الرغبة القديمة .. رسالة من بريد الجمعة عام 1994
أنا سيدة في السابعة والثلاثين من عمري نشأت في أسرة صغيرة بين أبي وأمي وأختي التي تكبرني بعامين , وعشت حياة أسرية مشحونة بالخوف والرعب بسبب شدة طبع أبي يرحمه الله.
فقد كان يعاملنا بقسوة معظم الأوقات ويحنو علينا في بعض الأحيان , ويضربنا بقسوة لأتفه الأسباب لمجرد أننا "بنات" والفتيات لابد من معاملتهن بأقصى درجة من الحزم والشدة حتى لا يفسدن فإذا خرجنا مع أمنا لزيارة جدتنا ضبط ساعته على لحظة خروجنا وحدد لنا موعد العودة الصارم بالدقيقة .. ويا ويلتنا لو تأخرنا عنه خمس دقائق فإنه في هذه الحالة لا يفتح لنا الباب .. وتقف أمي الطيبة الضعيفة تستعطفه وترجوه أن يفتح الباب ويغفر لها "خطأها" الذي لا يغتفر بسبب زحام المواصلات .. ونحن نقف إلى جوارها نبكي ونتخيل حالنا لو رفض أبي فتح الباب إلى النهاية إلى أن يرق قلبه أخيرا ويسمح لنا بالدخول وتصبح ذكرى أخرى مؤلمة من ذكريات طفولتنا التعيسة .. وقد حرم علينا أبي منذ كنا في المرحلة الابتدائية أن نتكلم مع أي شاب من شباب الأسرة مهما كانت الأسباب لأنهم جميعا "وحوش آدمية" يتربصون بضحاياهم من الفتيات الغريرات مثلنا للانقضاض عليهن وخداعهن والتهامهن .. فترسب في أعماقي الخوف والرعب من الرجال، وأصبحت أنظر لكل شاب نظرة الحذر والريبة ولا اطمئن أبدا إلى نيته تجاهي , وظللنا على هذا الحال حتى وصلت الثانوية العامة .. وفجأة توفي أبي ورحل عنا "الرجل" الوحيد الذي كان يحمينا فإزداد خوفي من الرجال , وحين حصلت على شهادة الثانوية فضلت أن ألتحق بمعهد الخدمة الاجتماعية للفتيات لأكون بعيدة عن أي تعامل مع أي شاب , وأمضيت سنواتي في المعهد بسلام وتخرجت , وتزوجت أختي الكبرى وانتقلت إلى حماية رجل آخر , أما أنا فقد رفضت كل من تقدموا لي من الشباب خوفا منهم , إلى أن ألحت علي أمي في رؤية شاب ممتاز لا يمكن رفضه سوف يزورنا تمهيدا لأن يتقدم لي فقاومت ترددي طويلا حتى قبلت أن أدخل الصالون وأجلس معه في حضور أمي فترة من الوقت , ومازلت حتى هذه اللحظة أتذكر منظري وأنا جالسة في مقعدي وأسناني تصطك ببعضها البعض من الاضطراب .. وهذا الشاب ينظر إلي في حنان وثقة ويبتسم لي بعطف وحالي لا يخفى عليه ! .. وقد راح يتحدث مع أمي عن عمله وأسرته ويضحك ومن حين لآخر يحاول أن يشركني في الحديث فلا يجد استجابه مني سوى هزة من رأسي أو غمغمة غير مسموعة فيعود إلى الحديث , وانتهت المقابلة وتوقعت ألا يعود مرة أخرى لكيلا يربط حياته بهذه "الطوبة" لكنه خيب توقعاتي وعاد وأصر على خطبتي .. ووجدت نفسي تهدأ شيئا فشيئا .. ومخاوفي تتراجع فوافقت على الخطبة وأنا أحس لهذا الشاب بامتنان عجيب لا أعرف حتى الآن هل لأنه تقبلني كما أنا ولم ينتقد صمتي واضطرابي وعجزي عن مجاراته في حديث التعارف , أم لأني قد توسمت فيه طيبة القلب والقصد وأملت أن يعوضني عن ذكريات طفولتي المليئة بالرعب .. وتمت خطبتنا فغير خطيبي خلال أيام الخطبة فكرتي القديمة عن الرجال من النقيض إلى النقيض برقته معي وأدبه مرحه وضحكه الذي لا ينقطع وبشهامته وخلقه الكريم ورجولته في مواقف الحياة المختلفة , فالرجولة مواقف واختبارات وليست جعجعة ولا قسوة .
وبدأت أتعجل الزواج منه , وتزوجنا فإذا بي اكتشف أن ما بدا لي منه خلال فترة الخطبة لم يكن إلا أقل القليل , أما الكثير والكثير فقد أعطاه لي بعد الزواج وبفيض من العطاء لا يتوقف ولا ينقطع .. فهو دائما حنون وعطوف ومحب .. ويطلب رضائي .. ويسألني كل حين هل أنت سعيدة .. هل أنت راضية .. هل تريدين شيئا ؟
وأجبته ذات مرة بأنني أريد أن أزور قبر الرسول عليه الصلاة والسلام .. فضحك كثيرا وقال لي أن الزوجة تطلب فستانا أو أسورة ذهبية وأقسم لي صادقا أنه سيحقق لي هذه الأمنية حين تسمح له ظروفه المادية بذلك .. وأنجبنا ثلاثة أبناء ذكورا واحدا بعد الأخر فبلغت سعادته بهم قمتها وراح يقول لكل من يعرفه أن الله قد أعطاه فوق كل ما كان يتمناه لنفسه من زوجة طيبة وأبناء وبيت سعيد .. وكان يعتذر . لأصدقائه إذا دعوه لقضاء السهرة معهم قائلا لهم : بيتي .. جنتي فكيف أغادر الجنة ؟
وكان فعلا لا تحلو له سهرة إلا في بيته معى .. ومع أطفاله ولأنه يكبرني بعشر سنوات فقد علمني الكثير والكثير .. فعلمني التسامح مع ما مضى من أحزان والنسيان والصفح عما جرى وكان .. ولم يعد يجدي الآن تذكره واسترجاعه يقول لي أن الحزن يقصف العمر وأن الدنيا جميلة فلماذا نفسدها بالأحزان كما كان يصل رحمه ويحب والده حبا كبيرا ويحثني على أن أصل رحمي وأحرص على مودة أهلي.
وفجأة وبدون مقدمات يا سيدي غادر زوجي الحبيب "جنته" .. إلى الأبد ! غادر جنته في الأرض إلى جنة السماء ورحل عن الحياة بلا مرض .. ولا رقاد وهو في الرابعة والأربعين من عمره , وأنا في الرابعة والثلاثين من العمر , وأكبر أطفالنا الثلاثة لم يتجاوز العاشرة من عمره ! وصدمت صدمة عمري التي زلزلت كياني وأرجعت إلي كل مخاوفي القديمة من المستقبل .. واستسلمت للهواجس والأفكار السوداء فرحت أتساءل كثيرا عن أسرار الحكمة الإلهية في أن يختار الله سبحانه وتعالى من البشر من هم في سماحة زوجي رحمه الله , والدنيا مليئة بالأشرار من الأزواج الذين لو رحلوا عنها لكان في رحيلهم حياة وطمأنينة وراحة لذويهم .. ثم استعيذ بالله من الشيطان الرجيم من هذه الهواجس وأعود لنفسي لبعض الوقت فلا تلبث أن تعاودني الوساوس اللعينة بعد قليل.
لقد مضى الآن على رحيل زوجي ثلاث سنوات طويلة طويلة كليل الشتاء , سلمت خلالها بالمكتوب وهدأت نفسي .. وندمت على هواجسي هذه عقب وفاة زوجي .. وتجددت لدي الرغبة القديمة في زيارة قبر الرسول صلى الله عليه وسلم لأكفر عن هذه الهواجس والظنون ففكرت في أن أكتب لصفحة بريد الجمعة التي كنت ومازلت أهوى قراءتها وكان زوجي الحبيب رحمه الله يغار منها ومن صاحبها لأنهما يشغلانني عنه بعض الوقت يوم الجمعة , ولم يكن يريد أن يشغلني شئ عنه لحظة فيخفيها عني وأضحك سعيدة بحبه لي في تلك الأيام الجميلة, فهل تستطيع مساعدتي في تحقيق هذه الرغبة القديمة ؟!
جميع الحقوق محفوظة لمدونة "من الأدب الإنساني لعبد الوهاب مطاوع"
abdelwahabmetawe.blogspot.com
ولـــكــــاتــــبة هــــذه الـــرســـالــــة أقـــــول:
ضعف الطالب والمطلوب يا سيدتي غير أني قد أرى رأيا آخر يحقق لك تلك الرغبة القديمة ويضيف إليها خيرا أعم وأشمل بإذن الله , فإن شاء ربك أن يحيينا إلى موسم الحج القادم بإذن الله فلسوف يكون الأوفق والأكثر تحقيقا للغرض هو مساعدتك على أداء الفريضة الأهم وخلال مناسكها المباركة تزورين قبر الرسول الحبيب .. وتتذكرين أيامك الجميلة مع زوجك الراحل رحمه الله , وتعتذرين لربك عما ساورك من ظنون وهواجس حول أسرار حكمته الإلهيه التي تخفي على الأذهان .. وهو من يسأل ولا يُسأل عما فعل .. وتستشعرين عفوه وصفحه وهو الغفور الرحيم . والحق أنني لا أرى في هواجسك هذه عقب رحيل زوجك الطيب مساسا بإيمانك بقدر ما أرى فيها ذهول الإنسان أمام شدائد الحياة القاسية وضعفه وحيرته وخوفه الأزلي من المجهول , وهو ذهول يتسلل إليه من توعد ربه "لأقعدن لهم صراطك المستقيم" ليوردهم موارد التهلكة فيهاجم الإنسان وهو في أضعف حالاته تماما كما تهاجم الميكروبات الجسم إذا ضعفت مقاومته .. وقلت مناعته وترتفع حرارة الجسم لمحاربة الميكروبات نفسها بالمرض .. وهذا الفوران الذي يعانيه الجسم البشري هو ما يسميه الأطباء بالحمى وهو أيضا ما كان يساورك وأنت تتردين بين الهواجس , وبين العودة إلى شاطئ الإيمان . إلى أن نجحت في الانتصار عليها وبرئت الروح مما أصابها من فوران .. فكان الندم الصادق.
إن عالم النفس الأمريكي ليون سول يقول أن شجرة البلوط تنمو مستقيمة ما لم تحط بها مؤثرات ضارة .. وكذلك الإنسان , وما أصابك من ذهول وفوران عند رحيل شريك حياتك الطيب الذي صحح أفكارك الخاطئة عن الرجال سببه الأساسي هو افتقادك فجأة للحماية والسعادة والآمان بعد أن ركنت إليها فترة من العمر لم تطل للأسف سوى لسنوات ثم وجدت نفسك بعدها في مواجهة المجهول الذي عشت حياتك كلها منذ الطفولة تعانين الخوف المستقر في الأعماق منه .. وحين يجفل الإنسان يخطئ النظر كما يقولون .. ويخطئ أيضا التفكير .. وتطيش سهامه .. وكل ذلك من المؤثرات الضارة التي نشأت فيها وغرست في أعماقك الخوف وعدم الاطمئنان للغد , بسبب قسوة أبيك عليكن في طفولتك وأبناء الخوف يا سيدتي أضعف قدرة دائما على مواجهة شدائد الحياة والثبات أمامها , وبدلا من أن تستثير فيهم طاقة التحدي والصمود فإنها تستدعي مخزونهم القديم من الرعب الكامن وتضيف إليه أسبابا جديدة , كما أنهم أيضا أقل ثقة في النفس .. وأقل استعدادا للتكيف مع تقلبات الأيام التي لا تثبت على حال واجتياز الأزمات بأقل قدر من الخسائر النفسية والصحية , فسامح الله كل من قسا على أطفاله في طفولتهم وأورثهم هذه الرعب المقيم من المجهول دون أن يدري وسامح الله كل من أحال طفولة الأبرياء التي تتشكل خلالها معظم ملامحهم النفسية والشخصية إلى تعاسة حزينة فرسب بذلك الحزن في أعماق أعماقهم وقدمهم للحياة أشخاصا ممرورين خائفين لا يأمنون ليومهم أو غدهم يستجيبون لدواعي الحزن أكثر مما يستجيبون لدواعي السرور.
يا سيدتي .. إن شاء ربك فلسوف أتصل بك في الوقت المناسب لمساعدتك على تحقيق رغبتك القديمة والجديدة بإذن الله وحبذا لو بادرت أنت بالاتصال بي قبيل الموعد الملائم لأفي بعهدي لك .. والله أسأل أن يتقبل منك ومن الجميع وأن يمسح على أحزانك .. وأحزان كل المهمومين والممرورين .. ربنا وتقبل دعاء .
نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" يوليو 1994
كتابة النص من مصدره / بسنت محمود
راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي

برجاء عدم النسخ احتراما لمجهود فريق العمل في المدونة وكل من ينسخ يعرض صفحته للحذف بموجب حقوق النشر