أرض الأحلام .. رسالة من بريد الجمعة عام 1998
أنا سيدة متوسطة العمر .. حين كنت فتاة في العشرين كنت شابة شديدة الحيوية والجاذبية وخفة الظل وكنت مثار إعجاب الكثيرين من زملاء الكلية والأقارب والجيران , وتطلع شبان كثيرون للارتباط بي، لكني كنت أبحث عن مواصفات خاصة في شريك الحياة المقبلة , وحين التقيت بزوجي وجدت به بعض هذه المواصفات وليست كلها فقد كان متكافئا معي من الناحية الاجتماعية والثقافية ومتدينا وشديد الإعجاب بي , أما نقاط ضعفه فقد تمثلت في حالته المادية , لكني تجاوزت عنها إيمانا بأن كل إنسان يبدأ صغيرا ثم يكبر .. وتزوجنا وأنا طالبة بالسنة الثالثة بكليتي وهو مهندس زراعي يعمل عملا حكوميا ويتطلع للسفر للخارج , ووفر لنا الأهل غرفة بأثاث قديم في بيتنا لكي نتزوج بها لأن زوجي لم يكن قادرا حتى على شراء أثاث جديد لهذه الغرفة , وبعد عام من زواجنا نجح شقيق زوجي الذي كان يعمل بإحدى الدول العربية في استقدام زوجي إليه , وسافر وتركني في مصر لإتمام السنة الجامعية الأخيرة , وبعد عام سافرت معه عقب تخرجي إلى هذا البلد العربي وحصلت على عمل هناك فى إحدى الشركات .. وقبضت أول مرتب لي فاحتفظت لنفسي منه بجزء يسير لمصروف يدي وأعطيت الباقي كله لزوجي ليسدد به أقساط السيارة التى اشتراها .. ورزقنا بأول أطفالنا وسعدنا به سعادة كبرى , وبدأت الحياة تبتسم لنا أكثر وأكثر فانتقلت من عملي إلى عمل أفضل منه وبمرتب أكبر في شركة أجنبية , وحصل زوجي على مسكن لنا عن طريق عمله , فاستقرت أحوالنا تماما .. وسعدنا بأيامنا وحياتنا وأسرتنا , وحين رزقنا الله بابنتنا الثانية رأيت أن أحضر شغالة أسيوية كما هو متبع في ذلك البلد العربي لرعاية الطفلين خلال فترة عملي ومساعدتي في شئون البيت , وتم ذلك بالفعل ومضت بنا الحياة سعيدة وواعدة بكل خير, وأنا وزوجي متفاهمان إلى درجة كبيرة وعلاقة كل منا بأسرة الآخر طيبة وممتازة , وحتى إذا اختلقنا في شئ فإني أحاول إقناعه وامتصاص غضبه بقدر المستطاع ثم أطيعه فى النهاية حرصا عليه , والجميع يشيدون بعلاقتنا الزوجية , وحسن تدبيري لشئون بيتي وكرم ضيافتي وبراعتي في الطهي , كما كان بيتنا مفتوحا لأقاربه الكثيرين المقيمين بهذا البلد ولأخي الذي يعمل به أيضا , ثم حملت في طفلتي الثالثة وعانيت هذه المرة أكثر من أي حمل سابق وتعرضت لبعض المتاعب المرضية .. فإذا بي في وسط هذه الظروف أعرف عن طريق الصدفة البحتة أن زوجي على علاقة بالشغالة الآسيوية الجديدة التي جاءت للعمل عندنا وأنه يريد الزواج منها ! .. وكانت صدمة شديدة بالنسبة لي, لكني سرعان ما تجاوزتها إلى التفكير فيما أستطيع أن أفعله لكي أمنع هذه الكارثة !
وأنزل الله علي سكينته ورحت أفكر في الأمر بهدوء غريب , ووجدت أنني بالرغم من احتياجي لهذه الشغالة لكي تكون في انتظار أطفالي في البيت عند عودتهم من المدرسة وأنا مازلت في العمل فإنه لا مفر من الاستغناء عنها وأبعادها عن حياتي بغير صدام مباشر مع زوجي الذي لن يوافق أبدا على تركها .. واتصلت بأحد إخوة زوجي المقيمين في هذا البلد العربي وطلبت منه التعاون معي لإنقاذ شقيقه , وأسرتي وبيتي بشرط تكتم الأمر كله نهائيا وبالفعل قمنا معا بإجراءات إلغاء إقامة هذه الشغالة الآسيوية وتسفيرها إلى بلدها بغير علم زوجي, مما أغضبه مني غضبا شديدا لفترة من الزمن إلى أن سمع من بعض الجيران عن سوء سمعتها وعلاقتها برجال آخرين غيره فأدرك أنه على وشك الوقوع في فخ لا فكاك له منه لولا أن أنقذته منه فاعتذر لي عن موقفه السابق وقال لي إنها كانت نزوة وانقضت ولن تتكرر مرة أخرى , وعدنا لحياتنا الهادئة من جديد وانجبت طفلتي الثالثة ونجحنا خلال هذه الفترة في الحصول على شقة لنا بالقاهرة وتأثيثها .. وشاركت زوجي بالطبع فى تكاليف الشقة والأثاث .. وبعد عدة سنوات تطلع زوجي لشراء شقة بالإسكندرية لتكون مصيفا لنا كما فعل بعض زملائه فشاركته أيضا في ثمنها بالرغم من عدم اقتناعي بضرورتها .
وبعد ذلك بفترة ليست قصيرة اشترى زوجي أيضا قطعة أرض زراعية ليحقق فيها حلم حياته الذي يراوده منذ ما قبل التخرج في كلية الزراعة وطلب مني مشاركته فيها ولم استجب له هذه المرة لأنني كنت طوال السنوات الماضية أسدد له أقساط سيارته التى يغيرها بالخسارة ويشتري غيرها كل بضع سنوات , ولأنه أيضا لم يكن لدي مدخرات كبيرة رغم مرتبي الكبير من الشركة الأجنبية الذي يفوق مرتبه لكن أمي التي تحب زوجي حبا جما ضغطت علي لمساعدة زوجي في شراء هذه الأرض لأنه كما قالت لى ينبغى علي أن أقف بجانبه وأسانده في تحقيق حلم حياته , فاستجبت في النهاية وأعطيته ثلاثة أرباع مدخراتي واشترى الأرض بالفعل .. ثم حدثت تطورات عديدة في حياتنا وفقد زوجي عمله الأول الذي كان يوفر لنا المسكن .. ووجد بعد فترة عملا شاقا آخر بمرتب أقل وبغير المسكن , ثم فقدت أنا أيضا عملي بالشركة وحصلت على تعويض عادل منها , واستقر الرأي بيننا على أن أرجع مع الأبناء إلى مصر ويستمر زوجي في عمله الجديد لبعض الوقت وإلى أن ينجح فى سداد آخر الالتزامات والأقساط التي ندفعها كل شهر.
وعشت وحدي في القاهرة ووجدتني بعد فترة في حاجة إلى وجود زوجي معي لرعاية الأبناء الثلاثة خاصة ابننا الأكبر الذي بدأت أشعر بعدم قدرتي على السيطرة عليه وطالبته بالعودة خاصة أن مرتبه من عمله الجديد ضئيل ولا يستحق منا التضحية .. ورجع زوجي , وبدأ يوجه كل اهتمامه ووقته للأرض الجديدة وطلب مني نقودا مرة أخرى لكي يحفر بئرا فى أرض الأحلام الواعدة بالخير وأعطيته مبلغا آخر بحيث لم يكن يتبقى من مدخراتي إلا مبلغ بسيط أصرف أرباحه كل ستة شهور واشترى بها احتياجات أولادي الضرورية لأنني لم أعد أعمل , وعشنا لفترة على هذا النحو, واشتدت ضغوط رعاية الأبناء وشئون البيت علي بسبب تفاهة العائد الذي أحصل عليه من مدخراتي القليلة فطلبت من زوجي أن يبيع نصيبي من الأرض لكي أودع ثمنه في البنك وأستعين بعائده على رفع مستوى معيشتنا , وليحقق هو بعد ذلك حلم حياته في النصف الآخر من الأرض , لكنه رفض ذلك بإصرار وراح يقنعني بالصبر إلى أن تتحسن الأحوال قريبا ودعاني لزيارة الأرض لكي أتحقق من قرب نجاح مشروعها وأنه سيحل مشكلتنا قريبا.
وذهبت إليها معه فوجدته قد بنى فيها منزلا ريفيا صغيرا بسيطا لإقامته حين يذهب إلى هناك وخلال وجدودي معه في الأرض وانشغاله بالعمل فوجئت بجارة لنا فى الأرض تميل علي وتهمس لي بأن زوجي يبحث عن زوجة وترجوني ألا أشير إلى أنني عرفت ذلك منها حتى لا تقع هي وزوجها في مشاكل معه ولم أصدق ما سمعت لكني بالرغم من ذلك لم أشعر بالإرتياح .. ولاحظت بعد ذلك أنه كلما غادرني زوجي ذاهبا إلى أرض الأحلام هذه ظللت طوال فترة غيابة فيها ليومين أو ثلاثة أعاني من نوبة من الإسهال والقئ تستمر حتى عودته وعرضت نفسي على طبيب فلم يجد لدي سببا عضويا لذلك , وأخيرا قررت أن أحسم شكوكي ومخاوفي فاصطحبت أبي ذات خميس وسافرنا إلى الأرض الجديدة لكي نقضي يوما مع زوجي هناك .. ووصلنا إلى موقع الأرض وطرقت باب المنزل الريفي البسيط وفتح زوجي الباب ففوجئ برؤيتي ورؤية أبي معي .. وارتبك إرتباكا شديدا , وامتقع وجهه , ورحب بنا متلعثما مضطربا , وخلال ذلك فوجئت برؤية إمرأة ترتدي ملابس البيت وتهرول من وراء ظهره إلى إحدى غرف البيت وتغلق الباب عليها من الداخل !
وفي هذه اللحظة .. في هذه اللحظة فقط يا سيدي وجدت نفسي لأول مرة في حياتي أدعو الله أن ينتقم لي من زوجي هذا شر انتقام وأن يريني ربي فيه هذا الانتقام قبل موتي!
وغادرت زوجي إلى بيت الجيران الذين تلقيت منهم الإشارة التي لم أصدقها فى البداية وعلمت منهم أن زوجي الحبيب قد تزوج من إبنة الخفير الذي يحرس الأرض وأنها نفس الفتاة التي أراد من قبل أن يحضرها للعمل كشغالة له في بيتنا بالقاهرة بدعوى أنها قوية وعفية وسوف تريحني من أعباء البيت لكني رفضت ذلك لعدم نظافتها من ناحية ولأنها مخطوبة منذ 4 سنوات من ناحية أخرى وعلمت منهم أيضا أن القوية العفية هذه قد تزوجت البك صاحب الأرض وتخلت عن الشاب الذي خطبها 4 سنوات لأنه تعرض لحادث فقد فيه ذراعه !
وجاء زوجي ورائي إلى بيت الجيران فوجدتني ولأول مرة في حياتي كلها منذ عرفته ورأيته أصب جام غضبي عليه وبكلمات لا أدري حتى الآن كيف خرجت من فمي وهو ينظر إلى الأرض ولا يستطيع الرد علي بكلمة واحدة !
وانتهى الموقف المؤلم بعودتى مع أبى إلى بيت أسرتى تاركة زوجى فى أرض الأحلام مع عروسه الجديدة !
وبعد أيام رجع إلى القاهرة وجاء إلى بيت أسرتي وسألنا عن طلباتنا فأجبته بأنها تتلخص في مطلب واحد وهو أن ينتهي هذا الزواج فورا ولن يعلم به أحد حتى أولاده , ويرتبط بهذا الطلب بالطبع أن يبيع أرض الأحلام كلها بما فيه نصيبه ونصيبي منها , على أن نودع الثمن في أحد البنوك ونعتمد على عائده في حياتنا وكفاه سفرا وتنقلا بين الأرض والمدينة وهو الذي يشكو من حالة مرضية في القلب .. لكنه رفض هذا الطلب بإصرار وعلل زواجه بإبنة الخفير بأنه زواج للمصلحة فقط ولكي ترعى الزوجة الجديدة الأرض , فطلبت منه أن يتنازل لي عن الشقة التي أقيم فيها مع الأولاد وهي بالإيجار فرفض بحجة أن ذلك يتعارض مع كرامته !
ثم أردت أن أبيع نصيبي من الأرض بسبب هذه المشكلة فبدأ يساومني على شرائه بجزء من نصيبه فى شقة الاسكندرية والباقي بالتقسيط المريح وبحيث لا أتقاضى عمليا سوى مبلغ ضئيل للغاية كل حين ! .. ففكرت مادام الأمر كذلك فى أن أبيع نصيبي من الأرض للجيران الذين علمت منهم بخبر زواجه فرفض أن تتم القسمة بيننا بطريقة ودية , وطلب مني إقامة دعوى قسمة ضده في المحكمة لكي يعرقل بيعي للأرض.
والآن يا سيدي فإنني أجد نفسي في حيرة شديدة من أمري وليس أمامي سوى طريقين أحلاهما مر .. الأول وهو الطلاق انتصارا لكرامتي , لكن المشكلة هي أنني أخشى إذا حدث ذلك من عدم السيطرة على الأولاد خاصة ابني وأشعر أنني لو تركته ليعيش مع أبيه فإنه لن يستكمل دراسته بالشكل المطلوب لإنشغال أبيه عنه .
والثاني .. هو الاستمرار مع زوجي بعد كل ما حدث لكنه أمر صعب للغاية على نفسي إذ لم أعد أكن له أي حب أو احترام .. فماذا أفعل يا سيدي , وماذا اختار وما فيه مصلحتي الشخصية يتعارض للأسف مع ما فيه مصلحة أبنائي ؟ أكاد أجن وأتساءل : هل يصلح أن استمر معه كأم فقط وراعية للأولاد دون أية علاقة زوجية بيننا , وبعد كل ما فعلته من أجله وما قدمت له من حب وعطاء وإخلاص ؟
جميع الحقوق محفوظة لمدونة "من الأدب الإنساني لعبد الوهاب مطاوع"
abdelwahabmetawe.blogspot.com
ولــكــاتــبـة هــذه الــرســالــة أقــول :
لخصت الأزمة كلها يا سيدتي حين قلت إنك في حيرة شديدة من أمرك لأن ما يحقق لك مصلحتك الشخصية ويرد لك اعتبارك ويرضي كرامتك الأنثوية يتعارض مع ما يحقق صالح أبنائك , بحيث يصبح ما يفيدك ضارا بهم وما يفيدهم ضارا بك , وهذا هو أصعب اختيارات الإنسان ذي الضمير الأخلاقي وأكثرها إيلاما لنفسه !
ومن يرجحون اعتباراتهم الشخصية على اعتبارات الأبناء في مثل هذا الموقف الذي تواجهينه الآن يبررون ذلك غالبا بأن الطرف الآخر قد تجاهل من البداية اعتبارات الأبناء ومصلحتهم فيما اختاره لنفسه من اختيارات .. فلماذا إذن يقع عليهم العبء كله فى رعاية هذه الاعتبارات والتضحية من أجلها؟
وهو سؤال له منطقه المؤلم .. لكنه لا يكفي وحده لترجيح هذا الاختيار لدى أصحاب القلوب الحكيمة .. إذ يرون أنفسهم ملزمين بالدفاع عن حياة أبنائهم ومصلحتهم ومستقبلهم حتى ولو أساء شريك الحياة التصرف في ذلك وعرض أمان أبنائه واستقرارهم لعصف الرياح , بل أنهم ليرون ذلك واجبا إنسانيا مضاعفا يفرض عليهم أن ينهضوا لتحمل مسئولية الأبناء الأخلاقية التي تجاهلها شركاء الحياة في سعيهم وراء أهوائهم وغرائزهم وملذاتهم , وملزمين باتباع مثلهم الأخلاقية هم .. وليست مثل شركاء الحياة فيرجح لديهم ذلك التضحية من أجل الأبناء بديلا عن الإيثار واتباع الأهواء, وحماية الأبناء مما يتهدد أمانهم ومستقبلهم من مخاطر بديلا عن الانحصار داخل الذات والتصرف على أساس اعتباراتها الوجدانيه وحدها بغض النظر عن إنعكاسات ذلك على الأعزاء الأقربين .. تحركهم فى كل ذلك دوافع الإحساس بالمسئولية الإنسانية , والتسليم بضرورة ألا يدعوا مصلحة الأبناء رهينة لسوء تصرف شركاء الحياة أو نزواتهم ذلك أننا إذا فعلنا عكس ذلك استجابة لنداء الانفعال العاطفي والرغبة في الثأر للكرامة الشخصية , فإننا لا نسعد بحياتنا غالبا ونحن نرى أبناءنا يدفعون ثمن خطأ غيرنا , وثمن انتصارنا نحن أيضا لكرامتنا الشخصية .. وحتى إذا سعد هؤلاء الغير باختياراتهم أو خيل إليهم ذلك فإننا لا نقوى على هذه السعادة المرة وينغصها علينا دائما إحساسنا المؤلم بأن هناك من أعزائنا من يدفعون ثمنها الغالي من سعادتهم وحقهم علينا في الحياة العائلية السوية , والفيصل الأول والأخير فى كل ذلك هو الإحساس بالمسئولية الإنسانية والأخلاقية تجاه الأبناء .. والمسئولية قيد على الحرية الشخصية .. لكنها قيد نبيل يختاره الإنسان بإرادته الحرة إعلاء لاعتبارات أهم لديه من اعتباراته الذاتية والعاطفية .
ولست في الحقيقة أستطيع أن ألومك كثيرا أو قليلا إذا اخترت الثأر لكرامتك الشخصية وتمسكت بالانفصال عن زوجك ردا لاعتبارك أمام نفسك واحتجاجا على عدم إخلاصه لعهد الوفاء معك , خاصة ان اختياره لمن ارتبط بها هو بالفعل اختيار جارح لكرامتك الشخصية إن لم يكن مهينا لها !
لكني على الناحية الأخرى لا أملك إلا الإعجاب بمثلك الأخلاقية واستعدادك الصادق العطاء لأبنائك إذا أنت اخترت أن تنهضي بالمسئولية التي تجاهلها زوجك , وفضلت المحافظة على استمرار الأسرة بالرغم مما تعرضت له من هذه العاصفة المدمرة ولا عجب فى ذلك لأن من مواقف الحياة أيضا ما يفرض على الإنسان أن يتعامل معه بالمنطق الواقعي العملي الذي يضع في الحسبان حساب الخسائر والأرباح لقراراته , والفارق الجوهري بين إنسان وآخر في هذا المنطق .. هو أن ذا الضمير الأخلاقي يضع في حسابه خسائر أعزائه وأرباحهم ولا يقصر اهتمامه في ذلك على خسائره وأرباحه الشخصية وحدها ..
ولقد ارتبط زوجك بتلك الفتاة الريفية الشابة بمنطقه الخاص في حساب الأرباح والخسائر الذاتية له وحده متجاهلا اعتبارات زوجته وأبنائه .. ومستسلما لنداء الغريزة البدائية أكثر منه لنداء المصلحة كما يزعم لنفسه الآن .. ولعله لو كان صريحا معك ومع نفسه واعترف بذلك لكان أكرم له نسبيا ولأن منطقه فى هذا الزواج غير المتكافئ قابلا للمناقشة والإختلاف معه أو الاتفاق , ولكان ممكنا التوصل معه في النهاية إلى حل يحجم الخسائر الإنسانية ويسهم في إصلاح الأخطاء , لكنه يستخدم المبرر النفعي للزواج وهو أن ترعى زوجته الجديدة أرضه في غيابه ستارا نفسيا للتعمية على الدافع الغريزي البدائي الذي حركه إليه ورفض الاعتراف به وتجاهل المشاكل لا يسهم في التوصل إلى حلول عادلة لها وإنما يسهم في تعقيدها وتشابكها أكثر فأكثر .
والحق إنني أؤيدك في مطلبك بأن ينهي زوجك هذا الوضع الجديد كشرط أساسي لعودة المياه إلى مجاريها بينكما ذلك أنه حين يتعلق الأمر بكيان الأسرة ككل وبمصلحة الأبناء وحقوق الشريكة التي شاركته حلو الحياة ومرها وأخلصت له الوفاء .. والعطاء فإنه لا يكون هناك مجال للتردد أو الإختيار .. الذي تراعى فيه اعتبارات نفعية كهذا الاعتبار الذي ينتحله زوجك .. ولا يكون هناك مفر من الاهتداء بقاعدة أهون الضررين الشرعية , وقياس ما سوف يتعرض له الزوج من حرمان من بعض ملذاته الشخصية وزوجته الجديدة من خسائر إنسانية .. إلى ما تتعرض له بالفعل الأسرة الأصلية والأبناء والزوجة الشريكة في رحلة الحياة من خسائر وأخطار لا تقارن بها أية خسائر أخرى.
وفى قصة زوجك على وجه الخصوص فإن زواجه من تلك الفتاة الريفية الصغيرة سواء بدوافع المصلحة كما يقول أو بدوافع الغريزة أو بمزيج منها معا كما أرجح هو في النهاية زواج مقضي عليه بالفشل وعدم الاستمرار طال الزمن أو قصر بسبب عوامل فارق السن وعدم التكافؤ العائلي والاجتماعي , فإذا كان الأمر كذلك فلماذا لا يسارع برأب الصدع قبل أن يتسع أكثر فأكثر وينهار البنيان كله ؟ , ولماذا لا يعوض هذه الفتاة الصغيرة تعويضا عادلا عن تخليه عنها فيعينها بذلك على أن تبدأ حياة جديدة مع غيره قبل أن تتفاقم المشكلة أكثر ويصعب عليه مواجهتها في المستقبل؟.
إن علاج المشاكل يتطلب دائما استقصاء أسبابها الحقيقية ومواجهتها .. وزوجك يا سيدتي له "تاريخ" قديم في التطلع للزواج من أخرى, وفي الاتجاه بتطلعاته الغريزية هذه إلى من هن أدنى منه فى المستوى العائلي والاجتماعي والثقافي مما يرجح أن يكون مدفوعا إلى ذلك برغبة عارمة فى النساء وميل نفسي شبه قهري لممارسة إحساس السيادة عليهن .. فلماذا لا تتوصلان معا إلى صيغة ملائمة ترضي هذه النزعة لديه بغير تعريض الأسرة والأبناء للقلاقل والأعاصير ؟ .. ولماذا لا تناقشين معه هذا الأمر بصراحة ووضوح ويسعى كل منكما للتنازل عن بعض اعتباراته طلبا للاستمرار وحماية الأبناء , حتى ولو تطلب ذلك استشارة بعض المختصين ؟
إنني أنصحك في النهاية بأن تتمسكي بموقفك الرافض للقبول بهذا الأمر الواقع الذي يأمل زوجك ككل من يجد نفسه فى مثل موقفه فى أن ينجح في الفوز بتسليم شريكة الحياة به بعد حين .. وبأن تستعيني عليه في ذلك ببعض أهله كما استعنت من قبله بأحد أشقائه في محنة الشغالة الأسيوية منذ سنوات , وحبذا لو استطاعوا إقناعة بالتخلي ليس فقط عن هذه الفتاة الصغيرة .. وإنما أيضا عن أرض الأحلام هذه مادامت لا تعد أسرته وزوجته وأبناءه إلا باحتمال تكرار المحنة مرة أخرى بعد حين , وعلى أن تواصلي موقف الرفض هذا الذي لا يغلق باب الأمل في التوصل معه إلى حل عادل للمشكلة ولا يصل بك وبأبنائك إلى حافة الطلاق والتخلي عن كل شئ للزوجة الجديدة .. والسلام !
نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" يوليو 1998
كتابة النص من مصدره / بسنت
محمود
راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي

برجاء عدم النسخ احتراما لمجهود فريق العمل في المدونة وكل من ينسخ يعرض صفحته للحذف بموجب حقوق النشر