الأمنية المكتومة .. رسالة من بريد الجمعة عام 1994

 

الأمنية المكتومة .. رسالة من بريد الجمعة عام 1994

الأمنية المكتومة .. رسالة من بريد الجمعة عام 1994

 

منذ فترة طويلة وأنا أهم بالكتابة إليك .. ثم أتراجع أملا أن أقرأ في بريدك رسالة مشابهة لمشكلتي فاستشف منها رأيك فيما أعاني منه .. وأخيرا رأيت أن أكتب لأقول لك إنني رجل حققت في حياتي العملية نجاحا لا بأس به وشغلت أرقى المناصب وحين قاربت الأربعين من عمري رغبت في الزواج فرشح لي صديق سيدة كانت لها تجربة سابقة في الزواج ولم تكلل بالنجاح , ورأيتها مناسبة لي فتقدمت لها .. ولم تسمح لنا الظروف بفترة خطبة طبيعية استطيع خلالها دراسة شخصيتها والتعرف على طباعها , لأن تقاليد أسرتها كما أكد لي الصديق لا تسمح بالإختلاط قبل الزواج فوالدها كان له مركزه الكبير ووالدتها من عائلة عريقة فغامرت بعقد قراني عليها بلا فترة خطبة وانتقلت زوجتي للحياة معى في مسكني .. ولا أكتمك يا سيدي أنني قد شعرت منذ الأيام الأولي بحقيقة "المقلب" الذي شربته لكن ماذا كنت أستطيع أن أفعل وقد حملت زوجتي في الأيام الأولى أيضا من زواجنا وأنجبت أبنا ثم بنتا خلال عامين.

 وقد تسألني ولماذا جاء المولود الثاني وقد قرأت الكتاب من عنوانه وتأكد لك أن زواجك ليس موفقا , فأجيبك بأني قد أردت ذلك رغم ادراكي لفشل الحياة الزوجية لكي يكون لإبني أخت أو أخ يشد كل منهما أزر الآخر في رحلة الحياة إذا ما انفصل أبواهما أو رحل أحدهما عن الدنيا .. ومضت الأيام فعرفت من شخصية زوجتي ما لم أكن أعرفه وعرفت أنها خلال زواجها الأول كانت لا تستقر في بيت زوجها إلا أياما ثم تهجره إلي بيت أبيها لبضعة أسابيع وتعود لأيام وتتكرر نفس القصة من جديد إلى أن طلقت وبقيت في بيت أسرتها سنوات طويلة إلى أن تزوجتها كما وجدتها .. مغرورة وكذوبا ولا أمان لها ولا يسلم من أذاها أحد محدودة التعليم وثقافتها منعدمة ولا تتجاوز في قراءتها للصحيفة صفحتي الحوادث والوفيات .. وفي بداية زواجنا اتهمتني بأني لم أتزوجها إلا طمعا في مالها فأثبتت لها الأيام خطأ ظنونها ولما تأكدت من أنني لا أقبل لنفسي أو لأولادي شيئا اشترته من مالها عايرتني بأن أباها قد أمن لها مستقبلها من الناحية المادية في حين أني لن أستطيع تأمين مستقبل ابني كما فعل أبوها معها .. أما مباهاتها بعائلتها وانتقاصها لعائلتي بالرغم من أن كثيرين منهم قد وصلوا إلى مراكز تفوق بكثير مركز أي فرد في أسرتها , فقد كانت طبعا ملازما لها في علاقتها بي بالإضافة إلى اهاناتها لي ولأفراد أسرتي حتى لقد سبت أمي في احدى زياراتها لنا بغير سبب سوى أن تدفعها لعدم تكرار الزيارة كما افترت على أبي وزعمت أنه لم يكن إلا مدرسا إلزاميا مع أنه كان من كبار رجال التعليم .

وقد شكوت لأخواتها وبعض أقاربها مرارا وتكرارا من تصرفاتها هذه فكان ردهم الصريح أنها حالة ميئوس منها وليس في مقدور أن يلومها أو يوجهها إلى الصواب اتقاء لشرها !

فتحملت أهاناتها وسخافاتها من أجل ابني وابنتي وضحيت بالكثير من أجلها فلم أسع للعمل في دولة عربية أو أجنبية أو في احدى وكالات الأمم المتحدة كما فعل زملائي في تخصصي المطلوب وحرصت على التفرغ لهما ورعاية شئونهما وتربيتهما على القيم والمثل العليا وكان دعائي الدائم إلى الله ألا يرث أحدهما عقلية أمه أو طباعها , وأكرمني ربي فاستجاب لدعائي فنشأ على غير طباع أمهما وغير عقليتها والحمد لله وحافظا على تفوقهما الدراسي حتى التحقا بكليتين من كليات القمة وأوشكا على التخرج بعد عامين والحمد لله كما أعانني ربي وبغير أن أغترب أو ابتعد عنهما على أن أؤمن لهما مستقبلهما ماديا وبالقدر الذي لا يحتاجان معه لأحد خاصة إلى أمهما التي كانت تتحداني أن أنجح في ذلك , فوفرت لكل منهما شقة ورصيدا ييسر له أن تكون له أسرة سعيدة في المستقبل القريب إن شاء الله .

أما كيف مضت العشرون سنة التي استغرقتها رحلة زواجي غير السعيد بأمهما فأستطيع أن أقول لك أن حياتي معها مضت على وتيرة واحدة لا تكاد تتغير .. فترة قصيرة من الاستقرار في بيت الزوجية ثم خلاف لسبب تافة أو مفتعل من جانبها يعقبه هجرها للبيت وعودتها وحدها إلى بيت أسرتها تاركة لي الابنين لفترة طويلة وهكذا بلا أن تغيير معظم سنوات الرحلة . وفي طفولة الأبناء كنت أضيق بهجرها للبيت وأكتئب به .. ثم كبر الإبنان وقل احتياجهما لها فلم أعد أكترث لغيابها وعودت نفسي على أن أدير شئون البيت والأبناء وحدي فتعلمت الطهي وأجدته وتعلمت أعمال البيت وأجدتها أيضا حتى استغني عن خدماتها التي كانت تمن بها علينا .

 وفي إحدى مرات الهجر التي لا حصر لها .. وجدت نفسي أمام موقف مؤلم لا أنساه حتى الآن , فقد كنت أستعد للسفر بعد يومين لتمثيل بلدي في مؤتمر دولي لمدة أسبوع وكان ابني وابنتي في ذلك الحين في سن المراهقة فعدت إلى البيت فإذا بي أجد زوجتي "الأم الرؤوم" قد جمعت ملابسها وسافرت وحدها إلى أهلها وتركت الولد والبنت وهي تعلم أني سأسافر بعد يومين للخارج بغير أن تفكر في اصطحابهما معها أو على الأقل في تأجيل هجرها للبيت لحين عودتي من السفر بعد أسبوع واحد وفهمت أنها تريد أن تضعني أمام موقف عصيب بالنسبة لعملي وابني ولم يكن لي خيار في السفر وقد تمت كل الاجراءات ولم يعد هناك مجال للاعتذار .. وبعد عذاب نفسي طويل .. وجدتني أشرك معي ابني وابنتي في حيرتي ثم أسألهما باشفاق: هل تستطيعان العناية بنفسيكما وحدكما لمدة أسبوع واحد إلى أن أعود ؟ ففوجئت بهما يجيباني بالإيجاب وبحماس اشفاقا علي من معاناتي بسببهما فاستخرت الله وسافرت تاركا ابني في رعاية الله وحده وعدت بعد اسبوع تسبقني لهفتي على الاطمئنان عليهما فوجدتهما على ما يرام والحمد لله .

أما أمهما الحنون فلم تعد إلى البيت إلا بعد خمسة شهور !

وأخيرا فلقد افتعلت زوجتي أزمة مع ابنتها ووقفت إلى جانب ابنتي فأطلقت زوجتي في لسانها بالسباب الجارح الذي قابلته بالبرود وعدم الرد ثم نهضت كالعادة تجمع ملابسها معلنة أن ابنيها في سن لا يحتاجان فيه إليها وأنها لو طلقت فلن تتزوج ثالثا بعد أن جربت حظها في زيجتين وهجرت البيت دون محاولة من جانبي لمنعها .. ولم تعد مرة أخرى أما متى حدث ذلك ؟ فلقد حدث منذ عامين  كاملين ومنذ الحين وأنا أعيش وحيدا مع ولادي أدبر لهما أمورهما وطعامهما ومعيشهما سعيد بما أقدمه لهما رغم ما أحس به من ارهاق في مرحلة من العمر كان ينبغي أن أجد فيها الراحة بعد رحلة العمر الشاقة "واعتزم"إن طال بي العمر إلى أن ينهي ابني وابنتي دراستهما وتصبح لكل منهما حياته المستقلة أن استقل بسكني وأعيش وحيدا لكني أخشى أن تدفعني وحدتي في هذه الحالة إلى التفكير في زواج جديد لا يعلم سوى الله احتمالات نجاحه وآثاره على ولدي وعلاقتهما بي .. وقد يكون البديل إذا خشيت هذه الاحتمالات أن أجد لنفسي مكانا في أحد فنادق المسنين حتى لا أعيش وحيدا بلا رفيق أو أنيس لكن الأمر الذي يشغلني الآن بعد عامين من خروج زوجتي من بيتي هو أن زوجتي مادامت قد خرجت من بيتي ولم تعد بعد مرور هذه الفترة الطويلة فإن من المنطقي والضروري أن تخرج أيضا من حياتي بعد أن تيقنت من أنه لا أمل في استمرار الحياة والعشرة بيننا وابني وابنتي يشاركانني الاقتناع بأن الحياة المشتركة بيني وبين امهما قد أصبحت مستحيلة لكنهما لا يرتاحان في نفس الوقت لطلاق أمهما وحتى ولو تم ذلك عقب إنتهاء دراستهما بعد عامين ويريان أن الوضع  الحالي وهو الانفصال بدون طلاق افضل لهما وبغير أن يهتما بجمع الشمل إذ أن كل ما يعنيهما على حد قولهما هو الشكل العام أمام الناس .

فماذا أفعل الآن وقد ضحيت بالكثير من أجل أبنائي وتحملت الكثير والكثير واعتقد أنه قد آن الأوان لأن أحسم الأمور المعلقة بما يريحني في شيخوختي لكن ابنيّ يعترضان فماذا تنصحني أن أفعل ؟

جميع الحقوق محفوظة لمدونة "من الأدب الإنساني لعبد الوهاب مطاوع"

abdelwahabmetawe.blogspot.com

 

ولـــكـــاتــب هـــذه الـــرســـالــــة أقـــول:

 

تعجبني كلمة حكيمة للكاتبة الأمريكية دوروثي ديكس تقول فيها : "وقد تتمتع الزوجة بكل فضيلة في الوجود لكن كل فضائلها تذهب هباء إذا كانت سيئة الطبع حادة المزاج محبة للنقار".

وهذا صحيح تماما وينطبق أيضا للانصاف على الزوج الذي تذهب كل فضائله ادراج الرياح إذا كان قاسي الطبع حاد المزاج صعب المعاشرة , ومع أني لست في مجال الحكم بينكما لأقضي من منكما يتحمل المسئولية عن فساد الحياة الزوجية واستحالتها بعد كل هذه السنين , كما أني لم أسمع للزوجة لأعرف منها مبرراتها لهذا الهجر المتصل لبيت الزوجية , إلا أن ميل زوجتك القديم لهجر بيتها عقب كل خلاف ولفترات طويلة سواء في زواجها الأول أو الثاني يقطع بأن الصبر على المكاره .. والأناة .. والتروي قبل الإقدام على تصرف حاسم ليست كلها من فضائلها المؤكدة كما أن هجرها لابنيها وهما في سن المراهقة غير مبالية بما سيصيبها عند سفرك الاضطراري للخارج بعد يومين من رحيلها .. يوحي أيضا بأن التضحية من أجل الأبناء وتغليب مصلحتهم على كل اعتبار آخر ليست أيضا من هذه "الفضائل" التي يبدو أن الزمن قد عفا وأخرجها من منظومة الفضائل بالنسبة للبعض بكل أسف !

وأغلب الظن أن اعتزازها بإكتفائها المادي وقدرتها على تحمل مسئولية نفسها المادية .. ووجود البديل الآمن لبيت الزوجية في كل لحظة , يبدو أن كل ذلك قد اغراها باستسهال هجر بيت الزوجية عند كل خلاف منذ زواجها الأول فلازمتها هذه النزعة في زواجها الثاني , وسوف تلازمها غالبا في زواجها الثالث إذا تزوجت مرة أخرى .. لأنها نزعة لها بعض تسلط العادة المألوفة أو الطبع عند البعض .

ورغم كل ذلك فإني أستشف في رسالتك أمنية مكتومة في أن تعود زوجتك إلى بيتها الذي هجرته منذ عامين وتواصل معك رحلة الحياة إن لم يكن من أجلك ومن أجلها فمن أجل هذين الابنين اللذين ستزداد حاجتهما لأمهما كلما تقدما في مرحلة الشباب .. على عكس ما تتصور زوجتك وتحاول اقناع نفسها به .

وما إلحاح فكرة الطلاق الرسمي عليك الآن إلا تعبير لا إرادي عن رغبتك في دفع الأزمة إلى حافة الهاوية طلبا للحل المنشود وليس رغبة في الهدم أو الانتقام , والطلاق في نظر الاسلام كما يقول فضيلة الشيخ محمد الغزالي "وقف مؤقت لعلاقة تحتاج إلى اعادة نظر وليس حسما صارما لهذه العلاقة" , فكأنما في أعماقك ترغب بالطلاق في أن تعيد زوجتك النظر في العلاقة التي تربطكما وتصحح بعض أخطائها .

والحق أني لا أخفي تعاطفي معك ولا تقديري لاحتياجاتك الإنسانية في هذه المرحلة من العمر , ومع ذلك فإني أميل لتأييد مطلب ولديك منك بعدم طلاق أمهما حرصا على الشكل العام وتطلعا إلى أن يبدوا أمام الآخرين وخاصة أمام الأسرتين اللتين سيرتبطان بهما في المستقبل من أبناء أسرة طبيعية غير ممزقة بالطلاق حتى ولو كانت الأم هاجرة لزوجها منذ زمن طويل ولا لوم عليهما في ذلك .. فهو احتياج إنساني آخر من احتياجاتهما لا يقدره سواك ولا يرق له قلب سوى قلبك وأنت الأب المضحى الذي كرست حياتك لأبنائك وتحملت من أجلهما كل العناء , وظني بك أن روحك المضحية لن تضيق بأن تقدم لهما أيضا هذه التضحية الاضافية لأنك من "القادرين على التمام" كما يقول الشاعرالعربي القديم ولست من غيرهم .. وإذا كان من المؤسف حقا أن نضطر أحيانا لمطالبة الطرف المضحي بمزيد من التضحيات فإن لذلك تفسيرا منطقيا وحيدا هو أن التضحية لا تطلب إلا من أهلها .. وممن تسمح له طبيعته المعطاءة بتقديمها وتقدير أهميتها لغيرها أما الطرف الذي لا يعرف التضحية فهيهات أن يتفهم أهميتها أو تسمح له طبيعته الشحيحة بالعطاء لأحد , وللحقيقة أيضا فإنك لن تخسر الكثير بتقديم هذه التضحية لابنيك لأنك إذا اطمأننت إلى أدائك لرسالتك كاملة تجاههما واستقل كل منهما بحياتك .. تستطيع أن تفعل ما تريد بحياتك بلا لوم عليك من أحد ولا عتاب , وبهذه المناسبة فلقد لمست في حديثك عن ابنيك وكيف أنهما لا يفعلان شيئا لاجتماع الشمل في حين أنهما يهتمان فقط بالحفاظ على الشكل , لمست احساسا بأنك تتصور أنهما كانا يستطيعان جمع الشمل .. ولم يفعلا  أو قصرا في ذلك .. وهذا شائع لدى بعض الآباء الذين يواجهون مثل هذا الموقف العصيب لكنه احساس غيرعادل لأن الأبناء لا يملكون للأم الهاجرة الكثير للأسف .. وليس لرجائهم أي تأثير إلا لدى من يستشعرون أمانة المسئولية عنهم من أمثالك وحدهم .. ولهذا فإني لا أجد ما أقوله لزوجتك في النهاية سوى هذه الكلمة المعبرة للأديب والسياسي الانجليزي لورد تشنرفيلد : "إن الأخلاق القويمة تقوم على تضحيات صغيرة" .. أفلا تستطيع إذن وهي التي لا ترغب في زواج جديد أن تقدم لإبنيها احدى هذه التضحيات الصغيرة فتعود إلى بيتهما وليس إلى بيت زوجها حتى يتخرجا ويستقلا بحياتهما ثم تفعل بنفسها بعد ذلك ما تشاء .

ألا تستطيع ذلك حقا ؟

نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" سبتمبر 1994

كتابة النص من مصدره / بسنت محمود

راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي

 

 

Neveen Ali
Neveen Ali
كل ما تقدمه يعود إليك فاملأ كأسك اليوم بما تريد أن تشربه غداً
تعليقات