أيام البراءة .. رسالة من بريد الجمعة عام 1994
اسمح لي أن أفكر معك بصوت عال وأفكاري غير مرتبة لأنني أمر الآن بظروف عصيبة مؤلمة.
فأنا يا سيدي شاب من الجيل الذي فرضت على أبنائه الغربة والترحال بسبب الفقر وقلة فرص العمل والأسرة كبيرة العدد التي أعتبر الآن عائلها الوحيد بعد رحيل أبي واعتبر مسئولا عنها ماديا وأدبيا , إنني ومنذ طفولتي لم أشعر بأنني كنت طفلا ذات يوم فقد كنت أشعر دائما بكبر سني لاحساسي بالمسئولية عن أسرتي منذ صغري ورغم أنني لم أتخط الثلاثين بعد إلا إنني أشعر بأنني كهل من كثرة ما عانيت وواجهت من ظروف وتحديات وأحمد الله أنني قد واجهت كل التحديات بإرادة صلبة واستطعت أن أحقق لأسرتي الكثير من أحلامها قبل أن أحقق أي حلم خاص بي إلا منذ شهورقليلة وذلك رغم اغترابي منذ تسع سنوات , كما أني أحمد الله على أني أحب الناس جميعا ولا أحمل كرها لأحد وليست لدي عقد نفسية ولا اجتماعية ضد أحد ورصيدي من حب الآخرين كبير والحمد لله.
لكنه لأن لكل شئ ضريبة فلقد دفعت ضريبة الغربة كاملة ومنها شعوري الدائم بعقدة الذنب تجاه أي مكروه تتعرض له أسرتي إذ أشعر بأنني المسئول عن هذا المكروه الذي تعرضوا له بسبب بعدي عنهم, وعقدة الذنب هذه تؤرقني وتكدر حياتي وترهقني عصبيا ونفسيا.
وقد بدأت عندي بعد أول تجربة اغتراب لي وكانت في إحدى الدول العربية ثم رجعت منها لأجد أبي مريضا بأمراض الشيخوخة لأنه كان يحبني جدا ويعلق علي آماله بعد تخرجي في كليتي وظن فيما يبدو أنني قد تركت الساحة بسفري وهربت من مسئولية الأسرة , مع أني يعلم الله لم أسافر أصلا إلا لمواجهتها وقد ظل مريضا إلى أن وافاه أجله وأنا خارج مصر ولم أعلم بوفاته إلا بعد أسابيع منها .. فكانت أقوى ضربة تلقيتها في غربتي ثم تمالكت نفسي واستجمعت قواي وواصلت ملاطمة الحياة إلى أن جاءت الضربة الأخرى ، فلقد أنهى أخي دراسته الجامعية منذ شهور قليلة وكان وهو صغير قد أصيب بمرض لا ندري كيف أصيب به ولا لماذا, وقد ظل يتعالج ويداري عن الجميع آلامه بهدوئه وإنكاره لنفسه وتخوفنا جميعا من هذه الجراحة .. أما هو فراح يطوف على اخوته جميعا لإقناعهم بعمل الجراحة حتى وافقنا وسلمنا أمرنا لله .. ورجعت من أوروبا حيث أعمل منذ عدة سنوات لأكون إلى جواره في هذه الظروف العصيبة .. وتم إجراء الجراحة ونحن نرتجف هلعا عليه .
ونجا منها والحمد لله وفرحنا بذلك كثيرا وأمضيت معه بضعه أيام ثم عدت إلى غربتي ولا شئ يشغلني سوى هذا الأخ الهادئ , وصاحب البسمة الحزينة والعيون الحائرة الذي لم يذق من الحياة منذ طفولته سوى مرارتها وآلامها .. واتصلت به تليفونيا فور عودتي لمقر عملي وتحدثت إليه ووجدته يعاني من بعض الآلام من جراء العملية لكنها بسيطة , وفي اليوم التالي جاءني صديق ليبلغني أن أخي قد توفاه الله في اليوم السابق وبعد أن تحدثت إليه تليفونيا بساعة واحدة!
بعد ساعة واحدة ياربي من حديثي إليه .. وبعد سفري من جواره بيوم واحد .. ورغم نجاح العملية!
إنني في حالة يرثى لها والشيطان يتلاعب بي كيفما يشاء وأرى أخي في الحلم كل ليلة ويزيد من عذابي أنني لا أتذكر هذه الأحلام في الصباح وأنني أشعر بتأنيب ضميري يقتلني لأنني تركت بلدي طوال هذه السنوات فلم أر أخي يكبر أمام عيني وافتقدت أيام البراءة وأحلى الأيام التي كان ينبغي أن أقضيها معه.
لقد ظلمتنا الظروف مرتين ببعدي عنه مؤقتا ومرة أخرى ببعدي عنه نهائيا , وأشعر أنه الآن وحيد في قبره رحمه الله وأنا وحيد في غربتي وأريده أنيسا لي في هذه الحياة القاسية .
لقد كان على خلق ومحبوبا من جميع الناس ولم يرتكب "على قدر" علمي ما يغضب الله إلا أنني رغم ذلك قلق عليه من الحساب فهل يكون حسابه قاسيا حقا يا سيدي ؟ إنني أسف لإضافة آلام وأحزان جديدة إلى همومك لكني أردت أن أتحدث إلى شخص يسمعني .. ويسمعني فقط فقد عشت عمري كله أسمع لشكوى الآخرين وأشاركهم آلامهم .. ولا أشكو لأحد وأريد أن أشكو لك من وحدتي وهمي وحزني لفقدي لأخي الطيب الهادئ الذي قست عليه الحياة وأشعر بذنب قاتل تجاهه .. وعذرا لذلك والسلام عليكم ورحمه الله .
جميع الحقوق محفوظة لمدونة "من الأدب الإنساني لعبد الوهاب مطاوع"
abdelwahabmetawe.blogspot.com
ولـــكــــاتـــب هــــذه الـــرســـالـــة أقـــــول:
أكاد أفهم يا صديقي بعض الأسباب الجانبية لاشتداد حزنك النبيل على أخيك الراحل واحساسك بالذنب تجاهه وتجاه أبيك من قبله .. إنك أحد هؤلاء الشباب المكافحين الذين تحدوا ظروفهم وتعلق أملهم في الحياة الأفضل بالسفر إلى الخارج , في نفس الوقت الذي تعلقت فيه آمال آبائهم فيهم ببقائهم إلى جوارهم ومشاركتهم تحمل مسئولية أسرهم كبيرة العدد .. فسافرت واغتربت وشاركت أباك فعلا في تحمل مسئولية أسرتك لكن الاحساس المؤلم بأنك قد سافرت في البداية على غير رغبة أبيك الذي ظن بأنك قد هربت من الساحة مازال يلاحقك حتى الآن , ويشعرك من حين لآخر بأن أباك ربما كان على حق في ظنونه بك وبأنك ربما تكون قد سافرت فعلا مدفوعا باعتباراتك الشخصية وطموحك الخاص ليس برغبتك في الارتقاء بأسرتك كما تبرر ذلك الآن.
فيشتد عليك الاحساس بالذنب كلما ألم بأسرتك مكروه ويتجدد لديك الاحساس بأنك قد تخليت عنها في أشد الأوقات احتياجات إليك .. وهذا إحساس ربما أكون قد لمسته عن قرب لدى بعض الشباب الذين التقيت بهم في أوروبا بالذات .. لكن دعني أسألك : هب أنك قد سافرت فعلا مدفوعا بهذه الاعتبارات وحدها وأن أباك كان محقا حين ظن بك أنك قد تخليت عنه .. لمن إذن كانت ثمرة هذه الغربة القاسية في النهاية ؟ ألم تكن لصالح أسرتك أو لم تصبح أنت الآن العائل الوحيد لها الذي حقق لأفرادها الكثير من أحلامهم قبل أن يحقق لنفسه أي حلم خاص به ؟
إن العبرة في النهاية هي بالالتزام بالمسئوليات العائلية والقيام بها على خير وجه , وبهذا الاحساس العائلي النبيل الذي تحاسب به نفسك عن كل مكروه يصيب أسرتك وتظن أنك لو كنت إلى جوارها لحميتها منه .. وما كنت في الحقيقة تستطيع أن تغير من أقدارهم شيئا لكنه الاحساس الطيب بالاشفاق عليهم من نوازل الحياة والتألم من أجلهم على البعد "والغربة" كما تعلم تضاعف دائما من حساسية الانسان للألم والفراق الأبدي وتعمق عاطفته الصادقة تجاه أهله وأحبابه .
فهون عن نفسك يا صديقي فلقد كانت غربتك في النهاية لصالح أسرتك .. وقد حققت لها بها الكثير مما كان لا يغني عنه وجودك معها في شدائدها .
أما إحساسك بالذنب تجاه شقيقك الهادئ الطيب صاحب البسمة الحزينة والعيون الحائرة والذي لم يذق للأسف من الدنيا سوى مرارتها .. فماذا نفعل يا صديقي .. وأقدار بعض البشر هي أن يعبروا الحياة كالطيف الشفيف الذي لا يلمس شيئا ولا ينال شيئا ؟
إنك حزين لأنك قد حرمت نفسك من صحبة شقيقك في صباه فلم تره يكبر أمامك ولم ترتو من روحه الطيبة العطوف .. وهكذا نفعل جميعا كلما فقدنا عزيزا غاليا واكتشفنا أننا لم نملأ أعيننا وقلوبنا منه بما فيه الكفاية قبل الرحيل لأننا قد ظننا مرة أخرى في غفلتنا عن الزمن أن الفرصة لن تضيع وأن العمر سوف يتسع لأن نعوض فيه كل ما فاتنا .. فإذا بالقطار يؤذن بالرحيل .. وقد كنا نظن أن موعده لم يجئ بعد.
إنها لعبة الحياة دائما مع الجميع يا صديقي وليست معك وحدك فلا تحمل نفسك ما لا طاقة لك به .. وتأكد من أنك لم تكن لتستطيع له شيئا .. فهو محكوم بأقداره كما نحن محكومون جميعا بها وأدع له دائما بالرحمة .. واقرأ لروحه ولروح أبيك فاتحة الكتاب كلما خطرت في مخيلتك صورة أحدهما ولو تكرر ذلك ثلاثين مرة في اليوم وسوف يتسلل السلام تدريجيا إلى نفسك وتعرف أن شقيقك الذي لم يؤذ أحدا ولم يرتكب إثما في حياته القصيرة , إنما هو في مقعد صدق عند مليك مقتدر وأن أباك الذي يؤرقك ظنه بك أنك قد تخليت عنه هو الآن بين يدي خالقه المطلع على القلوب الطيبة .. وتخلص من احساسك المؤلم بالذنب عن أقدار لا حيلة لك فيها .. وواصل عطاءك لأسرتك وقيامك بواجبك عنها .. فهذا هو السبيل الوحيد لتحقيق آمال أبيك فيك ولنيل رضا النفس وراحة الضمير ولسوف تجتاز هذه الفترة العصيبة من حياتك بإذن الله وسوف يخف لسع فراق أخيك بعد حين وتهدأ الأحزان تدريجيا فتتحول إلى شجن جديد من أشجان الإنسان التي لا تعوق الحياة ولا تمنع التواصل معها .. وشكرا.
نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" نوفمبر 1994
كتابة النص من مصدره / بسنت محمود
راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي

برجاء عدم النسخ احتراما لمجهود فريق العمل في المدونة وكل من ينسخ يعرض صفحته للحذف بموجب حقوق النشر