الزيارة .. رسالة من بريد الجمعة عام 1995

الزيارة .. رسالة من بريد الجمعة عام 1995

الزيارة .. رسالة من بريد الجمعة عام 1995

 

أكتب إليك هذه الرسالة من مدينتي الاسكندرية بعد أيام من عودتي من مكة المكرمة أحب المدن إلى قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم .. فأنا يا سيدي كاتبة رسالة "الرغبة القديمة" التي نشرتها منذ شهور ورويت لك فيها قصتي مع زوجي الراحل الذي جمعني به الحب طوال سنوات عشرتنا الجميلة ثم انطوت صفحة حياته يرحمه الله وبقيت لي منه ذكريات العشرة الطيبة والحب الصادق والمعاملة الكريمة .. وعشت لأطفالي منه .. فهفت نفسي بعد فراقة بقليل إلى تحقيق الرغبة القديمة التي لم يمهله العمر لأن يحققها لي وهي أن أزور قبر الرسول صلوات الله عليه وسلامه عليه وكتبت لك رسالتي فنشرتها وعلقت عليها بأنك سوف تحقق لي هذه الرغبة القديمة بإذن الله ولكن في موسم الحج لكي أؤدي فريضة الحج والعمرة معا إن شاء الله .. وفرحت كثيرا حين قرأت ذلك وأجلت تلهفي على زيارة قبر الرسول الكريم إلى الموعد المنتظر بعد تسعة شهور .. لكنه لم تمض ثلاثة أسابيع بعد نشر الرسالة حتى فوجئت بمساعدتك الفاضلة تتصل بي في مدينتي وتزف إلي بشرى تحقيق أمنية العمر خلال وقت قصير وبغير انتظار لموسم الحج وتطلب مني البدء فورا في استخراج جواز السفر وارساله إلى مكتبكم بالقاهرة لعمل الاجراءات اللازمة للعمرة .. وشكرت الله كثيرا على هذه البشرى الكريمة وفرحت أمي وصديقاتي بها وأملن أن تكون خير عزاء لي عن ترملي وفقدي لزوجي الحبيب يرحمه الله .. ونهضت لتقديم أوراق جواز السفر وحصلت عليه وأرسلته إلى مكتبكم وانتظرت بضعة أسابيع على أحر من الجمر حتى خشيت أن تكون رغبتي القديمة قد نسيت وسط زحام المشاكل والمطالب التي تشغلكم .. ولكني تلقيت الخبر السعيد بتحديد موعد العمرة ضمن مجموعة تابعة لاحدى الشركات السياحية الكبرى .. وأبلغتني مساعدتك بالحضور في يوم السفر إلى مكتبكم لإستلام جواز السفر بعد الحصول على تأشيرة الدخول لأركب الطائرة في العاشرة من مساء نفس اليوم وحضرت على جناح اللهفة إلى مكتبكم وتسلمت الجواز وأبلغتني مساعدتك الفاضلة أن مندوب الشركة السياحية التي نظمت الرحلة سيلتقي بي في المطار لانهاء اجراءات الجوازات لي في مطار القاهرة نظرا لأني أسافر بلا محرم مما يتطلب استثنائي من هذا الشرط الذي تشترطه الجوازات السعودية وتلتزم به الجوازات المصرية مع المسافرات إلى هناك .

وذهبت إلى المطار وتأخر مندوب الشركة السياحية حتى اقترب موعد قيام الطائرة .

فاضطررت لانهاء اجراءات الجوازات بنفسي .. وقدمت جوازي لضابط الجوازات المصري وأنا خائفة فنظر إليه وسألني عن اسم المحرم الذي يسافر معي .. فترددت في الاجابة .. ولم أعرف بماذا أجيب .. وفكرت للحظات في أن أروي له قصتي مع هذه العمرة التي نظمها ودعاني لها بريد الجمعة .. وقبل أن أنطق بأي شئ سمعت فجأة صوت الرجل الذي يقف ورائي في الطابور يقول للضابط أنا محرم هذه السيدة .. أنا خالها !

والتفت إليه ممتنة في صمت وشكر فوجدته رجلا كبير السن عطوفا يسافر ضمن رحلة العمرة التابعة لنفس الشركة السياحية بصحبة ابنه وزوجة ابنه وانتهت اجراءات الجوازات بسلام ودخلنا الدائرة الجمركية وأنا أبكي تأثرا بالموقف وبالخوف الذي اعتراني حين سئلت عن المحرم فهدأ الرجل الطيب وابنه وزوجة ابنه من روعي وطمأنوني إلى أنهم سيقفون بجواري أيضا في الجوازات السعودية في مطار الوصول وعرفت أن الأب أحد تجار سوق العبور للخضر وأن ابنه الذي يسافر معه للعمرة قد تبرع له بكليته منذ حوالي عامين , وركبنا الطائرة وأنا أحمد الله واشكر هذا الرجل الشهم وأسرته على مروءتهم.

وفي الأراضي الحجازية تقدم معي الرجل الطيب أيضا إلى الجوازات حتى يسمحوا لي بالدخول وكرر قوله أنه محرم لي , وأخيرا تحققت الرغبة القديمة يا سيدي .. وصليت في الحرم النبوي الشريف .. وزرت قبر الرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه وانهمرت دموعي كالسيل عنده وقرأت لزوجي الراحل الفاتحة ودعوت له كثيرا بالرحمة وحسن الجزاء ودعوت لأولادي ونفسي وأهلي بالستر والأمان ورجوت الله أن يعينني على استكمال رسالتي مع أولادي حتى لا يشعروا بفقد أبيهم يرحمه الله وأديت العمرة .. ورأيت الكعبة المشرفة لأول مرة وطفت حولها وسعيت بين الصفا والمروة وأديت الفروض في الحرم المكي الشريف طوال أيام إقامتي بمكة المكرمة وانتهت أيام العمرة كلمح البصر .. وحان يوم الرحيل وتخلف الرجل الطيب في مكة ليقضي بها 5 أيام أخرى ورجع معنا الابن وزوجته الفاضلة ورفض ضابط الجوازات في مطار جدة السماح لي بالسفر إلا بصحبة المحرم الذي جاء معي .. فشرحت له ظروفي وانتهاء اجازتي من عملي ونفاد نقودي فتمسك بأنها تعليمات وزارة الداخلية .. لولا وجود ضابط مصري شكوت إليه حالي فأسرع بمساعدتي وتحدث إليه ضابط الجوازات السعودي وحصل على الموافقة وتم ختم الجواز وركبت الطائرة وأنا خائفة وقلقة .

والحمد لله يا سيدي فلقد رجعت إلى أولادي وأهلي ونسيت لحظات القلق والخوف وبقيت ذكريات الرحلة المباركة ولم يبق لي إلا أن أشكرك كثيرا كثيرا على تحقيق الأمنية الغالية القديمة لي .. وأن أرجوك كذلك أن تشكر عني في صفحتك ذلك الرجل الطيب الحاج سمير وابنه الحاج رشدي اللذين وقفا معي في موضوع المحرم اتم الله عليه نعمة الشفاء والعافية وشكرا لك مرة ثانية وثالثة وبلا نهاية وشكرا لصفحتك العامرة بنبض الخير , والأمل للمهمومين والمعذبين والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

جميع الحقوق محفوظة لمدونة "من الأدب الإنساني لعبد الوهاب مطاوع"

abdelwahabmetawe.blogspot.com

 

ولكـاتـــبــة هـذه الـرســـالـة أقــــول:

 

الحمد لله الذي يسر لك تحقيق هذه الأمنية الغالية القديمة , أما الشكر فلمن عجل بها ورغب في ألا تنتظري إلى موسم الحج لتحقيقها كما وعدتك في ردي وهو شخصية دينية مصرية كبيرة مشهود لصاحبها بالورع والتقوى والسماحة , وقد كتب إلي عقب نشر رسالتك، وكنت خارج مصر وقتها رسالة قصيرة آية في التواضع وانكار الذات ينهي إليّ فيها رغبته في تحقيق أمنية العمرة لك على نفقته تحية لوفائك لزوجك الراحل واعلاء للمعاني الانسانية السامية التي تضمنتها رسالتك, ويشدد علي في رسالته ألا أبوح لك بإسمه أو أشير إليه في بريد الجمعة لكي يكون العمل كله قربى لله رب العالمين , ويكون الأجر عليه خالصا منه سبحانه.

 واتصلت به عقب عودتي من السفر شاكرا له رسالته الكريمة وعرضه النبيل وطمأنته إلى أننا سوف نرتب لك رحلة العمرة في أقرب وقت ممكن .. وبدأنا ذلك بالفعل واحتجنا إلى مساعدته في الحصول لك على تأشيرة العمرة من القنصلية السعودية لأن عمرك يقل عن السن التي يسمح لصاحبته بدخول الأراضي السعودية بغير محرم ولولا مساعدته الكريمة التي لم يبخل بها علينا أيضا لما نجحنا في الحصول لك على تأشيرة دخول باعتبارك في "صحبة آمنة" .. وعلى مسئولية هذه الشخصية الفاضلة فإذا كان مندوب الشركة السياحية التي رتبنا معها الرحلة قد تأخر على اللحاق بك في المطار لانهاء اجراءات الجوازات , فلقد هيأ لك الله سبحانه وتعالى من عنده من عوض هذا الخطأ غير المقصود وسد هذا النقص بشهامته وفضله في رحلة الذهاب وهيأ لك أيضا من أغاثك وذلل لك آخر الصعوبات في رحلة العودة .. والأجر دائما يا سيدتي على قدر المشقة .. فالشكر لكل ذي فضل ومروءة أعانك على أمرك وساندك في رحلتك المباركة هذه والشكر كل الشكر لصاحب الفضل الأوحد في تحقيقها لك وهو هذه الشخصية الدينية الكبيرة والحمد لله رب العالمين حمدا يليق بكماله وجلال وجهه وعظيم سلطانه .

رابط رسالة الرغبة القديمة

نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" يناير 1995

كتابة النص من مصدره / بسنت محمود

راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي


 

Neveen Ali
Neveen Ali
كل ما تقدمه يعود إليك فاملأ كأسك اليوم بما تريد أن تشربه غداً
تعليقات