الخوف .. رسالة من بريد الجمعة عام 1993
إنني أعاني من صداع رهيب وخوف
دائم يرافقني في خيالي دائما خواطر الزلازل والاخطار واهتزاز الأرض ومناظر الانقاض
والجثث ولا أفكر في شئ أخر فقلبي ينتفض لأقل حركة أو اهتزاز في الأثاث أو الأرض
واتصوره دائما مقدمة للانهيار والموت والدمار, وخلال الليل يهرب مني النوم إلا
قليلا وإذا نمت أصحو فزعة على أي صوت أو اهتزاز عابر للفراش وأحس في هذه اللحظات
بأطرافي ترتجف وسخونة شديدة في وجهي وجسمي وبالصداع يقتاني .. إنني أصلي وأقرأ
القرآن كل ليلة وأدعو الله أن يخلصني من هذه الهواجس, لكن أمي تقول ل أن الخوف ضعف
في الإيمان مع أني مؤمنة بالله سبحانه وتعالى وأخاف ربي وأحاسب نفسي دائما واعتمد
على الله في كل شئ, والخوف مازال يلازمني دائما وأتوقع دائما حدوث زلزال آخر وأسأل
نفسي ماذا سأفعل حين يقع .. فهل سيقع زلزال آخر يا سيدي؟
وماذا أفعل لكي أتخلص من مخاوفي؟
لقد فكرت في استشارة طبيب نفسي لكن هذه الفكرة
غير مألوفة بالنسبة لأسرتي وحتى لو أردت ذلك فليس في مدينتي الصغيرة طبيب متخصص في
الأمراض النفسية فكيف أتخلص من تخيلاتي وأحلامي المزعجة وأنا ضعيفة في تركيب
شخصيتي وفي تحملى لأي مشكلة وفي ثقتي بنفسي وبالناس وبكل شئ وفي عدم قدرتي على
مجاراة كثير من مواقف الحياة المختلفة, وأبدو دائما صامتة وحزينة .
ولــكــاتـــبة
هــذه الــرســالــة أقـــول:
ما تظنين أنه حالك وحدك يعاني منه كثيرون غيرك بدرجات متفاوتة منذ وقوع كارثة الزلزال في 12 أكتوبر الماضي, وهذه هي الآثار النفسية بعيدة المدي التي تعقب الكوارث الطبيعية وتشكل ما يسمى بأعراض "كرب الكوارث" وهي حالة اكتئابية متوقعة ومفهومة تصنعها الخبرة السابقة المؤلمة التي تعرض لها الإنسان عند وقوع الكارثة فتفقده الاحساس بالأمان .. وتجعله أكثر استجابة للمخاوف والهواجس وتوقع الخطر والتوجس لأي مؤشر يجدد ذكرى خبرته المؤلمة السابقة, وهي أعراض مألوفة في أعقاب الكوارث وتتراجع تدريجيا كلما بعدت الذكرى إلى أن تختفي تماما .. فإن استمرت فترة زمنية غير طبيعية بالنسبة لأي إنسان فإن ذلك يستدعي بالفعل استشارة الطبيب النفسي والعلاج المنتظم بالعقاقير المطمئنة لإعادة الطمأنينة إلى قلب من يعاني منها .. وأكاد أتصور أنك قبل كارثة الزلزال كانت لك معاناتك النفسية في التكيف مع الحياة من حولك فضاعفت المحنة من متاعبك بما أضافته من مخاوف مرضية جديدة إلى حياتك .. لهذا فإني أنصحك بإلتماس العلاج النفسي دون تردد وهو أمر طبيعي في مثل ظروفك وليس فيه ما يستدعي الخجل منه أو تفاديه, وأستطيع مساعدتك فيه إذا رغبت في ذلك , وإلى أن تقرري لنفسك ما تشائين فإني أقول لك أن التسليم القلبي بأنه "لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون" يبدد بغير شك كثيرا من المخاوف التي لا طائل من ورائها إلا معاناتك لجحيم القلق والمرض .. أما سؤالك الخائف عن احتمال وقوع زلزال آخر, فإن العلماء المختصصين يؤكدون أن ما حدث في 12 أكتوبر الماضي لا تشهده بلادنا بنفس الشدة بإذن الله إلا كل عشرات السنين .. فقري عينا فلن يصيبك شر إن شاء الله وأنت تتحصنين ضد المخاوف بالإيمان بربك وبالإحتماء بمن يجبر ويحمي من يستجير به واستعيدي ثقتك في يومك وغدك وحياتك وبالناس, وعندها ستستطيعين مجاراة كل مواقف الحياة المختلفة وتتخلصين من صمتك وحزنك وابتسمي للحياة فلقد زالت الغمة والحمد لله .. وندعو الله ألا تتكرر مرة أخرى .. وأذكري ربك كثيرا في العشي والآصال فليطمئن قلبك "ألا بذكر الله تطمئن القلوب" .
رابط رسالة المعجزة تعقيبا على هذه الرسالة
نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" فبراير
1993
كتابة النص من مصدره / بسنت
محمود
راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي

برجاء عدم النسخ احتراما لمجهود فريق العمل في المدونة وكل من ينسخ يعرض صفحته للحذف بموجب حقوق النشر