المعجزة .. رسالة من بريد الجمعة عام 1993
قرأت رسالة "الخوف"
التي كتبتها فتاة في الحادية والعشرين من عمرها تعاني من خوف دائم مازال يلازمها
في خيالها حتى الآن منذ اهتزاز جدران شقتها خلال زلزال أكتوبر الماضي, وقد دفعتني
رسالتها لأن أروي لها تجربة شخصية مررت بها أنا وزوجتي وابني لعلها تجد فيها ما
يفيدها.
فذات يوم ركبنا سيارتنا وتوجهنا إلى سوق الجملة
للخضر والفاكهة بالإسكندرية لنشتري حاجتنا منها توفيرا لفارق السعر, واشترينا بضعة
أقفاص لنا ولأبنائي المتزوجين وضعناها فوق سقف السيارة كما اعتدنا أن نفعل ثم
توقفنا بعد قليل في إشارة المرور وابني يقود السيارة فشاهدنا سيارتي نقل كبيرتين
محملتين بالأخشاب قادمتين من الاتجاه المقابل وكل منهما تحاول تجاوز الأخرى ,
فاحتكت إحداهما بالأخرى احتكاكا رهيبا نتجت عنه فرقعة خلعت قلوب المارة وأراد سائق أحداهما الابتعاد عن الأخرى , ففقد تحكمه
في عجلة القيادة واندفع بسيارته نحونا بسرعة رهيبة وأصبح اصطدامه بنا بل
و"فرمنا" تحت عجلات سيارته أمرا لا مهرب منه فصرخت زوجتي تحذر ابننا
الذي حاول الميل بالسيارة لتفادي الوحش المندفع إلينا لكنه لم تمض لحظة إلا وشعرنا
بصدمة هائلة ترجنا وبعجلات سيارة النقل العملاقة وقد اعتلت الجزء الخلفي من
السيارة وكادت تسويه بالأرض , ومن عجب أن ثلاثتنا وسبحان الله من إذا أراد شيئا
قال له كن فيكون إننا لم نصب جميعا إلا بخدوش بسيطة من أثر زجاج السيارة المتطاير
وتخلخلت فقط بعض أسناني الأمامية من أثر اصطدامي بجسم سيارتنا لعدم ارتدائي لحزام
الأمان .. وخرجنا من السيارة ونحن لا نصدق أننا أحياء فرأينا الوحش العملاق راكبا
فوق نصف سيارتنا الخلفي الذي تهشم تماما ورأينا سيارة النقل خالية من سائقها الذي
اختفى .. وجاء رجال الاسعاف فلم يجدوا بنا ما يستدعي نقلنا إلى المستشفى واكتفوا
بتطهير الخدوش البسيطة ووضع قطعة قطن عليها ! وهم يتعجبون .. وبعد أن استرددنا
أنفسنا توجهنا إلى قسم الشرطة القريب لعمل محضر بالحادث , فإذا بسائق سيارة النقل
موجود به يدلي بأقواله وما أن رآنا قادمين على الضابط المناوب حتى انتابته حالة
هياج شديدة وراح يصرخ ويهذي في حالة هستيرية ويهتف الله أكبر وهو يرانا نتحرك ونتكلم
.. وعرفنا سر حالته حين قال لنا الضابط أنه دخل عليه قبل قليل مندفعا ومسلما نفسه
للشرطة وهو يقول أنه قد "قتل" بسيارته ثلاثة أشخاص منذ لحظات لهذا تولته
هذه الحالة حين رآنا وليس بنا سوى خدوش بسيطة ! .. والحمد لله على كل حال فلقد
خرجنا من الحادث على خلاف كل التوقعات بغير اصابات جسيمة أو عاهات مستديمة , لكننا
خرجنا منه بعاهة نفسية لازمتنا بعض الوقت هي الخوف من أى سيارة قادمة من الاتجاه
المقابل ! أو عابرة إلى جوارنا فإذا كنت في الشارع أغمض عيني عند مرور أي سيارة بجواري
من الاتجاه المقابل , أما زوجتي فكانت إذا مرت بجوارها أية سيارة أمسكت في عصبية
شديدة بذراع الشخص الغريب الذي يتصادف وقوفه إلى جانبها في خوف شديد فيتعجب
ويسألها عما بها وتعتذر له بحالتها .
وقد لازمتنا هذه الحالة بعض
الوقت ثم تدريجيا تخلصنا من خوفنا من السيارات شيئا فشيئا .. وجرفتنا الأيام في
حركتها الدائمة كما قلت لهذه الفتاة في ردك عليها ونسينا الخوف والحادث وعاد
الاطمئنان لنفوسنا فتجرأنا وركبنا الطائرة لأداء العمرة بعد حين ثم لأداء الحج بعد
ذلك , وأريد أن أطمئن هذه الفتاة إلى أن حالة الخوف التي تعانيها الآن سوف تختفي
من مخيلتها بمرور الوقت دون الحاجة إلى علاج نفسي فلتطمئن .. وتثق في ربها وتواظب
على قراءة القرآن قبل النوم , وسوف تتخلص من مخاوفها قريبا إن شاء الله.
ولكـــاتـــب هــذه الـــرســالة أقـــول:
شكرا لرغبتك الكريمة في مساعدة
هذه القارئة الشابة على التخلص من هواجسها ومخاوفها .. فالحق أن هذه هي أهمية
تبادل الخبرات الإنسانية بين قراء هذا الباب وشكرا لله لنجاتكم من هذا الحادث الذي
أعاد تأكيد ما لا يحتاج إلى تأكيد وهو أنه "فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة
ولا يستقدمون" صدق الله العظيم .. أما إذا لم يجئ فحتى هذه
"الوحوش" الضارية لا تنال من الإنسان إلا خلخلة بعض أسنانه ولو كان يتبع
احتياطات الأمان لما نالت منه حتى ذلك فإذا كان الأمر كذلك ففيم الخوف إذن وكل شئ
رهين بأمره جل شأنه , وفيم المبالغة في التوجس والتخوف
ومن هاب أسباب المنايا ينلنه
ولو طال أسباب السماء بسلم
كما يقول الشاعر في معلقته
الشهيرة ..لقد كان هذا السائق شهما بحق فلم يتهرب من مسئوليته عن الحادث ولم ينكص
عن تحمل تبعاته , فقضى ربك أن يخفف عنه العقاب وأن تنجوا جميعا من الحادث فيقف
مبهورا أمام مشيئة ربه .. فأما عاهة الخوف فلقد تكفل بها الزمن الذي يشفى ببلسمه
الكثير من الجراح وأصبح الحادث المخيف ذكرى وبقيت التجربة لتضاف إلى خبرة الإنسان
بالحياة وينقلها إلى الآخرين ليستفيدوا بها فشكرا لك على رسالتك وعسى أن تستفيد
فتاة رسالة الخوف بتجربتك وتتخلص من هواجسها هي الأخرى بإذن الله.
كتابة النص من مصدره / بسنت
محمود
راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي

برجاء عدم النسخ احتراما لمجهود فريق العمل في المدونة وكل من ينسخ يعرض صفحته للحذف بموجب حقوق النشر