الهواء .. رسالة من بريد الجمعة عام 1993
أنا شابة في السادسة والعشرين
من عمري أعمل بمهنة شريفة لها مكانتها العلمية ولكن ليست لها" مكانتها"
المادية , فأنا أعمل مدرسة بالمرحلة الأولى من التعليم الأساسي , وقد خطبت مرتين
وفشلت الخطبة في كل مرة بسبب "المادة" إذ كيف لمثلي أن تستطيع توفير
نصيبها من إمكانيات الزواج ومرتبي لا يزيد عن سبعين جنيها ولم أعط درسا خصوصيا
واحدا في حياتي , لأن المنطقة التي أعمل بها سكانها من محدودي الدخل ولا يعرفون
الدروس الخصوصية , كما أن الحوافز التي أتقاضاها عن عملي لا تزيد على ثلاثين جنيها
كل ثلاثة شهور , وأسرتي بسيطة الحال كثيرة الأفراد , وأبي بالمعاش وإخوتي مطالبهم
كثيرة ولا أستطيع أن أبخل عليهم بشئ "صغيرا" وإن كان"كبيرا"
بالنسبة لمرتبي.
وقد خطبت للمرة الثالثة بعد أن
تأكد خطيبي أن فشل الخطبتين السابقتين يرجع إلى النواحي المادية وحدها , وفكرت هذه
المرة في ألا أدع هذه الخطبة تتحطم أيضا لنفس السبب , فقررت أن أعمل عملا إضافيا
لأوفر مرتبي منه واشترك به في "جمعية" أسدد منها ثمن نصيبي من الجهاز
وهو متواضع جدا , وبحثت عن عمل فلم أجد سوى وظيفة بائعة في محل لبيع الأحذية ..
واخترت أن يكون بعيدا عن سكني ومدرستي , وتحملت عناء المواصلات حرصا على وضعي بين
تلميذاتي وتلاميذي , وتحملت كذلك عناء مواصلة العمل من الصباح الباكر حتى المساء ,
فأبدأ يومي في الصباح كمدرسة تشرح وتعلم التلاميذ ثم أصير من الظهر بائعة في محل
الأحذية , مع ما يتطلبه ذلك من وقوف وتركيز وصبر على الزبائن حتى المساء , ورغم
الإرهاق فقد سعدت بعملي الجديد وأصبحت أعد الأيام الباقية على أول الشهر لكي أقبض
أول مرتب لي منه , ومضت الأيام حتى لم يبق على أول الشهر سوى أيام قليلة .. فإذا
بتلميذه من تلميذاتي تدخل المحل مع أهلها لشراء حذاء وتحملق في طويلا بالرغم من
بعد المحل عن الحي الذي تقع به المدرسة .. وخجلت من الوضع طبعا لكني تجاهلتها ,
وذهبت في اليوم التالي للمدرسة وأنا أدعو الله أن تكون قد نسيت رؤيتها لي بالمحل
.. لكن هيهات .. فلقد تصرفت كطفلة في سنها ونشرت الخبر في المدرسة كلها
مثل"الهواء" الموجود في كل مكان .. ووصل الخبر إلى ناظرة المدرسة ,
فعاتبتني على ذلك بشدة لأنه يسئ لوضعي كمدرسة, وبحجة أنها مستعدة مع زملائي
لمساعدتي في الجهاز بدلا من هذه الإساءة والبهدلة أمام التلاميذ , فخجلت وتركت
العمل .. لكني أشفقت أيضا على نفسي لأن خطبتي الثالثة هذه هي فرصتي الأخيرة وإذا
فشلت هذه المرة أيضا فلن يكون لي أي أمل في الخطبة للمرة الرابعة أو الزواج ..
وأنا لا ذنب لي في ظروفي .. ولست أريد لنفسي ما تحضره الفتيات في مثل سني لأنفسهن
من الملابس الفاخرة والاكسسوارات الغالية .. وإنما أريد فقط أن أتزوج حتى أعصم
نفسي من الخطأ .. وقد فشلت الخطبتان السابقتان بسبب مماطلتي في احضار الجهاز لضيق
ذات اليد , وأخشى أن تتكرر المشكلة للمرة الثالثة فتكون القاضية على آخر أمل لي ..
فهل أستطيع يا سيدي أن أجد عن طريقك عملا إضافيا لا يسئ لوضعي في المدرسة ؟ أو هل
أستطيع أن أجد "بنكا" يقرضني ما احتاج إليه بضمان مرتبي لكي أتمكن من
تحقيق هذا الأمل الصعب ؟
جميع الحقوق محفوظة لمدونة
"من الأدب الإنساني لعبد الوهاب مطاوع"
abdelwahabmetawe.blogspot.com
ولــكـــاتــبة
هــذه الـــرســالــة أقـــول:
لابد أن هناك وسيلة ما تمنكك من
تحقيق هذا الأمل بغير إساءة إلى وضعك كمدرسة تعلم الأجيال , وبغير حرمانك أيضا من
حقك المشروع في الحياة , فالحق أن أبشع الأسباب التي يمكن أن تحرم فتاة مثلك من
فرصتها في الزواج هو عجزها عن أن تفي بنصيبها من الجهاز البسيط الذي تتحمل
مسئوليته في مشروع الارتباط ولأنك كغيرك من الشباب لست بمسئولة عن ظروفك
الاجتماعية هذه فليس من العدل أن يقف هذا السبب حائلا بينك وبين السعادة للمرة
الثالثة , فاتصلي بي مساء الاثنين القادم لنرى معا ماذا سيقضي به الله في أمرك ,
ويبقى بعد ذلك سؤال يشغلني هو : ألم يئن الأوان بعد للتوسع في قروض بنك ناصر
الاجتماعي والتوسع في إنشاء البنوك الاجتماعية لتقدم قروضا تتناسب مع ظروف العصر
ونسبة التضخم للموظفين والأفراد وبكل ضمان ممكن .. فنعين بذلك الشباب على حل معضلة
الزواج والمسكن ونحميهم من الانحراف والتطرف ونحمي مجتمعهم من الانفجار ؟
إنه سؤال يلح علي كثيرا كلما
تعاملت مع إنسان لا يحتاج لحل مشكلة حياته الأساسية إلا لقرض "تافه" في
عرف البنوك ضخم بالنسبة له , ويستطيع سداده إن حصل عليه على 3 أو 5 سنوات .. لكن
هيهات أن يجد البنك الذي يقرضه مثل هذا القرض .. إلا إذا قدم له ضمانا لو توافر له
من البداية لما احتاج للقرض , ولسنا نعترض على ذلك , فلكل نظام ضروراته , لكننا
نتساءل فقط أليس هناك من حل يتعامل مع المشكلة بنظرة اجتماعية جديدة لا تتعارض مع
الاعتبارات المصرفية .. وإنما تطوعها قليلا للمشاركة في حل مشاكل حياة مئات الألوف
من الشباب ومشاكل المجتمع ؟
نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" يناير
1993
كتابة النص من مصدره / بسنت
محمود
راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي


برجاء عدم النسخ احتراما لمجهود فريق العمل في المدونة وكل من ينسخ يعرض صفحته للحذف بموجب حقوق النشر