الإنذار الأخير .. رسالة من بريد الجمعة عام 1994
أنا سيدة في الثامنة والثلاثين من عمري تزوجت منذ عشر سنوات وأنجبت بعد زواجي بعامين طفلي الأول بولادة قيصرية وبعد ولادته بثلاثة أيام ارتفعت درجة حرارته حتى تخطت الأربعين وتبين أنه يعاني من ثقب في البريتون فأجريت له جراحة لإزالته وأخرى لتحويل فتحة الشرج إلى البطن وعمره ثلاثة أيام فقط وأنا مازلت راقدة في فراش المرض بعد الولادة .. وبعد خمسة شهور أجريت له جراحة أخرى لإعادة الفتحة إلى مجراها الطبيعي ولن أطيل عليك فيما عاناه طفلي وعانيناه معه خلال السنوات الست الأولى من عمره لكني أقول لك فقط أنه قد أجريت له بعد ذلك جراحة أخرى لإصابته بانسداد في القولون .. وبعد أهوال وأهوال عشناها وتكبدناها ظننا أن حالته قد استقرت وبدأ يعيش حياته كالأطفال الآخرين .. فإذا به يصاب بحاله صرعية فعدنا للطواف به على كبار الأطباء وكشفت الفحوص والاشعات عن أن لديه بؤرتين صرعيتين تؤثران على مراكز الاستيعاب والتركيز وأن نسبة ذكائه قد انخفضت إلى 50% وكنت قد الحقته بمدرسة حضانة وهو في الرابعة من عمره وكانت استجابته للتعليم طبيعية في عامه الأول بها ثم بدأ التدهور السريع في العام التالي ورفضت المدرسة استمراره بها فواصلنا الفحوص والعلاج وكشفت أشعة الرنين المغناطيسي عن كارثة أخرى لا تقل هولا عما أصابه هي أن الوصلة التي تصل بين فصيّ المخ غير موجودة عنده أو غير سليمة ولا يمكن التدخل الجراحي لعلاجها وهي حالة نادرة لا تزيد على واحد في المليون .. ولم تتوقف النكبة عند هذا الحد فقد تدهورت حالة ابني بشكل خطير حتى أصبح لا يعي أحيانا شيئا ولا يعرف أحدا ولا يستطيع التعبير عن أبسط رغباته وتنتابه نوبات طويلة من الصراخ والبكاء لا نعرف لها سببا أو يضع كل ما يقع تحت يده في فمه .. كما أصبح في الفترة الأخيرة عدوانيا وتتجه عدوانيته غالبا إلى طفلتنا الأخرى التي تبلغ من العمر عامين كما أنه يرفض البقاء في البيت وتنتابه نوبات من الهياج والصراخ المستمرين فلا يهدأ إلا إذا نزل إلى الشارع وظل يطوف بالشوارع المحيطة بمسكننا ساعات طويلة وندور معه أنا أو والده ولا ينام إلا إذا نال منه التعب والإجهاد كل غايته ولا تجدي معه المهدئات .. وقد يظل أحيانا يقفز ويجري في كل مكان ويملأ الدنيا حركة حتى يعجز عشرة أشخاص عن أن يمسكوا به أو أن يسيطروا عليه .. لقد عانينا مع طفلنا ومازلنا نعاني ما لا طاقة لبشر به والمشكلة هي أنني وزوجي نعمل .. ونحن في أشد الحاجة لدخلي من عملي لتلبية نفقات الأسرة الضرورية , ولا أستطيع التفرغ لرعايته فضلا عن أن ذلك ليس مطلوبا أيضا بنصيحة الأطباء الذين أشاروا علينا بضرورة اختلاطه بأطفال آخرين واندماجه معهم .. وصحبتنا أنا وطفلتي الصغيرة له وحدنا ستضره وستضر بنا نحن أيضا نفسيا وخاصة أخته الصغيرة التي أصبحت ترتعب منه ولا أجد وقتا كافيا للأسف لرعايتها لأني موزعة بين عملي في الصباح ثم ملاحقة ابني هذا بعد خروجي منه وقد استطعت بعد جهد جهيد أن ألحقه بحضانة للأطفال بالقرب من عملي منذ 4 شهور لكن إدارتها أمهلتني حتى نهاية شهر رمضان للبحث عن مكان آخر له .. كما رفضته كل الأماكن الأخرى حتى مدارس التربية الفكرية لأن نسبة ذكائه تحت 50% ولشروط أخرى غير متوافرة فيه .
فإلي أين أذهب بطفلي وقد بلغ من العمر الآن ثماني سنوات ؟ ولا من سبيل لعلاجه في الداخل أو الخارج ؟ إنني لا أطلب سوى مكان أمين أودع فيه ابني هذا خلال فترة عملي حتى أطمئن عليه في غيابي .. والمهلة أو الإنذار الأخيرة الذي تلقيته من الحضانة المجاورة تقترب من نهايتها ولا أعرف ماذا سأفعل بعدها فهل من بصيص أمل يخفف عني وعن زوجي معاناتنا وكبتنا بابننا البائس هذا ؟
جميع الحقوق محفوظة لمدونة "من الأدب الإنساني لعبد الوهاب مطاوع"
abdelwahabmetawe.blogspot.com
ولـــكـــاتـــبة هـــذه الـــرســـالـــة أقــــول:
لا حيلة لنا أمام بعض اختبارات الحياة القاسية إلا أن نتمسك بالأمل حتى النهاية حتى ولو كانت بعض الظروف المحيطة لا تشجع عليه .. وفيما يتعلق بالمدرسة التي تقبل طفلك وتأمنين عليه فيها خلال فترة عملك .. فسوف أتصل بصاحب مدرسة متخصصة في رعاية الأطفال المشابهين لحالة طفلك وهو أستاذ جامعي فاضل وسأرتب لك معه انضام طفك إلى مدرسته مع استعداد بريد الأهرام لأن يتحمل بعض تكلفتها تخفيفا عنك وعن زوجك , أما الأمل في العلاج وتخفيف معاناة هذا الطفل المعذب فإني أضع رسالتك أمام أنظار كبار الأطباء المتخصصين عسى أن يشير علينا أحدهم مشكورا بما نستطيع أن نفعل لإعادة الأمل لكما في إمكان تحسن حال طفلك في المستقبل وتخففكما من بعض معاناتكما معه التي تهون إلى جوارها معظم هموم الحياة وآلامها .. وإني لفي الانتظار.
نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" فبراير 1994
كتابة النص من مصدره / بسنت محمود
راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي

برجاء عدم النسخ احتراما لمجهود فريق العمل في المدونة وكل من ينسخ يعرض صفحته للحذف بموجب حقوق النشر