما طوال النهار, واستحلفتها بإسم الحب ألا تتخلى عنى وألا تعرض حياتنا للخراب فتتغير مشاعري تجاهها بتأثير الفراق الطويل لأني مخلص في حبي لها . وقد بكيت مما أعانيه من حيرة وتمزق بينها وبين أمي فلم تستجب زوجتي لرجائي رغم كل ذلك ولا أعرف هل هذه الاصرار بسبب القطط أم لاعتراضها على وجود أمي معنا كما ألمحت بذلك مرة .. لقد اصطحبت زوجتي معى إلى مكتبك مساء أحد الأيام للاحكتام إليك في أمرنا فرفض موظف الاستقبال السماح لنا بالصعود إليك لعدم وجود ميعاد سابق فخرجنا من مبنى الأهرام ووجدت نفسي أقسم لها فجأة بأنه حين يعطيني الله المال والشقة فإنها لن تكون معي لأنها قست علي في ضعفي ولم ترحم ظروفي , فهل توافقني في ذلك يا سيدي , وهل من العدل أن تتخلى عني زوجتى في ضعفي ثم ادخلها شقتي الجديدة حين اتسلمها معززة مكرمة وأنا في قوتي !
وهل من تخلت عني في انكساري تستحق مني أن أفتح لها قلبي وأنا سليم معافى ؟ وهل إذا مرضت وصرت يوما قعيد الفراش ستصبر علي هذه الزوجة وتمرضني وهي التي تخلت عني عند اصغر امتحان وابتلاء ؟ إنني حزين حزين يا سيدي وأرجو أن تشير علي بما أفعل أو أن تستقبلنا لتحكم بيننا لأننا نحترم آراءك وشكرا لك .
جميع الحقوق محفوظة لمدونة "من الأدب الإنساني لعبد الوهاب مطاوع"
abdelwahabmetawe.blogspot.com
ولـكــــاتــــب هــــذه الــــرســــالـــــة أقــــول:
أنت يا صديقي في موقف لا تحسد عليه بأي حال من الأحوال .. فأنت ممزق بين واجبك تجاه أمك التي أوقفت حياتها عليك منذ أن كنت طفلا رضيعا , وبين حاجتك العاطفية والنفسية لزوجتك التي ارتبطت بها وانجبت منها طفلتك الصغيرة .. ورغم اشفاقي عليك مما تعانيه فلا مفر من مواجهة الحقائق مهما كانت مريرة , فالحق أن القطط بريئة من مسئولية هذا الاضطراب العائلي الذي تعاني منه براءة الذئب من دم ابن يعقوب إذ أنه بالرغم مما يمثله وجود قطط كثيرة في الجوار القريب من مخاطر نقل عدوى بعض الأمراض إلى الأطفال الرضع بالذات إلا أنها ليست السبب الأساسي في رفض زوجتك للعودة للاقامة معك في بيت أمك , وإنما هي على أحسن تقدير السبب المباشر أما السبب الأساسي والأصيل فهو عدم رغبة زوجتك في مشاركة أمك لها في حياتكما معا , ربما للتنافر في الطباع .. أو لاختلاف أسلوب الحياة أو للتنازع المألوف على السيادة على البيت بينهما .. أو لأي سبب آخر من أسباب عدم التواؤم بين زوجة شابة يغيب عنها زوجها طوال اليوم وبين أم وحيدة تعوض حرمانها العاطفي الطويل برعاية عدد من القطط والارتباط بها نفسيا.
ولقد فهمت من رسالتك أنك قد رتبت حياتك على أن تنتقل في المستقبل القريب إلى شقة قريبة من شقة والدتك تكون لك فيها حياة خاصة مستقلة مع زوجتك تحقق لها خصوصية الحياة التي تطمح إليها كل زوجة شابة، وتحقق لك هدف القرب من والدتك ورعايتها , ومعنى ذلك أن والدتك لا تعترض على هذا الترتيب ولا تتذمر منه وإنما تضيفه إلى قائمة تضحياتها لاسعادك , ومادام الأمر كذلك فلقد كان من واجب زوجتك أن تصبر على هذه الشهور القليلة الباقية على تنفيذ هذا الحل المريح للطرفين وأن تلازمك في بيت أمك وتشد من أزرك وتعينك على كفاحك لتوفير باقي ثمن الشقة الموعودة في أقصر وقت ممكن ويكفيها لدرء مخاوفها على طفلتها تأكيدك لها وأنت الطبيب البيطري المتخصص أنه لا خطر على طفلتك من القطط إذا حرصت على ابعادها عنها لكن زوجتك الشابة تخشى فيما أتصور إذا رجعت إلى بيت والدتك أن ترتخي عزيمتك ويضعف اصرارك على الانتقال إلى المسكن الجديد فتطول فترة الاقامة في مسكن الأم أو تعدل نهائيا عن مشروع الخروح منه لهذا فهي تريد أن تظل المشكلة "ساخنة" بالنسبة لك ومؤرقة عاطفيا ونفسيا إلى تنتقل معك إلى الشقة الجديدة ويصبح المشروع نهائيا لا رجعة فيه , وفي ذلك فإني ألومها كثيرا وأعتب عليها إذ كيف ترضى لك بهذا العناء وأنت ماض في مشروع الشقة الجديدة بلا هوادة .. ولم يبق على موعد تسلمها إلا القليل ؟ وكيف لا تثق بوعودك وأنت مخلص في مشاعرك وحريص على زوجتك وطفلتك كما تنطق سطور رسالتك .. ولماذا تضغط على جرحك النازف بهذه القسوة بدلا من أن تضمده وتحنو عليك ؟
إنني أرجوها أن تقدم لك هذه البادرة الصغيرة لاثبات حبها لك وتمسكها بك وتقديرها لمتاعبك النفسية والعاطفية , وليس ذلك بكثير على زوج محب ومخلص مثلك , ولا هو بالتضحية "الكبرى" التي تعجز عن تقديمها لك زوجتك , وإنما هو حق من أبسط حقوقك عليها , وواجب من أقدس واجباتها تجاه شريك عمرها ووالد طفلتها .
أما "قسمك" عليها بأنك سوف تتخلى عنها في "قوتك" كما تخلت هي عنك في "ضعفك" وتساؤلاتك الحائرة عن دلالات تصرفها هذا على حقيقة معدنها .. فالحق أني أرى الموقف كله أهون من كل ذلك بكثير إذ لا يعدو أن يكون محاولة "أنثوية" مفهمومة لحثك على عدم التراخي في توفير المسكن المستقل الذي تراه من صميم حقوقها , ولهذا فهو لا يكفي وحده للحكم على جوهرها وحقيقة معدنها كزوجة مخلصة ومحبة وإنما يشير فقط إلى اصرارها على أن تكون لها حياة خاصة بها , وأنت قد حسمت هذا الأمر من قبل بقبوله وتسعى لتحقيقه وبالتالي فلا مبرر لاعادة مناقشته وتقييمه لأنك قد حسمته بالفعل وقضي الأمر , ويكفي الآن أن تثبت لك زوجتك صدق تمسكها بك بالعودة إلى بيتك حتى تنتقلا إلى المسكن الجديد فتتجاوز أنت عن هذه "الهنة" من جانبها من أجل طفلتك الوليدة وتنسى هذه الفترة المضطربة من حياتك بعنائها وذكرياتهما .. ويجرفها النسيان فيما يجرفه من حياة كل زوجين يرغبان في ألا تنفصم عرى روابطهما معا.
وعلى أية حال فإذا رغبتنما في مزيد من المناقشة والحوار معك ومع زوجتك فتفضلا بالحضور إلى مكتبي مساء الاثنين القادم .. وشكرا.
نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" سبتمبر 1994
كتابة النص من مصدره / بسنت محمود
راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي

برجاء عدم النسخ احتراما لمجهود فريق العمل في المدونة وكل من ينسخ يعرض صفحته للحذف بموجب حقوق النشر