يوم الاختبار .. رسالة من بريد الجمعة عام 1992

 

يوم الاختبار .. رسالة من بريد الجمعة عام 1992


يوم الاختبار .. رسالة من بريد الجمعة عام 1992

لست أكتب لك هذه الرسالة لأشكو لك من غدر زوج أو صعوبة حياة  أو كثرة أولاد .. لكني أكتبها لك لكي تستريح نفسي وتهدأ قبل كل شئ .. فأنا سيدة في السادسة والثلاثين من عمري، تزوجت ممن أحببته وأحبني .. وزوجي وأنا من أسرتين عاديتين، الأب مكافح والأم سيدة فاضلة , وقد تزوجنا منذ عشر سنوات فحاولت دائما أن أكون زوجة مثالية ورزقنا الله بالأطفال وعرفنا متاعب الحياة وتحملناها بصبر وأمل .. ووسط كل ما مر بنا من أحداث ومشاكل كنت دائما الزوجة المبتسمة التي تحب زوجها وتحب كل من له به صلة ولو من بعيد، فقمت دائما بواجبي تجاه أهله بما يرضي ربي وزوجي عني, فزوجي هو أكبر اخوته ومسئول عن أمه وثلاثة من الإخوة في مراحل التعليم ومعاش والدته صغير , ولأني أؤمن بأن رضا زوجي من رضا ربي عني فإني أقتسم معهم دخلنا جميعا , وأحمل معه مسئولية إخوته بل وعائلته كلها , وأؤمن بأن التضحية لا تضيع هباء عند الناس ولا عند الله بالطبع، ولهذا فأنا محبوبة جدا من أهله والحمد لله , وليست بيننا مشاكل مادية .. ونحن نتقاسم الجوع قبل الشبع , وأنا وزوجي موظفان في شركة مرموقة ومرتباتنا معقولة لكن المسئولية كبيرة , ولهذا أقبض مرتبي كل شهر منذ تزوجت وأسلمه كاملا لزوجي تقديرا مني للمسئولية الكبيرة التي يحملها على عاتقة أعانه الله عليها .. وليست لي بعد ذلك سوى طلبات محدودة لا تتعدى الملابس البسيطة اللازمة في الصيف وفي الشتاء.

 

 وصدقني فإن المودة والرحمة والحب بيننا جميعا تعوضنا عن كل شئ ولا نستطيع تعويضها إن فقدناها بأي شئ .. ويكفي أن والدة زوجي تصر رغم أعبائها على أن تأتي إلى  بيتي كل صباح لترعى طفلتي الصغيرة خلال غيابي في عملي ولا تنصرف إلا عند عودتي في الخامسة مساء وتغادرنا وقد تركت لنا وجبة ساخنة من صنع يديها ومطبخا نظيفا .. أما إخوة زوجي قد اعتبرتهم أولادي وأحسست بأمومتي تجاههم قبل أن أرزق بالأطفال، وهكذا عشنا فى أمان وسلام جميعا إلى أن أعلنت شركتنا في منشور داخلي عن فتح باب التقدم للترشيح للعمل في فروعها بالخارج .. وقرأنا الشروط  فوجدناها تنطبق تماما على زوجي من شخصية قيادية إلى الالتزام بالمواعيد ودقة إلى اخلاص شديد للعمل .. واتقان للغة الأجنبية المطلوبة .. إلخ .

وتقدم للامتحان وترقبنا النتيجة في قلق وتوتر رغم ثقتنا في نجاحه بالمقارنة مع من تقدموا لنفس الاختبار .. وظهرت النتيجة فكانت صدمة كبيرة، فقد نجح من هم في منزلة تلاميذه في العمل ومن تعجبنا لافتقادهم الخبرة والكفاءة والشخصية القيادية وتخطاه هو الاختيار وكانت أزمة عابرة مررنا بها كلنا أنا وهو والأبناء وأمه واخوته , ثم نسيناها وشكرنا الله أن خرجنا منها أكثر ترابطا.

 ثم مرت شهور وتكررت نفس القصة .. منشور آخر، واختبار جديد وقلق في الأسرة الصغيرة والكبيرة ثم نجاح من هم أقل خبرة وأضعف شخصية وأصغر سنا , وسط دهشة الجميع وسألنا لماذا ؟ قالوا أن المعايير التي يجري على أساسها الاختيار تنطبق عليهم !

وتعجبنا وأعاننا إيماننا بالله على تخطي الأزمة بسلام بعد فترة إحباط وضيق قصيرة وعاد الحب والسعادة لحياتنا مرة أخرى .

ولم نكد نبرأ من آثار الأزمة .. حتى تكررت بنفس تفاصيلها للمرة الثالثة ! وفي هذه المرة تحدثنا إلى قيادات شركتنا لنعرف وجه الخطأ في زوجي حتى نصححه فكان الجواب أنه ممتاز, لكن الضغوط على الإدارة شديدة .. أو بمعنى صريح بسيط أن الواسطة هي الحل الوحيد .. وسلمنا أمرنا لله وبحثنا عن واسطة تيسر لنا الحصول على حقنا وليس اغتصاب حق أحد وراجعنا شجرة العائلتين من الجذور حتى الفروع البعيدة بحثا عن واسطة تصلح لأداء هذه المهمة فلم نجد للأسف أي أمل ! .. فلا واسطة لنا سوى الله سبحانه وتعالى وسلمنا إليه أمرنا .. وذكرت نفسي وزوجي بأن الله قد أنعم علينا بأكبر النعم فنحن بخير والأولاد في صحة جيدة وليس بيننا والحمد لله مدمن ولا خائن ولا مريض بمرض مزمن كما أن أجنحة الحب ترفرف علينا والعشرة الطيبة تجمعنا فماذا نريد من الدنيا أكثر من ذلك إلى أن يأتي حظنا في الاستقرار المادي .. وتقبل زوجي كل ذلك برضا .. لكن فجأة ومنذ فترة قصيرة فقد ابتسامته واختفت روحه المرحة وفقد الثقة في أشياء كثيرة .. وضاق صدره وأصبح يتصيد لي وللأولاد الأخطاء .. وصرخ لأول مرة في حياته في وجه أمه .

 

واستولت عليه حالة من الكآبة فأصبح يخرج ويعود دون حديث .. هل تعرف لماذا ؟ لقد أعلنوا في العمل عن اختبار آخر فتجدد الاحباط عنده ورفض أن يتقدم يائسا من العدل فقدمت له أنا طلبا بإسمه , وكلما اقترب يوم الاختبار تجددت مخاوفي وقلقي ليس على نتيجته ولكن على زوجي نفسه .. فإني أخاف ألا يحتمل هذه المرة أيضا مقاومته للنهاية . إنني أعيش الآن في رعب وأتساءل هل ضاعت سنوات السعادة بسبب طموح أسرة صغيرة كأسرتي لحياة أفضل .. إن زوجي يحق له هذا الطموح لأن الحياة كانت قاسية عليه منذ صغره والأعباء كبيرة والمرتبان والمعاش لا تكفي لأسرة من 9 أفراد تتزايد مطالبها كل يوم .. ومن "نجحوا" فى الاختبار وسافروا وعملوا فعلا كلهم بلا استثناء ليسوا فى حاجة إلى بدلات السفر أو مرتب الخارج .. وليس أعرف لمن أشكو .. وأخاف أن أذكر اسمي حتى لا نوضع أنا وزوجي في القائمة السوداء في شركتنا .. ولن يفصلونا بالطبع لكن للادارة دائما في أي موقع أفانين فى التكدير قد يهون الفصل أحيانا إلى جانبها ومع ذلك سأصارحك به .. و"خصيمك النبي يوم القيامة " .. إن لم تبحث معي عن واسطة لزوجي تعيد له حقه المسلوب وتعيده هو إلى ما كان عليه وتعيد سعادتنا إلينا , وليس لي شرط في هذه "الواسطة" سوى أن تعبر بزوجي إلى بر الأمان وله من الله حسن الجزاء ومنا هدية لا نقدر على غيرها وهي الدعاء له في كل صلاة  بالصحة والستر والسلام عليكم ورحمة الله !

 

ولــكـــاتـبة هــذه الـرسـالـة أقــول :

 

في بعض الأحيان أتذكر تلك القصة الأمريكية الخيالية التي تحكي أنه في بلد شيوعي زمان كان سكرتير عام الحزب يشك في أن رئيس الوزراء عميل للمخابرات الأمريكية، فيأمر بمراقبته فلا تسفر المراقبة عن شئ مريب ومضت سنوات ثم قرر رئيس الوزراء الاعتزال والسفر للاقامة في الخارج بصفة دائمة, فاستحلفه السكرتير العام بحق صداقتهما القديمة أن يصارحه بحقيقة الأمر واعدا أن يكتمه للأبد, فاعترف له رئيس الوزراء بأنه عمل لصالح المخابرات الأمريكية ضد بلاده طوال السنوات الماضية، وتعجب السكرتير العام لذلك وقال له لكننا راقبناك طويلا ولم نرصد أية صلات لك بها فأجابه الآخر في هدوء : لم أكن في حاجة للاتصال بهم .. فقد قابلتهم مرة واحدة في بداية الأمر .. ولم يطلبوا مني سوى شئ واحد .. هو أنه كلما خلا منصب جديد من شاغله عينت فيه أسوأ المرشحين له، وهكذا تتحقق أهدافهم بدون اتصالات أو تعليمات !

والكارثة يا سيدتي هي أن البعض قد يحقق أحيانا مغزى هذه القصة الخيالية بغير وعي منه بأبعادها .. فيحرم من يستحق ويمنح من لا يستحق ويختار العاجر ويدع القادر فيشيع الاحباط والمرارة في النفوس ويهيئ بذلك أفضل الأجواء لتحقيق أسوأ النتائج !

إنها قصة طويلة ليس هنا مجالها على أية حال .. لهذا فإني أنشر رسالتك أملا أن تسهم في حل مشكلتك .. ولست للأسف أملك لك أكثر من ذلك , وسواء أذن الله لزوجك بالفوز بما يريد أو تأخر عنه لجولة أخرى , فليس هكذا ينبغي أن يتعامل المرء مع مشاكل الحياة التي يصطدم بها فيستسلم للمرارة والاحباط والكآبة لمجرد أن خيرا اضافيا قد تخطاه , وحتى لو كان تخطاه إلى من لا يستحقه، وإنما على المرء أن يسعى بالطرق المشروعه لنيل ما يرى نفسه جديرا به بما في ذلك الشكوى ضد الظلم إذا تعرض له .. فإن تحقق له ما أراد سعد به وشكر ربه عليه , وإن تأخر عنه رضى عن أنه لم يقصر في سعيه لنيل ما أراده لنفسه وأدرك أن ما فاته لم يكن ليفوته لو كان مقدرا له .. وبالتالي فلا وجه للحزن عليه .. ثم واصل طريقه في الحياة بصبر وأمل راضيا عما أتيح له من أسباب للسعادة وداعيا ربه بتحقيق الآمال.

 هذا يا سيدتي ما ينبغي أن يفعله المرء في مثل موقفكم وفي كل المواقف المماثلة وما عدا ذلك فليس من الحكمة ولا من الصواب .

نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" مارس 1992

كتابة النص من مصدره / بسنت محمود

راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي 


Neveen Ali
Neveen Ali
كل ما تقدمه يعود إليك فاملأ كأسك اليوم بما تريد أن تشربه غداً
تعليقات