الفرصة الأخيرة .. رسالة من بريد الجمعة عام 1992

 

الفرصة الأخيرة .. رسالة من بريد الجمعة عام 1992


الفرصة الأخيرة .. رسالة من بريد الجمعة عام 1992

 

أنا سيدة من قراء بريدك الذي يحمل لنا ألوانا متباينة من المشاكل .. نشأت في أسرة متواضعة بين أب موظف وأم ربة بيت وأخ وحيد يصغرني كثيرا, ومنذ سبعة عشر عاما, حصلت على الثانوية العامة بمجموع يؤهلني للالتحاق بالجامعة وتلهفت على مواصلة تعليمي، فتقدم لي كثيرون من الشباب, وكان من بينهم أحد أقاربي، فشفعت له قرابته وأصر أبي على قبوله بالضغظ تارة والتهديد تارة أخرى , وكان أول شروط الزواج التفرغ للحياة الزوجية فسحبت ملف أوراقي من الكلية التي رشحت لها آسفة , واستقبلت حياتي الجديدة.

 وكانت حياتي الزوجية في البداية صعبة، فقد كان زوجي موظفا صغيرا وتكاليف الحياة في العاصمة كبيرة .. وتحملت ظروفي واستعنت بمساعدات بسيطة من أبي على مواصلة الحياة ومضت بنا الأيام , وكان أهل زوجي هم ميسورون ويعملون بالأعمال الحرة في إحدى المحافظات البعيدة عن القاهرة يلحون على زوجي في الانتقال إلى محافظتهم ومشاركتهم أعمالهم, ووافق زوجي على ذلك, واعترضت على الانتقال إلى هناك لكن اعتراضي لم يفد بشئ وتدخل أبي للضغط علي واضطررت للاستسلام وتركت مسكني بالقاهرة وانتقلت للحياة في المحافظة البعيدة, وهناك اتخذت حياتي الزوجية شكلا آخر حيث افتقدت استقلاليتها, فقد أصبحنا فصيلا من قبيلة كبيرة من أب وستة واخوة لا يستطيع أحدهم أن يفعل شيئا بدون إذن الأب المسيطر على الجميع .. ومضت سنوات وبدأت عجلة الحياة تدور والرخاء يظهر والمال يعرف طريقه إلى يد زوجي وبدأ أيضا القلق يتسرب إلى نفسه لعدم إنجابي, خاصة وأن اخوته جميعا آباء ولهم أبناء لا يقلون عن ثلاثة لكل منهم .. وطرقنا كل أبواب العلاج بلا جدوى , ولم نعرف سببا واضحا للاعاقة عنه , ورغم ذلك لم نيأس حرصا على ألا يكدر سعادتنا مكدر , ثم طرقنا منذ عام بابا جديدا هو برنامج L.V.F  لعلاج العقم وهو برنامج مكلف جدا .

ومنذ ذلك الحين بدأت معاملة زوجي لي تتغير ثم بعد فترة صارحني زوجي برغبته في الزواج من أخرى للانجاب ورفضت وتوسلت إليه أن يعطيني فرصتي الأخيرة لتحقيق حلمه في الإنجاب باستكمال البرنامج الذي بدأته والذي بدأت مؤشراته تحمل لي بوادر الأمل فى رحمة ربي.

ووافق على إعطائي هذه الفرصة الأخيرة وجئنا للقاهرة وتركني فيها لأبدأ آخر مراحل برنامج العلاج وعاد إلى المحافظة التي نقيم فيها لمتابعة عمله, وأقمت أنا مع أسرتي وبعد أيام من سفره بدأت اسمع همسا بين أسرته أنه قد تزوج ولم يمنحني فرصتي الأخيرة التي طلبتها منه واتصلت لأعاتبه فتهرب مني بكل الوسائل ولم أستطع مخاطبته , وبسبب تهربه مني وهروبه من المشكلة، تفاقمت الأمور وتطورت تطورا سيئا وعانيت آلاما نفسية كثيرة إلى جانب آلام العلاج , وخلال ذلك توجهت إلى زيارة المستشفى الذي أتابع معه تحليلاتي وعلاجي وعدت في الظهيرة إلى البيت فوجدت والد زوجي واثنين من اخوته ينتظراني .. وقبل أن أفتح فمي لإبلاغهم بما جئت به من المستشفى فوجئت بهم يبلغوني أنهم يحملون توكيلا من زوجي لطلاقي وأنهم سوف يصطحبونني إلى المأذون لاتمام الاجراءات الكئيبة !


 

ولــكــاتــبة هـــذه الـرسالة أقول :

 مغالاتنا فى الانزعاج مما حدث لنا ويتعلق تغييره بإرادة الغير وليس بإرادتنا نحن لا يغير من الأمر الواقع شيئا وإنما يضيف إلى خسائرنا خسائر إضافية تضاعف من معاناتنا بلا طائل . ومن حقك يا سيدتي أن تعجبي كما عجبت أنا لتصاريف القدر التي قضت بأن تختلط البشارة بتحقيق أمل الحمل لك مع النذير بانهيار البنيان من أساسه في نفس اللحظة .. لكن ماذا نملك بعد التعجب من مفارقات الحياة وتأملها بشئ من المرارة الضرورية سوى الاذعان لما جرت به المقادير وقبوله وتهيئة النفس للتعامل مع المتغيرات الجديدة في حياتنا, لقد كنت أفضل لو انتهت حياتك الزوجية بالفراق بغير أن يخلف وراءه حملا أو طفلا يزيد من تعقيد المشكلة، لكن قدر الله وما شاء فعل , ولا يعرف أحد ما سيكون من أمره في غد .. وبقدر ما يقلل هذا الانجاب المتوقع من فرصتك لبدء حياة جديدة خالية من المشاكل الموروثة عن الزواج السابق , فإنه أيضا يزيد من فرص رأب الصدع وإعادة المياة إلى مجاريها بينك وبين زوجك السابق إذا رغبت ذات يوم في استئناف الحياة معه .

وخير ما يفعل المرء بعد معاناته لتجربة أليمة في حياته هو أن يعطي نفسه فرصة كافية للنقاهة . من آثارها ولمراجعة أخطائه خلالها .. واستنباط دروسها والاستفادة منها وليست هناك تجربة إنسانية يعانيها الإنسان ولا يستفيد منها بعض ما يضيف إلى خبرته بالحياة شيئا جديدا يساعده على مواجهة أيامه القادمة بقدرة أكبر على تفادي أشواك الحياة وبفهم أعمق للنفوس البشرية وأداء أفضل للتعامل معها .

فهوني على نفسك ما تعانين .. فما أكثر التجارب السعيدة التي أعقبت تجارب فاشلة وأليمة في حياة البشر وما أكثر من بدأوا حياتهم من جديد بعد العثرات , وأنت مازلت شابة لم تتجاوزي الخامسة والثلاثين في تقديري, وهناك دائما زوج مناسب لامرأة مناسبة بظهر الغيب لم تعرف الطريق إليه بعد ولم يعرف هو أيضا .. طريقه إليها .

وقديما قيل أن الخير لا ينهزم أبدا والشر لا ينتصر في النهاية .. فإن بدا لنا غير ذلك , في بعض الأحيان فإنما لأننا لا نحكم على الزمان إلا باللحظة الراهنة التي نعيشها الآن .. أما شريط الزمان فطويل ولابد أن يعتدل فيه الميزان بإذن الله , فانتظري ولا تيأسي واستعيني على آلامك بممارسة أي عمل مفيد يمكن ممارسته في بيتك ليشغل خاطرك عن الانحصار في اجترار الآلام , فالفراغ الكامل هو أعدى أعداء الإنسان المهموم بأمره , والعمل شفاء للقلوب الحزينة .. ولعل بريد الأهرام يستطيع أن يعينك على تدبير عمل ملائم لك تستطعين ممارسته في بيتك ويمكن أن يسهم عائده في مواجهة بعض نفقات العلاج مع ضرورة نهوض أبيك لمطالبة أقاربه بالوفاء بحقوقك التي تعهدوا بها في الإقرار .. إذ أن الأصح هو أن تكون القرابة شفيعا إضافيا لأداء الحقوق العادلة وليس للاحجام عن أدائها .. وسواء أجادت نفوسهم بأداء الحقوق أو لم تجد فتقبلي أوضاعك وواجهي المستقبل بتفاؤل .. وحاولي حين تبدئين حياة جديدة ألا تكوني فيها مسلوبة الارادة كما كنت في معظم فصول قصتك السابقة وشكرا.

نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" ابريل 1992

كتابة النص من مصدره / بسنت محمود

راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي


Neveen Ali
Neveen Ali
كل ما تقدمه يعود إليك فاملأ كأسك اليوم بما تريد أن تشربه غداً
تعليقات