عين الجاني .. رسالة من بريد الجمعة عام 1993
أنا سيدة متوسطة العمر تزوجت وأنا فتاة صغيرة من شاب من أسرة طيبة وأنجبنا ولدا وبنتا , ومضت رحلة العمر بأيامها الحلوة والمرة , وكبر الأبناء وترقى زوجي في حياته العملية حتى شغل أحد المناصب الهامة وبدا لنا أن الحياة قد صفت أخيرا واختفت صعوبات البداية ومتاعب التكوين وراقت مياه النهر من كل الشوائب فإذا بزوجي يسقط مريضا وفاقدا القدرة على الحركة والكلام , واضطربت حياتي بشدة بعد أن تصورت أنها قد هدأت وجاء وقت الاستمتاع بثمار الكفاح وبدأنا رحلة عناء طويلة للعلاج في الداخل والخارج تحسنت بعدها حالة زوجي بعض الشئ ولكنه ظل عاجزا عن النطق ويتحرك بصعوبة شديدة وفي أضيق الحدود.
وكانت ابنتي قد تزوجت وانجبت وتزوج ابني من فتاة جميلة من أسرة طيبة وأنجب منها .. فوجدت من زوجته الشابة عونا ومساندة لي في رعاية زوجي لم أجدها لدى غيرها , فقد كانت تترك بيتها وزوجها وتأتي إلىَ في مسكني بالأسابيع الطويلة لتساعدني في رعاية زوجي , وتخفف عني متاعبي .. وتسري عني وحدتي وضيقي .. وقد أمضت فترات طويلة تقيم معي وترفض العودة إلى بيتها وزوجها إلا بعد إلحاح شديد مني , ومن زوجها , فما أن تعود حتى أجدها أمامي مرة أخرى , فإذا لامها زوجها على ذلك اتهمته بالأنانية وبعدم الوفاء لأبيه , وبسبب كثرة غيابها عن بيتها وملازمتها لي في بيتي وفي كل مكان كثرت المشاكل بينها وبين زوجها فكنت أتحيز لها في كل خلاف مع زوجها وأحرج مشاعره وأهينه أمامها إكراما لهذه الفتاة التي أسرتني بما فعلت معي ووجدت لديها من الحنان والحب ما لم أجده لدى غيرها , كما أنني أحببتها حبا يفوق الوصف فلم أطق أن يسئ إليها ابني أو أي إنسان.
وتزايدت المشاكل والخلافات ورغم أني لاحظت جرأتها وعدوانيتها معه دائما في كل خلاف واتهامها له بالفشل في حياته العملية مع أنه موظف ناجح وفي وظيفة مرموقة يحلم بها كثير من الشبان ويركب سيارة فاخرة إلا أنني كنت أتغاضى عن جرأتها عليه وأعنفه تعنيفا شديدا على فقده لأعصابه معها حين تجرح مشاعره واعتدائه عليها بالضرب ليسكتها وأناصرها ضده واكتفي بنصحها بيني وبينها بأن تخف من جرحها لمشاعره أمامي , واغفر لها دائما كل ما تفعل مما آثار ضيق ابني فاتهمني بأنني أحبها أكثر مما أحب أولادي وأؤيدها بالحق وبالباطل في كل ما تفعل وتصاعدت الخلافات وظلت شكوى ابني الدائمة هي أنه لا يجد زوجته ولا يحس أنه تزوج لأنها أما في بيت أسرتها .. وأما معي تلازمني وتشاركني رعاية زوجي وأن أمر زوجته وأسرته ليس في يده وإنما في يد غيره وأنني أستجيب لكل ما تطلبه من مطالب مادية بلا تردد ولو كان ذلك ضد إرادته ودون مشورته , ويصرخ أنه يريد أن يعيش مع زوجته بدخله هو وليس بمساعدتي وبما أقدمه لها من مساعدات خاصة وأن مرتبه من الهيئة الأجنبيه التي يعمل بها لا يحلم به من هم في مثل سنه , وأنجبت زوجة ابني طفلا فلم يتغير الحال كثيرا وانجبت طفلا آخر فلم يشغلها الطفلان عن ملازمتي كما كان الحال من قبل وتطلب علاج زوجي في احدى المراحل السفر للخارج لفترة طويلة فلم تتردد في السفر إلى حيث سافرت حتى لا تتركني وحيدة مع زوجي في الغربة وكانت تقوم بشئون زوجي المريض بكل اخلاص وبعد عودتنا من رحلة العلاج سمعت زوجة ابني أن زوجها قد عرف زميلة في العمل وتوثقت علاقته بها وبدأ يخرج ويمضي معها أوقاتا طويلة كل يوم فاستشاطت غضبا , وواجهته أمامي بما عرفت فلم ينكره وبرره بأنه قد رجاها طويلا أن تعطيه حقه من حياتها وتهتم به وببيته فكانت تتهمه بالنذالة والأنانية وضعف الاحساس بالواجب تجاه أبيه .. وتصاعد الموقف بينهما بعد ذلك فضاق ابني بكل شئ وقال لها في ثورة غضب أن زميلته أفضل منها وأنه يجد لديها كل مالا يجده عندها فأصرت على الطلاق وفشلت كل جهودي في اقناعها بالعدول عنه فوافقت على ذلك مرغمة على أمل أن تهدأ نفسها بعد فترة وترجع المياه لمجاريها بينهما رعاية لحق هذين الطفلين , وتم الطلاق فلم يتغير شئ في علاقتي بها بل ظلت تلازمني وترافقني في بيتي وفي كل مكان وتستشيرني في كل أمورها وظللت أنا ألبي كل رغباتها المادية بلا تردد رغم احتجاج ابني وكثير من الأهل على ذلك بدعوة أنني أساعدها بهذا على تحمل الانفصال بغير معاناة أو أي نقصان في حياتها أو مطالب أولادها , وقد طلبت بعد مغادرتها بيت الزوجية شراء شقة لها ولطفليها فاشتريت لها من مالي شقة , وطلبت سيارة فاشتريتها لها أيضا , ثم فاتحتها في العودة لابني فرفضت , وضغطت على ابني فاعتذر لها عن كل شئ وأكد لها أنه يحبها ولا يتمنى أحدا في الدنيا سواها .. بل وركع على ركبته أمامها ثلاث ساعات يرجوها ويتوسل إليها أن ترجع إليه فرفضت أيضا وتحمل اهانات أحد أقاربها له إكراما لي ولم يردها عليه ومع كل ذلك رفضت زوجته العودة إليه إلا بشروط كشراء شقة مماثلة لشقتهما الحالية ولكن بجوار بيت أسرتها وتسجيلها بإسم طفليها .. ورفض ابني هذا الشرط رفضا باتا لأن وجودها بجوار أسرتها يعني كما يقول استمرار تنقلها بين بيت أسرتها وبيتي دون التوقف إلا قليلا في بيت الزوجية !
ومضت الأيام والأسابيع وأنا أنصحها وأرجوها وهي ترفض وتلازمني باستمرار حتى قال البعض أنني أدللها أكثر مما دللت أبنائي في صغرهم لذلك أنا أعترف لك بأنني أحب هذه الفتاة فعلا حبا آسرا وقد أصبحت جزءا لا يتجزأ من حياتي ولا أريد أن يفقدها إبني للأبد لكنها عنيدة وتتمادى في عنادها وتبدو منصرفة عن ابني لكنها في نفس الوقت تتابع أخباره باهتمام شديد وتستشيط غضبا كلما سمعت أنه التقى بزميلته مرة أخرى وأهم مبرراتها لرفضها العودة إليه أنه أهانها حين فضل عليها زميلته التي لا ترقى لمستواها وأنا حائرة بين الاثنين وأشفق على الطفلين من أن يتمزقا بين أبويها , لأن الوضع إذا استمر على ما هو عليه فسوف يتزوج ابني إن عاجلا أو آجلا .. وسوف تتزوج هي أيضا في يوم قريب أو بعيد وسيدفع هذان الطفلان الثمن وقد مضى عام طويل ومازال الوضع كما هو عليه , وهي تقرأ لك وتتأثر بآرائك وأنت تكتب دائما مذكرا الآباء والأمهات بحق أطفالهم عليهم في التجاوز عن الخلافات لصالحهم .. فهل تكتب لها وتناشدها العودة لابني بعد أن فشلت محاولاته ومحاولاتي معها ؟
ولــكـــاتـــبة هـــذه الـــرســـالـــة أقــــول:
الأخطاء في هذه القصة يا سيدتي كثيرة حتى لقد ذكرتني بالمسرحية العالمية الشهيرة "ملهاة الأخطاء" مع أن الأمر كله في حقيقته مأساة سيدفع الأطفال الأبرياء ثمنها في النهاية ومع كل تقديري لأصالة زوجه ابنك وموقفها النبيل منك ومن زوجك في محنة مرضه شفاه الله منها وعافاه , إلا أنه حتى المبالغة في أداء واجب إنساني على حساب كل الواجبات الأخرى تخرج به من دائرة العمل النبيل المطلوب إلى دائرة الشطط والافتتات على حقوق الآخرين , ويبدو أن زوجة ابنك قد تخطت هذا الخيط الرفيع بين الاعتدال والشطط بملازمتها لك وانصرافها كلية عن زوجها وبيتها لمرافقتك في كل مكان واللحاق بك حيث تكونين , كما أنها تبدو دائما موزعه بين واجبات إنسانية وعائلية عديدة كواجبات تجاه أسرتها وواجبها تجاهك دون الالتفات إلى الوفاء بالواجب الأساسي لها بعد زوجها وهو أن تلازم زوجها وتقيم حيث يقيم وترعى شئونه الخاصة وشئون أسرته الصغيرة وتلبي احتياجاته الإنسانية والعاطفية منها ثم تؤدي بعد ذلك ما يمليه عليها ضميرها من واجبات إنسانية أخرى .. أما الانصراف كلية عن بيتها إلى أداء واجب عائلي أو إنساني فإنه يكون أمرا مشكورا حين يرتبط بظرف طارئ مؤقت وليس وضعا دائما ومستمرا كما هو الحال معه .. ولقد أخطأ ابنك بغير شك بالتورط في تلك العلاقة مع زميلته، لكن مسئولية زوجته عن خطئه هذا لا تقل إن لم تزد عن مسئوليته هو عنه بإنصرافها عنه .. وتركها الساحة خالية لمن يريد أن يغزوها ويستغل ضعفه البشري وافتقاده لاحتياجات كثيرة .. ولو أنصفت زوجته التي اعتبرت خيانته لها اهانة لا تغتفر ولا يكفي الطلاق لمدة عام للتكفير عنها للامت نفسها هي عن هذه الخيانة أكثر مما تلوم غيرها لأنها قد مهدت لها كل السبل والظروف المواتية ولما تمسكت بعنادها وكبريائها وهو يعترف بخطئه ويعتذر عنه ويركع أمامها على قدميه طالبا الصفح وعودتها إلى بيتها وطفليها دون جدوى ! إذ من هو الأناني حقا في مثل هذا الموقف وهي التي اتهمت زوجها بالأنانية حين لامها عن انصرافها عنه لملازمتك والاقامة في بيتك أليس هو من يرضى لطفليه الصغيرين بالتمزق والمعاناة والحرمان من أبيهما إرضاء لعناده وكبريائه واعتباراته الشخصية وحده دون أى اعتبار لصالح الأبناء وسعادتهم .
لقد أخطأ ابنك يا سيدتي لكنه اعتذر عن خطئه ورجع عنه وأخطأت زوجته كثيرا باجترائها على زوجها واشعارها له بالفشل وتفاهة الشأن مع أنه شاب ناجح وعدوانيتها معه ومازال في بداية حياته ولم يتسع له العمر بعد حتى يحقق لها طموحها المادي في الحياة كما أنه في وضع تحلم به زوجات أخريات عديدات واخطأت أكثر بانصرافها عنه وعن بيته وبعدم اشعارها له بأنه المسئول الأول عنها وعن كل شئونها , وأخطأت ثالثا حين بالغت في رد فعلها تجاه خطئه إذ بدلا من أن تصحح أخطاءها وتعيده إلى عشها بأقل العطاء العاطفي والانساني له طلبت الطلاق وأصرت عليه ورفضت العودة له , ونفذت فيه حكمها على طفليها بالحرمان من أبيهما ومن مناخ الأسرة الأمين منذ عام أو أكثر فماذا تريد لكي ترضى وتشتفي وتحس بأنها قد "عاقبته" العقاب الكافي ؟ هل تريد منا أن ننفذ فيه قانون "حمورابي" بفق عينه كما كان هذا القانون البابلي القديم الذي يقضي بمعاقبة السارق ؟ إنني اتهمها هي بالأنانية والطيش والمغالاه في تقدير الذات وبعدم العدل مع طفليها ارضاء لعنادها وكبريائها .
ولقد تحدثت طويلا عن أخطاء ابنك وزوجته ولم اتحدث بعد عن أخطائك أنت يا سيدتي ولابد احقاقا للحق من أن أشير إليها أيضا , فلقد أخطأت أنت في البداية حين سمحت لنفسك باهانة ابنك أمام زوجته مرارا وتكرارا وتدمير شخصيته معها .. مما ساعدها على الاستمرار في جرأتها عليه وعدوانيتها معه التي دفعته إلى الاعتداء عليها وهو خطأ آخر جرته سلسلة الأخطاء المتوالية في هذه القصة .. كما أخطأت أيضا بالانحياز الدائم لزوجته ضده واستئثارك بها دونه .. واستجابتك السريعة المذهلة لكل مطالبها المادية مهما كانت مغالية فيها وقد اشعره ذلك بأن حياة زوجته وأسرته الصغيرة تدور دائما حول محور آخر غير محوره , والرجل يا سيدتي يريد دائما أن يشعر بأنه محور حياة زوجته وأسرته وليس أي شخص آخر مهما كان عزيزا عليه .. ونحن نحلم دائما بعلاقات مثالية بين زوجة الابن وأمه وأسرته لكننا نريدها أيضا في اطار العدل الذي يحفظ لكل طرف حقه وينتصف للمظلوم من الظالم بغض النظر عن شخصه وصلة الدم به .. أما الانحياز الكامل لزوجة الابن ضده .. وتدليلها والاستجابة لكل مطالبها قبل الطلاق وبعده بلا أي تردد وضد رغبة الابن نفسه أو دون مشورته وموافقته فهذا نوع آخر من الشطط الذي يخرج بالفعل الصحيح من دائرة الصواب إلى دائرة الخطأ وإني لأقدر لك مشاعرك الانسانية تجاه زوجة ابنك وعرفانك لها لموقفها الكريم منك في محنة مرض زوجك , ولكن الاعتدال والوسطية في كل شئ حتى في "المحاسن" أقرب إلى الحق والصواب وأدعى لاتباع العدل وعدم الافتئات على حقوق أحد وقد تنبه لهذا المعنى العميق أعرابي بسيط منذ أكثر من 1400 سنة حين مدح الرسول صلوات الله وسلامه عليه فقال له :
يا "أوسط" الناس طرأ في محاسنه
وأكرم الناس أما برة .. وأبا
ولم يقل له يا أفضل الناس في محاسنه أو أكثرهم مغالاة فيها.
فحاولي يا سيدتي أن تعدلي في قلبك بين ابنك وزوجتك , لعلها المرة الأولى التي أناشد فيها أما أن تكون أكثر اعتدالا في حبها وضعفها الانساني مع زوجة ابنها لكن الحياة لم تدع لنا مجالا لأن نتعجب لشئ بعد كل ما نراه ونلمسه من غرائبها وساعدي ابنك على استعادة زوجته وطفليه وأسرته بعدم المغالاة في الاستجابة لكل مطالبها , لكي تحس بوطأة المسئولية النفسية عن طفلين صغيرين وباحتياجهما للأب الذي يشاركها هذه المسئولية ويحمي أسرته الصغيرة ويحميها هي شخصيا من غوائل الحياة .. إذ كيف ستشعر بحاجتها النفسية والاجتماعية إلى حماية الزوج والأب وأنت تسبغين عليها من حمايتك ما لا يدع لها مجالا لأن تفتقد شيئا أو تحس بنقص أي شئ في حياتها بعد الانفصال.
لقد كان الحب وحده كفيلا بإعادتها إلى عشها بعد فترة الغضب والثأر للكرامة الطبيعية , لكني لم أتحدث عنه في هذه القصة لأني لا أعرف الكثير عن دوره في علاقة هذه السيدة الشابة بزوجها لهذا فإني سأكتفي بالحديث عن دورك أنت وكيف تستطيعين أن تساهمي به في رأب هذا الصدع كما أني لن أطالب هذه السيدة الشابة بأن تعود إلى زوجها وإنما سأطالبها فقط بأن تستمع بقلب الأم إلى نداء طفلين من صالحهما أن ينشأ نشأة سوية بين أبوين طبيعين وليس من أبوين أحدهما بديل , وأن تضع سعادتهما ومسئوليتها التي ستسأل عنها أمام الله في حسابها فإن لم تستمع لهذا النداء الذي لا يجد صداه غالبا إلا لدى أصحاب النفوس والقلوب الحكيمة .. فليس من حقها بعد ذلك أن تتهم أحدا بالأنانية .. ولا بالغرور ولا العناد الأعمى أو قصر النظر .. وشكرا .
نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" نوفمبر 1993
كتابة النص من مصدره / بسنت محمود
راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي

برجاء عدم النسخ احتراما لمجهود فريق العمل في المدونة وكل من ينسخ يعرض صفحته للحذف بموجب حقوق النشر