الطريق الثالث .. رسالة من بريد الجمعة عام 1993
أنا سيدة في الثالثة والثلاثين
من عمري تزوجت منذ 9 سنوات من شاب موظف بإحدى الشركات الكبيرة زواجا تقليديا بغير
حب سابق ومع ذلك فقد أحببت زوجي سريعا وأحببت حياتي معه رغم صعوبتها وضيق رزقنا في
البداية , وبالرغم من أني قبل زواجي كنت أعيش حياة سهلة بلا متاعب مادية .. فلقد
عشت معه بعد زواجنا في شقة صغيرة من حجرتين بحي شعبي وسعدت بحياتي وأنجبنا ثلاث
فتيات كبراهن في الثامنة من عمرها الآن وتفانيت في خدمة الجميع وارضائهم.
ثم شيئا فشيئا بدأت صعوبات
البداية تزول وبدأ دخلنا يتزايد ورزقنا يتسع وترك زوجي الوظيفة وأصبح له عمل خاص
ومكتب يديره .. وانتقلنا من الشقة الضيقة بالحى الشعبي إلى شقة أوسع وأفخم زودناها
بأحدث الأجهزة .. وغيرنا السيارة القديمة بسيارة جديدة وأصبح لنا رصيد في البنك ..
ونعمنا بالحياة السعيدة الهادئة وغمرني زوجي أنا وبناتي بحبه وحنانه ونجحت أعمال
المكتب .. وعملت مع زوجي فتاة في السابعة والعشرين من عمرها كسكرتيرة له، فحكت
لزوجي عن أمها غير المصرية التي تعيش بإحدى الدول العربية وتملك كما تقول 70 مليون
دولار وتقضي شهورا هنا وشهورا هناك وتريد أن تبدأ نشاطا تجاريا في مصر, وسوف ترشحه
لأمها ليكون وكيلا لأعمالها ويتشاركا معا في مشروع جديد, وروي لي زوجي هذه القصة
فلم أقتنع بها ولفت نظره إلى التناقض الواضح بين ثراء الأم المزعوم وبين عمل ابنتها
كموظفة صغيرة في مكتب متواضع, ففسره بأن الفتاة إنما تعمل لشغل وقت فراغها فقط ولم
أتوقف عند هذه الحكاية طويلا لكن زوجي بدأ منذ ذلك الحين يبالغ في مجاملة هذه
الفتاة بتوصيلها بسيارته مرتين كل يوم في الظهيرة وفي المساء بعد انتهاء مواعيد
المكتب, كما أصبح دائم الحديث معها ومع والدتها التي تتكلم بالتليفون مكالمات
طويلة بالساعات من الدولة العربية التي تقيم فيها, ثم بدأ يزور هذه الفتاة في
بيتها ويلتقي بأبيها واخواتها وزوجة أبيها وهي غير أمها, ثم أصبحت ثلاجة المكتب
مملوءة دائما بالطعام والفاكهة, وجاءت الفتاة بجهاز فيديو لمشاهدة الأفلام الجديدة
مع زوجي في أوقات الفراغ من العمل بعد أن كان يشاهدها معي ومع بناته وكلما أظهرت
غضبي من تطور العلاقة بينهما على هذا النحو وانفعلت قال لي زوجي أن كل هذه
المجاملات لمصلحتي ومصلحة أولادي لأنه حين يصبح وكيل أعمال هذه السيدة سيتحول إلى
مليونير ويصبح رجلا من رجال المجتمع ! وأنه يهدف بهذه المجاملات إلى نيل ثقة الأم
وأنه في النهاية لا يمكن أن ينظر إلى هذه الفتاة إلا كموظفة أو عميلة عنده خاصة
وأنها لا تتمتع بأي جمال وتعتبره "أبا" لها ومعقود قرانها على شاب
وستتزوج آخر الشهر ! وأنني بموقفي هذا اعترض طريقه إلى النجاح وتحقيق طموحه! ولأني
لم أجد سببا منطقيا لأن تعتبر هذه الفتاة زوجي "أبا" لها وفارق العمر بينهما
ليس كبيرا وأبوها والحمد لله على قيد الحياة وفي متناول يدها فإني لم أقتنع بهذه
المبررات وقلت لزوجي أنني لا أطمع في أكثر مما أعطانا الله ورزقنا به, وإن كل ما أطمع
فيه هو السعادة وراحة البال, وأن يعود لرعاية أسرته كما كان يفعل من قبل.
ولم يرجع زوجي إلى سابق عهده واستمرت المعاناة
والقلق والشك حتى تحولت حياتنا إلى شجار دائم ونكد مستمر وحين شعرت بأن قدرتي على
التحمل قد انهارت نهائيا فاجأني زوجي بأنه متزوج من هذه الأم الثرية ! وأنه قد فعل
"كل هذا" لمصلحتي ومصلحة بناتي وأن واجبي أن أتقبل هذه الزيجة بصدر رحب بل
وأشجعه عليها أيضا من أجل مصلحتنا .. ونزل الخبر على رأسي كالصاعقة وانفجرت في
البكاء والهذيان وأنا أسترجع شريط حياتنا معا وأتذكر كيف كان زوجي يحيطنا بحبه
وحنانه .. وكيف كان يعترف لي كل يوم بأنني كنت قدم الخير على حياته فتغلبنا على
الصعوبات وخرجنا من الضيق إلى سعة الرزق وسعدنا بكل خطوة صغيرة حققناها على الطريق.
ورغم معاناتي الشديدة فقد جلست
إليه 4 أيام متصلة لا أفارقه ولا أسمح له بمفارقتي وأحاول إقناعه بالعدول عن هذه
الزيجة والبعد عن هذه الأسرة التي لم نجن من ورائها سوى الخراب والدمار والكذب ..
فلم يتراجع ولم يعدل عما فعل واضطررت لأن أشرك أهلي وأهله معي لأول مرة في المشكلة
.. ففشلوا في ارجاعه عما أراد, ولم أجد مفرا من أن أهجر بيتي واصطحب معي بناتي إلى
بيت أبي, على أمل أن يفيق زوجي إلى نفسه ويعود إلى ما كان عليه لكنه بدلا من أن
يفعل ذلك فوجئت به يطلب مني بطريقة جافة وباردة أن أعود مع بناتي إلى البيت بشرط
أن أقبل الأمر الواقع وألا أتحدث إليه عنه بعد ذلك أبدا وأن أرضى بأن يعيش معي
يوما ومعها يوما آخر لأنه كما قال لي سامحه الله خير لي أن أقبل بنصف زوج من ألا
يكون لي زوج على الإطلاق لكني لا أستطيع أن أتقبل حياة كهذه مع الرجل الذي وقفت
إلى جواره طويلا وكنت اعتبره "الابن" الذي لم يرزقني به الله على بناتي
والأب والأخ والزوج.
وواصل زوجي طريقه الجديد في
الحياة وانشغل به عني وعن بناته اللاتي لم يعد يسأل عنهن حتى بالتليفون أو يقضي
معهن يوم الإجازة وصغراهن لا يزيد عمرها على ستة شهور وبدأ يهمل عمله على أمل أنه
سوف يصبح مليونيرا ولن يحتاج إلى شئ وأصبح كل هدفه في الحياة هو أن ينال رضاء هذه
الفتاة وأمها اللتين والله شهيد على ما أقول لا أعرف على وجه التحديد من منهما
التي تزوجها زوجي .. هل هي الأم أو الفتاة ؟! كما لا أعرف أيضا أين هي هذه
"الملايين" التي باعني زوجي وباع حياتنا الهادئة السعيدة من أجلها ..
وهو الذي لم ير من "وراء هؤلاء الناس" حتى الآن سوى الخراب والدمار ..
ولم ير مشروعات تبدأ .. ولا ملايين أو حتى ألوفا تحول لتمويل النشاط الجديد رغم
مرو عام طويل على هذه القصة !
إنني أرجوك يا سيدي أن تنصحني
وتنصح زوجي الذي طالما قرأ لك معي وأقتنع بكثير من آرائك وتناقشنا فيها ولم يخطر
لي ببال أنه سوف يجي اليوم الذي أطلب فيه نصحك في مشكلتي معه.
إنني أسأل هل من العدل أن
يبعيني زوجي ويبيع أسرته الصغيرة ويفضل علي سيدة أخرى حتى ولو كانت صاحبة ملايين
من أجل المال ؟ وهل يمكن حتى لو رضيت بما يعرضه علي زوجي أن يعيد إلي المال حياتي
التي تتسرب من بين يدي وسعادتي السابقة وراحة بالي التي فقدتها وسعادة بناتي ؟
وهل يعوض المال ثلاث بنات
صغيرات عن رعاية أبيهن وحبه لهن ووجوده بينهن وحمايته لهن ؟
جميع الحقوق محفوظة لمدونة
"من الأدب الإنساني لعبد الوهاب مطاوع"
abdelwahabmetawe.blogspot.com
ولـكـــاتـــبة
هـــذه الـــرســـالـــة أقــــول:
يجد الإنسان دائما
"مبررا" لأفعاله وأخطائه لكن "المبرر" الذي اختاره زوجك ليبرر
به خيانة عهده لك .. هو أسوأ المبررات على الإطلاق وأكثرها استحقاقا للازدراء ..
ذلك أن أحقر أسباب الزواج هو الرغبة في النفع أو المصلحة .. والزواج النفعي رهين
دائما بالغرض منه غير أن تجارب الحياة تنبئنا بأن معظم من طلبوه قد خسروا سعادتهم
الحقيقية وباءوا بالخسران المبين ولم يجنوا من ورائه حتى القليل.
وليس جديدا أن نقول أن المال قد
يستطيع أن يشتري كل شئ في الحياة ماعدا بعض الأشياء الجوهرية التي لا تباع ولا
تشترى وفي مقدمتها الصحة والسعادة والحب الصادق .. وراحة القلب.
لهذا فأنا معك يا سيدتي في رفضك القبول بما
يحاول زوجك أن يبرر لك به طموحك المادي .. وخيانته لعهدك , بأنه إنما يفعل
"ذلك " لمصلحتك ومصلحة بناتك ! فالحق أن صالحك الحقيقي وصالح بناتك هو
في أن يخلو لك ولهن وجه زوجك وأن يطوي جناحه عليهن وعليك في حياتكما الهادئة
الراضية كما كنتم في أيامكم السعيدة، وفي أن يرضى بما حقق ويشكر ربه عليه كثيرا
ويسعى للاستزادة منه بالعمل الشريف والكفاح الطويل وليس بالصيد والقنص .. والجري
وراء السراب في صحراء الطمع.
والزوجة التي تواجه ما تواجهينه
ليس من طريق ينبغي لها أن تسلكه سوى طريقين :
الأول - هو أن ترفض القبول
بالأمر الواقع الذي يريد زوجها أن يفرضه عليها .. وتطلب حقها الشرعي في الانفصال
عنه .. وهو حق يكفله لها الشرع والقانون إن لم ترض بحياة نصف الزوجة, لكنها في هذه
الحالة إنما تغلب اعتبارات سعادتها الشخصية وكرامتها على اعتبارات مصلحة الأبناء
في استمرار الحياة الزوجية بين أبويهم مهما اعترض طريقهما من صعوبات.
فإذا ما اختارت الزوجة هذا
الطريق فإنه من الأفضل أن يتم الانفصال بهدوء واحسان وبلا مشاكل حادة ولا مرارات
غائرة تحرم الأبناء من الحد الأدنى من الأمان الذي ينبغي أن يتوافر لهم بعد انفصال
الأبوين .. وبلا نزاعات ضارية تعرقل استمرار الأب في الاقتراب من أبنائه, سواء
تجددت الحياة بين الزوجين المنفصلين ذات يوم .. أم مضي كل منهما في طريق مختلف
للنهاية.
والطريق الثاني - هو أن تسلم
الزوجة بالأمر الواقع وإن أنكرته في أعماقها طلبا لمصلحة الأبناء ورعاية لعوامل
عديدة أخرى من أهمها حق هذه الزوجة في ألا تفرط بهذا اليسر فيمن اختلطت حياتها
وذكرياتها وآمالها بحياته وذكرياته طوال رحلة العمر وعلى أمل أن تدع للزمن وهو
المعلم الأكبر فرصته لتصحيح الأخطاء .. وإزالة الغشاوة عن العيون الغائمة ليعرف
الشارد ذات يوم قريب أين كانت سعادة القلب الحقيقية .. ومن كان الأحق بالصحبة
المخلصة والوفاء.
وفي هذه الحالة فإنه ينبغي أن
تمضي الحياة بلا صراعات يومية ولا محاولات خفية للانتقام من الطرف الآخر أو ارغامة
بالنكد المستمر .. والشقاق الدائم على التخلص من تجربته الأخرى لأن إزالة الغشاوة
عن العين لا تتحقق بمحاولة خمش هذه العين بالأظافر .. وإنما بالتأثير الهادئ
الطويل للعشرة الطيبة التي تراعي حقوق حتى من لم يرع الحقوق, وتحرك الإحساس بالذنب
تجاه الزوجة في قلب الزوج واشفاقه مما جنى عليها فيتفاعل كل ذلك مع ما تكشف عنه
تجربته الأخرى .. ويعينه في النهاية على تصحيح أخطائه , والعودة لسابق عهده.
أما رفض القبول بالأمر الواقع
.. ورفض الانفصال أو العجز عنه في نفس الوقت ومع اصرار الزوجة بدأب يومي لا يعرف
اليأس أو الكلل على ارغام زوجها على التخلص من الزيجة الأخرى بتحويل حياته إلى
جحيم دائم .. وشجار متصل .. وصراعات يومية, مع محاولة استنزافه وارهاقه ماديا
توهما بأن ذلك سوف يصعب عليه الاحتفاظ بحياته الجديدة فلا طائل من ورائه إلا فساد
الحياة .. ومعاناة الزوجين والأبناء وتحول العش الذي كان هادئا وسعيدا إلى بوتقة
تغلي باللهب السائل كل يوم بلا عائد ولا نتيجة إلا انهيار الزوجة صحيا ونفسيا
وعصبيا وتضاعف خسائرها بالقياس لخسائر الزوج لسبب بسيط هو أن الزوج يجد في النهاية
"واحة" أخرى يفر إليها من جحيم معاناته مع زوجته الأولى ويتنسم فيها
نسيم الحب والعطف والاشفاق .. وسواء أكان ما يجده فيها صادقا أو مزيفا فإنه يمثل
له نوعا من التعوض لا تتمتع به زوجته الأولى .. ولا تستطعيه فيتواصل نزيفها الصحي
بلا توقف في حين تلتئم جراح الزوج بمجرد مغادرته لأرض المعركة، فضلا عما يتيحه له
ذلك من عقد مقارنة دائمة بين معاناته مع زوجته الأولى .. وسلامه مع الأخرى فيدفعه
ذلك غالبا إلى التمسك بحياته الجديدة بدعوى أنه من العبث أن يضحي بما يجده فيها من
تعويض بعد أن عانى كل ما عانى في سبيل الاحتفاظ بها .. أو من باب العناد في بعض
الأحيان .. وقد يؤدي ذلك كله في النهاية إلى دفعة في طريق اللاعودة والاستجابة
للتأثير الناعم الهادئ المتصل للزوجة
الأخرى .. فيضحي بزوجته الأولى وينفصل عنها إلى الأبد.
لهذا فإن أول ما أنصحك به يا
سيدتي هو ألا تختاري هذا الطريق الثالث المضني .. وإذا قبلت نصيحتي فإني أرى لك أن
تعودي إلى بيتك أولا وأن توفري لبناتك الاستقرار فيه وأن تفكري في الأمر بروية ولا
تفرطي بسهولة في حقك في الاحتفاظ بهذا الزوج السادر في أوهامه واستعادته بأسلوب
الطريق الثاني ومنهجه وأن تعطي الصباح فرصته كما يقول المثل الانجليزي لكي يطلع
عليه بعد حين ويكشف له زيف أحلام الليل وأوهام الظلام .. ويعرف أن سعادته الحقيقية
إنما هي معك أنت ومع بناته وحدكن وفي الرضا بحياتكم والفخر بها .. وفي السعي
الشريف الدءوب للوصول إلى الثراء الذي يريده بالكفاح .. وبالرضا وبالشكر لمن وهبه
كل هذه النعم وأولاها الزوجة المحبة والأبناء وأسباب الحياة الكريمة وفي يده وحده
لا يد غيره أن يهبه المزيد والمزيد منها وأن يهبه أيضا الحكمة التي يميز بها بين
الأهداف النبيلة التي تستحق أن يسعى الإنسان إليها وبين الأهداف الزائفة التي لا
تستحق أن يخسر نفسه وسعادته وأسرته من أجلها ويدرك قيمة ما بين يديه .. وما ينبغي
أن يتمسك به ويدافع عنه .. ويعرف حقائق الحياة والوجود الكبرى وأولها أن الرزق
بيد الخالق وحده فيصبح كما قال القطب الصوفي أبو يزيد البساطمي :
"العارف
لا يكدره شئ .. ويصفو له كل شئ إن شاء الله".
كتابة النص من مصدره / بسنت
محمود
راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي

برجاء عدم النسخ احتراما لمجهود فريق العمل في المدونة وكل من ينسخ يعرض صفحته للحذف بموجب حقوق النشر