الأرض الصلبة .. رسالة من بريد الجمعة عام 1994
قرأت رسالة الشاب الذي تزوج زوجة ثانية وضاق بتمزقه بين الاثنتين ورسالة الزوجة الأخرى التي تغيرت حياتها وفقدت سعادتها بعد زواج زوجها بزوجة ثانية وأريد أن أكتب لك تجربتي الشخصية ولكن من زاوية أخرى مختلفة ربما لم يسبقني إليها أحد ممن كتبوا لك , وأعاهدك على أن أرويها لك بصدق دون أن أتجمل أو أبرر سلوكي وتصرفاتي بمبررات غير صحيحة , فأنا شابة كنت أعيش حياة عادية بين سبعة أخوة وأب وأم تخطيت الثامنة والعشرين من عمري ولم أتزوج , وكان لنا جاران زوج وزوجة في سن الشباب لهما أطفال صغار كنت "أحسدهما" لأنهما يملكان كل شئ ويتمعتان بكل شئ حلمت به لنفسي فللزوجة سيارة وللزوج سيارة أخرى والزوجان يسافران في الاجازات معا ويعودان في منتهى السعادة "وتعرفت بهذه الزوجة الشابة" وبدأنا نتزاور فازددت حسدا لها على زوجها وتمنيت لو تزوجت زوجا مثله ثم تخطيت عامي الثلاثين دون زواج وبدأت المشاكل بيني وبين أمي , وخلال زياراتي لجيراني هؤلاء بدأت أحكي لهم عن مشاكلي مع أمي وبدأ زوجها يعرف بهذه المشاكل من زوجته ومني وفجأة وجدت زوجها يعرض عليّ بعد فترة الزواج مؤكدا لي أنه لن يفرط في زوجته بعد أن نتزوج , رغم علمي بأن زوجته "صديقتي" لن توافق أبدا على زواجه مني وبأي شكل من الأشكال وأنها سوف تطلب منه الطلاق بمجرد علمها به فلقد مضيت في طريق الزواج معه وأنا سعيدة في داخلي ليس فقط بزواجي منه وإنما أيضا بأنه سيكون لي "وحدي" بعد قليل حين تهجره زوجته وتطلب الطلاق بإصرار , وأنا أعترف لك بذلك بلا مراوغة وأريد أن أوضح لك أيضا هذه النقطة الهامة التي قد تغيب أحيانا عن البعض وهي أن أي فتاة أو سيدة توافق على الزواج من رجل متزوج وتقبل أن تكون زوجة ثانية له إنما تفعل ذلك وهي تتمنى في أعماقها أن يكون لها زوجها وحدها ذات يوم بل وتتمنى "خراب" بيته الأول لتنفرد به مهما قالت عكس ذلك في البداية أو مهما تظاهرت بحرصها على ألا يهدم أسرته أو يتنكر لزوجته الأولى.
وتزوجنا بغير علم زوجته بالطبع ثم علمت زوجته وأولاده بالأمر فأقامت زوجته ضده دعوى طلاق للضرر وحصلت عليه على الفور ونالت كل حقوقها من نفقة ومسكن إلخ وأصبح زوجي لي وحدي , وفي خلال ذلك حاولت زوجته أن تتصل بي تليفونيا وتتحدث معي وترجوني أن ابتعد عن زوجها حتى لا تنهدم أسرتها ويتمزق أطفالها فقلت لها ببرود أن الخطأ خطؤها هي من البداية وليس خطئي فانفعلت ودعت الله أن يحرق قلبي كما حرقت قلبها , وسمعت دعاءها علي ولم أبال به فقد كنت سعيدة بزوجي وبحياتي معه .. لكني بعد شهور بدأت أحس بأن زوجي مازال يحب زوجته الأولى , وأن معاملته لي قد تغيرت تغيرا كبيرا .. فقد انقلب عليّ فجأة وراح يتهمنى بأنني السبب في كل ما حدث من البداية وبأنني كان ينبغي أن أرفض الزواج منه وألا أشجعه عليه , واحتملت تقلباته هذه وفسرتها بما يعانيه من متاعب نفسية بسبب ابتعاده عن أطفاله وما ترتب علي طلاقه لزوجته من مشاكل , وبدأت أفكر في الحمل لكي أشغله بحملي وأوثق روابطي معه بالرغم من أنه قد اتفق معي قبل الزواج على ألا أحمل أو أنجب منه , وحملت بالفعل على غير ارادته وأحسست بأنني قد قطعت نصف الطريق إلى الأمان والاستقرار معه , ثم انجبت طفلا ففرحت به فرحه طاغية ، وأحسست أنني قد أصبحت أقف الآن فوق أرض صلبة لن يهزها شئ في المستقبل , وانشغلت بشئون طفلي الوليد , وتباهيت به , وبعد ثلاث شهور من مولده مرض فجأة فأسرعت به إلى الطبيب وحرصت على اتباع كل تعليماته بدقة .. فلم تتحسن حالته بل ازدادت سوءا ثم في غمضة عين وجدته فجأة يسلم أنفاسه ويرحل عن الدنيا بلا وداع , وفي لحظة واحدة توفي ابني "واحترق قلبي" بألم لم أعرفه من قبل .. واستغرقني الحزن عليه وبدأت أدرك خطأ ما فعلت في حق صديقتي السابقة وحاولت أن أتحدث معها فأغلقت السكة في وجهى كما فعلت معها حين رجتني أن أبتعد عن زوجها في البداية ثم طلقني زوجي وهو يستعد الآن للعودة إلى زوجتة التي يحبها وكنت أعلم بحبه لها وأنا زوجته ولم استطع أن أفعل شيئا تجاهه , أما أنا فإني أستغفر ربي كثيرا ولا أطلب شيئا إلا أن تسامحني صديقتي السابقة وتغفر لي ما فعلت , وهي من قارئاتك وتقتنع بآرائك فأرجو أن تكتب لها لتسامحنى , ولأن الله غفور رحيم .
ولكــــاتـبة هـــذه الـرســـالة أقــــول:
إذا صدق الإنسان مع نفسه فلقد صدق مع الآخرين جميعا ويستطيع أن يقول مطمئنا أنه قد تعلم من أخطائه ويبدأ حياة جديدة مستفيدا بدروس تجاربه وعثراته .. وأنت يا سيدتي قد صدقت مع نفسك حين اعترفت بأنك كنت "تحسدين" صديقتك السابقة على زوجها وحياتها .. وهذه جرأة في الصدق مع النفس تحسب لك لأنه نادرا من البشر هم الذين يعترفون لأنفسهم وللآخرين بأنهم قد "حسدوا" أحدا على نعمة لم ينالوها إلى حد أن الحكيم الفرنسي لارشفوكو يقول لنا إن الإنسان قد يعترف لنفسه وللآخرين بأبشع الخطايا وقد لا يرى حرجا في ذلك ماعدا خطيئة واحدة لم يعترف بها أبدا لأحد وإنما يحاول دائما إنكارها ونفيها عن نفسه , هي الحسد .. والحق أنني هممت وأنا أقرأ رسالتك من البداية أن أصحح لك كلماتك عن حسدك لجارتك هذه وتمنيك لنفسك زوجا مثله فأقول لك أن هذا ليس من الحسد وإنما الغبطة التي لا شئ فيها , لأن الحسد هو تمني زوال نعمة الغير في حين أن الغبطة هي أن يتمنى المرء لنفسه نعمة كنعمتهم وهذا حق طبيعي لكل إنسان لكني واصلت قراءة رسالتك فعرفت انك ظفرت بهذا الزوج "نفسه" وليس بمثله واستأثرت به لنفسك فأدركت أنك قد عنيت فعلا ما كتبت وليس شيئا سواه وأنك قد تمنيت لا زوجا كزوج صديقتك وإنما زوج صديقتك نفسه , ولك وحدك كما تعترفين أيضا بذلك بشجاعة لا يمكن انكارها عليك حتى وإن لم ترض عن تصرفك ولا عن خيانتك لصديقتك ولا عن تشجعيك لزوجها على أن يطلب منك الزواج ويهدد استقرار أسرة كانت سعيدة ومستقرة قبل دخولك عالمها وتضطرب حياة زوجة وأم لا ذنب لها سوى أن قبلت صداقتك وتعاطفت معك واستمعت لمشاكلك ونقلتها بحسن نية إلى زوجها فتعاطف هو الآخر معك واهتم بك وبدأت القصة القديمة الجديدة التي لا بداية لها ولا نهاية .. وحين عرض عليك زوجها الزواج بعد قصه لم تحكي لنا تفاصيلها سارعت بالقبول دون التوقف لحظة أمام ما يمثله ذلك من خيانة مؤسفة لصديقتك ومع علمك بأنه سوف يترتب على زواجك منه طلاق زوجته وتمزق أطفاله , وسعيت إلى توثيق روابطك معه بالانجاب وتصورت أنك بذلك قد أويت إلى ركن ركين لن ينالك فيه أحد وأنك قد أصبحت تقفين فوق أرض صلبه لا تهزها العواصف ولا الأنواء فإذا بهذه الأرض "الصلبة" تميد بك بعد وقت قصير , وينهار كل شئ بنيته فوق الرمال في لحظات فترجعين إلى حيث بدأت خالية اليدين وتعرفين في النهاية مع الجميع أن الأرض الصلبة الحقيقة التى تحمي من يقف فوقها إنما هي أرض العدل الذي لا يضار لسعادتنا فيها أحد , ولا نغتصب فيها حقوق الآخرين ولا نرقص فيها فوق ألامهم وأحزانهم وحسراتهم .
وهذا هو درس رسالتك الحقيقي يا سيدتي أما صفح صديقتك السابقة عنك فلا أمل فيه ولا رجاء فلا تنتظريه ولا تأملي فيه الآن على الأقل فلن ترجع المياه إلى مجاريها بينكما مرة أخرى وإن طال العهد ولا لوم عليها إن فعلت ذلك فالعاقل لا يلدغ من صديق واحد مرتين والمهم هو غفران ربك وصفحه ومغفرته , والرجاء إليه أن يكون التعجيل لنا بعقاب الدنيا بشيرا بالعفو عنا في الآخرة .
أما رجائي لك فهو أن تكوني صادقة حقا في ندمك ورغبتك في صفح صديقتك السابقة عنك , وألا تكون رسالتك هذه سهما أخيرا تجربين اطلاقه في محاولة يائسة لاسترضاء زوجك السابق واعادته إليك وعرقلة عودته إلى زوجته وأطفاله.
فهذا هو الأمل والرجاء لأنه لو صح ذلك لأهدر درس التجربة من أساسه وهو الصدق مع النفس , وعدم التطلع إلى ما يملكه الغير وتمني زواله أو الاستئثار به دونهم , وعدم خيانة الأصدقاء وطعنهم في ظهورهم .. فإذا كنت قد استوعبت هذا الدرس حقا , فلقد تطهرت نفسك من أخطائها السابقة ومن استباحتها العدوان على سعادة الآخرين مما يرشحك حقا لحياة جديدة تنالين فيها ما تستحقينه من سعادة عادلة وحياة آمنة .. أما درس رسالتك الاضافي فهو أنه قد أطلعنا حقا على "الزواية المختلفة" في قصة الزوجة الثانية وعلى حقيقة مشاعرها وأمنياتها الكامنة في الاعماق تجاه أسرة زوجها الأولى فعسى أن يستفيد بكل ذلك من يواجهون نفس التجربة ليجروا حساباتهم على أساسها وليس على أساس ما يسمعون من حلو الكلام والوعود , ثم لا تلبث أن تكشف التجربة عن نفس الأمنيات والرغبات التي صورتها لنا بصدق غريب كاتبة هذه الرسالة .
نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" سبتمبر 1994
كتابة النص من مصدره / بسنت محمود
راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي

برجاء عدم النسخ احتراما لمجهود فريق العمل في المدونة وكل من ينسخ يعرض صفحته للحذف بموجب حقوق النشر