حجر الصوان .. رسالة من بريد الجمعة عام 1992

حجر الصوان .. رسالة من بريد الجمعة عام 1992

                      حجر الصوان .. رسالة من بريد الجمعة عام 1992  

لا أكتب لك عن نفسي لكني أريد أن أستعين بك على ما يكدر حياتنا وأرجو ألا تخذلني.

فأنا فتاة في الرابعة والعشرين من عمري أنهيت دراستي الجامعية .. تتكون أسرتي من ستة أفراد هم أبي الذي كان يشغل وظيفة لها اعتبارها في الدولة والآن في المعاش , وأمي ربة البيت المتفرغة , ثم 4 أبناء هم أنا وشقيقي الذي يكبرني بعام واحد وأختان أحداهما على وشك أن تنهي دراستها الجامعية والأخرى في الشهادة الإعدادية.

ونحن أسرة ميسورة لنا بعض المدخرات والأملاك التي يحجزها أبي لكي يجهزنا بها عند زواجنا .. وكنا نعيش حتى وقت قريب كأسرة سعيدة متحابة , وكان أبي ومازال أبا لم أر مثيلا له في حنانه يحنو علينا جميعا ولا يبخل بشئ على أحدنا .. ولأن أخي الكبير هو الابن الوحيد بين ثلاث بنات فقد كان له نصيب الأسد من حنان أبي ومن حبنا أيضا واهتمامنا .. فهو مهذب وطيب القلب وعطوف، فأحبه الجميع وشهدوا له بالأدب والأخلاق الكريمة ومضت حياتنا هادئة ورائعة ثم التحق أخي بإحدى الكليات العسكرية ليواصل طريق أبيه في الحياة وافترق عنا لأول مرة , فكان يوم زيارته لنا عيدا من أعيادنا تتجمع فيه الأسرة حوله .. ويأتي إلينا الأهل والأقارب ليسلموا عليه , وكان هو يدعونا نحن اخواته البنات إلى السينما أو النزهة .. أو يعود إلينا ليلا حاملا معه بعض أنواع الطعام ويوقظنا من نومنا لنشاركه فيها .. إلى أن وصل إلى السنة النهائية من كليته فبدأت أحواله تتغير فجأة فبعد أن كان يدعونا للخروج معه .. ويغدق علينا من مصروفه , أصبح يخرج وحده .. وينفق مصروفه بأكمله ويأخذ منا بدلا من أن يعطينا .. وبدأ الشك يساور أبي تجاهه فراح يتحرى عن أسباب تغيره , فتبين له أن شقيقي قد تعرف على فتاة تكبره بسبع سنوات ومخطوبة لآخر يعمل خارج مصر ومن وسط اجتماعى متناقض تماما مع وسطنا وغير حاصلة على شهادة عالية .. والأدهى من كل ذلك أنها تعمل مضيفة في "ديسكو" أحد الفنادق يبدأ عملها فيه من منتصف الليل حتى الخامسة صباحا .. أما أسرتها فليست محل رضا جيرانها.

 

وصدم أبي حين عرف ذلك .. وصدمنا جميعا معه .. فشقيقي قليل الخبرة بالحياة ولم تكن له أية تجارب سابقة , وتعجبنا لسوء اختياره وهو من ستضطره ظروفه للغياب كثيرا عن بيته إذا تزوج , وزاد من صدمتنا أننا علمنا أنه قابل والد الفتاة بغير علم أبيه للاتفاق معه على الزواج ولم يكن عمره يتعدى الحادية والعشرين إلا بشهور .. وترقبنا ما سيحدث فى إشفاق فلم يتأخر الإنفجار طويلا فقد فاتح شقيقي أبي برغبته في الزواج من هذه الفتاة، وحاول أبي أن يؤجل الأزمة بعض الوقت لعل أخي تتضح له بعض حقائق الحياة الخافية عليه .. فطالبه بعد الأسئلة التقليدية والاجابات غير المطمئنة بالانتظار بعض الوقت حتى يكون نفسه ومستقبله لأنه لا داعي للاستعجال, فرفض أخي بدعوى أنه يريد أن يرتبط بها الآن لكي تفسخ خطبتها الأخرى, فحاول أبي مرة أخرى اقناعه بالإنتظار .. فإذا بهذا الحمل الوديع الذى لم يسمع له أحد صوتا من قبل في بيتنا يتحول فجأة إلى ثور هائج ويثور على أبيه الذي رباه وطالما أغدق عليه من حبه وحنانه .. ويتفوه بكلمات قاسية ضده .. ويفقد السيطرة على نفسه بعد أن واجهه أبوه بما يعرف عن فتاته ويعلنه أنه سيتزوجها حتى ولو كانت .. استغفر الله العظيم.

 ويقترب من أبي فنرتمي نحن البنات وأمنا عليه .. فيتركنا ويجمع حاجياته .. ونحن جميعا مذهولون نسأل عما أصابنا وعما حل بهذا البيت الذي لم يسمع الجيران له صوتا عاليا من قبل .. ورحنا نحاول مع أخي أن نمنعه من الخروج ونستعطفه فلا يستجيب لدموعنا ويغادر البيت ساخطا لاعنا .

وبعد أيام اتصلت بنا الفتاة وأعلنت تحديها لنا وأنها سوف تتزوج شقيقي شئنا أم أبينا .. واتصلت بإحدى قريباتنا التي نصحتها بعدم السعي في خراب البيوت والتفرقة بين أبن وأبيه وأخوته وأمه فنالها من لسانها الكثير, ولم تكتف بذلك بل حرضت عليها شقيقي فزارها في البيت وسبها .. وزارنا أيضا وسبنا وانصرف !

ومضى عام وشقيقي مستمر في هجره للبيت ويرفض العودة إلا إذا سلمه أبي ما يحتاج إليه من مال ليتزوج هذه الفتاة .. وفشلت كل محاولات أبي معه لإرجاعه .. حتى ضاقت به الدنيا ولجأ وهو الرجل المثقف إلى السحر والشعوذة لمحاولة إرجاعه .. رغم عدم إيمانه بهذه الخزعبلات واستمر الحال على ما هو عليه ولم نر شقيقنا الوحيد الذي نحبه ونفتقده لمدة عام ونصف العام تخرج خلالها .. وتسلم عمله وأصبحنا نتسقط "أخباره" من اتصالاته التليفونية واتصالاتنا به ومن الأقارب والوسطاء .. وبعد عام ونصف عام اجتمعنا مرة أخرى على أرض "محايدة" في بيت إحدى قريباتنا التي كانت تواجه مشكلة ما وكان معنا أبي وأمي وتم حل مشكلة القريبة فحاولنا حل مشكلة شقيقنا .. وبدأنا الحديث فيها فأصر أخي على موقفه فسقط أبي على الأرض مغشيا عليه وأنفاسه تتلاحق وقد أصيب ببوادر الذبحة الصدرية, وصرخنا وبكينا وهرولنا إلى أبينا .. فإذا بأخي الحنون الذي كان يخشى علينا زمان من لفحة البرد ساكنا في مقعده لا يتحرك ولا تندى عينه بدمعة واحدة .. ونقلنا أبي إلى بيتنا ومعنا بعض الأقارب ففوجئت بأخي وسط هذه المأساة يطلب مني أن أتصل بالفتاة وأن أحدثها عن "أملاكنا" وعن النعيم الذي سوف تعيش فيه إذا تزوجته .. والمكانة الإجتماعية التي ستنالها إلخ .. فقلت له في ذهول أنها لو كانت تحبه حقا فإنها ترضى به بدون أي إغراءات فثار لرفضي وأعلن أنه "سيمشي" وفعلا مشى يا سيدي وغادر بيتنا مرة أخرى ولم يتحرك قلبه لأبيه الذي لم يتخل عنه لحظة واحدة وكان يلبي كل طلباته المالية خلال فترة القطيعة عن طريق الأقارب, ويقول أنه لا يستطيع أن يتركه وحده بالرغم مما فعل .. في حين لم ير أخي فيما فعله ويفعله أبي معه إلا أنه "واجب" عليه تجاهه .. المهم أن الفتاة أحست خلال ذلك أنها ستضيع وأن العمر يتقدم بها فتخلت عنه وتزوجت .. وتركت له رسالة على طريقة الأفلام تقول له فيها أنها تريده لكن أهله فرقوا بينها وبينه وكانوا يسبونها لهذا قررت أن تضحي بنفسها وإذا استطاع أن يقنع أهله ذات يوم فإنها سوف " تتطلق" وتتزوجه !

 

والمصيبة يا سيدي أن أخي يصدق كل ذلك ولا حديث له إلا هذا الموضوع بالرغم من أن فتاته أنجبت بعد زواجها بعام واحد .. وكلما "ذهب" إليه أبي حيث يقيم الآن في الأعياد والمناسبات لإرجاعه إلى البيت فإنه إما أن يرفض بشدة .. أو يغلق الباب أمامه ! .. أو يكلمه بكلمات "قاسية" فيعود أبي مهزوما جريحا وهو يحس أن رجولته قد "هدمت" !

ومازال هذا الوضع المحزن مستمرا منذ 3 سنوات مرضت خلالها أمي بالقلب .. وتهدم بنيان أبي .. واختفت السعادة من بيتنا، وكلما جاءنا خاطب وسألنا عن شقيقي ادعينا أنه في "مأمورية" أو مسافر لأننا حين نقول أنه ترك البيت من أجل فتاة تزوجت غيره لا يصدق ذلك ويخرج ولا يعود.

 وقد شكوت لأخي من ذلك فأجابني بأن هذا هو انتقام القدر لأننا حرمناه من الفتاة التي أحبها وأنه "سعيد" بذلك .. مع أني أكدت له أكثر من مرة أنها لو كانت تحبه فعلا لتزوجته بدون "الأموال" التي أرادها من أبي .. ولا يقتنع أبدا ! بل ويقول لي أنه سوف يفسد أي خطبة لي كما أفسدنا عليه خطبته .. وسوف يأتي يوم خطبتي ويتصرف أمام الناس تصرفات تؤدي إلى هروب الخطيب !!

إنني أكتب إليك لأنه يقرأ لك بإنتظام ويتأثر بآرائك لأرجوك أن توجه إليه كلمة تعرفه فيها بقيمة الأسرة وقيمة حب أبيه وأمه وشقيقاته له وتذكره فيها بأسرتنا وبأننا نحبه "حب عبادة" وأنه الهواء الذي نتنفسه وسندنا في الحياة وأننا لم نكرهه أبدا لما فعل ولن نكرهه لأنه دمنا ولحمنا وحياتنا .. ولأننا نضعه دائما في أعلى مكان .. إنني أرجو أن تقول له كل ذلك وأن تذكره بأن الأيام غادرة وبأننا نحس بالهوان كل يوم وأبونا يموت قطعة قطعة أمامنا وأمنا تضعف يوما بعد يوم فليعد إلى البيت .. وتكون له غرفته المستقلة لنحس بوجوده بيننا فقط كما عرضنا عليه من قبل فرفض .. وليعد قبل فوات الأوان ولينزع "الحجر" الذي في صدره الآن ويضع مكانه قلبه الذى كان حنونا بنا لأنه شقيقنا الوحيد وشكرا لك يا سيدي.

 

ولــكــاتــبة هــذه الـرسالـة أقــول :

 

الحق إني لم أحس منذ فترة طويلة بما أحسست به وأنا أقرأ رسالتك هذه من استفزاز وتوتر، إذ ما هذا الاستجداء يا آنستي لشقيق هجر أبويه وشقيقاته البنات من أجل فتاة تكبره بسبع سنوات ولا تناسبه إجتماعيا ومهنيا وتخلت عنه بالفعل ؟

إن عواطفك الأسرية النبيلة تجاه شقيقك شئ مؤثر حقا لكن أي هواء هذا الذى "تتنفسونه " وأية مكانة عالية تلك التي تضعون فيها إبنا عاصيا لأمر ربه في حسن معاملة أبويه إلى حد أن يهجرهما دون سبب حقيقي ويدمي قلبيهما ثم يصفق الباب في وجه أبيه الساعي إليه بالود والرحمة ويوجه له الكلمات القاسية أو يهم بالاقتراب منه فتفصلون بينه وبينه ؟

يا إلهي ؟ .. لمن تكون المكانة العالية إذن إذا كانت لمثل هذا الشاب الذي لم يرع الله في علاقته بأبويه وأسرته، حتى لو اختلف معها ؟ لقد قرن الله بين توحيده جل شأنه وبين الاحسان إلى الوالدين في أكثر من موضع من تنزيله الحكيم .. فقال جل شأنه "واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا" وقال جلت حكمته "وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا" إلى غير ذلك فكيف يكون "حب العبادة" لمن كان هذا شأنه .

.. ولماذا كل هذا الفحش في الهجر؟ لأن أسرته اعترضت على زواجه من فتاة لا تليق به , ارتبطت به وهي مخطوبة لآخر ثم يئست من مساندة أسرته المادية له فتزوجت الآخر الجاهز وانجبت منه في لمح البصر ؟ وحتى لو كان موقف أبيه من زواجه غير عادل مع أنه لم يكن كذلك ومن حقه كأب أن يعترض على زواجه وهو في أوائل العشرينات ممن تكبره بسبع سنوات وتعمل عملا غير لائق ولها "خبرة" غير مطمئنة بالحياة, ومن حقه أيضا أن يحجب مساعدته المادية عن زواج لا يباركه ولا يرى فيه صالح ابنه, ومع ذلك فحتى لو كان هذا الموقف خاطئا فماذا حال بينه وبين أن يتمسك بها ويستمر في محاولة إقناع أبويه بغير خروج على حدود الله معهما ؟ بل ماذا منعه وقد هجر أسرته وأبويه من أن يتزوج منها تاركا لاختبار الحياة أن يحكم على سلامة التجربة بغير أن يقطع ما بينه وبين أسرته من مودة ورحمة ؟ وكيف يتصور أنها قد "ضحت" بزواجها من غيره كأنها غادة الكاميليا في رواية الكسندر ديماس الإبن وهي قد "تخلت" واستأثرت بدلا من أن تضحي لأن من تضحي حقيقة لا تحرص على تعميق المرارة بين من ضحت من أجله وبين أسرته كما فعلت هي .. ناهيك عن أنها لا تعد أبدا بأنها سوف "تطلق" إذا نجح فى اقناع أهله بها لكى تفسد عليه حياته .. وتؤجج العداوة بينه وبين أسرته وتعلقه بأمل واه لن يتحقق ولو تحقق لضاعف من أسباب عدم الاطمئنان إليها .. وعدم الثقة فيها ؟

ماذا جرى للعقول .. ولا أقول للأخلاق يا آنستي .. وكيف يقرأ لي ويتأثر بآرائي كما تقولين ولا قضية لنا فى هذا الباب سوى محاربة الانهيار الأخلاقي والتفكك الأسرى والدعوة لاعلاء القيم الدينية والأخلاقية .. والتذكير بأن في السماء عادلا يؤخر من الذنوب ما شاء إلى يوم القيامة إلا عقوق الوالدين فإنه يعجل لصاحبه .

إن أحجار الصوان لا تجدي معها سوى المناشير الصلبة لهذا فلن يعي شقيقك ما أقول له إلا حين تنهش فيه مناشير الحياة بإختباراتها القاسية ويدرك بعد فوات الأوان أنه لم يكن "هواء" يتنفسه أحد إلا لدى أبويه وشقيقاته .. ولم يكن عزيزا على أحد سواهم .. ولا قيمة له فى الحياة بغيرهم .. ويعرف حين يسترجع مشاهده وهو يتوقح على أبيه ويقسو على من يحبونه .. المعنى الكبير لكلمة الامام على بن أبي طالب حين قال : "إن الجبن هو الجرأة على الأخ والصديق والنكوص عن العدو" فما بالك بالجرأة على الأب مهما كان اختلاف الابن معه .. وإينما كان وجه الحق في هذا الخلاف؟.

اقتربت الساعة وانشق القمر .. لهذا فلن أقول لشقيقك شيئا ولن أذكره إلا بأنه إنما على نفسه حسابها .. فإن أراد أن ينقذ روحه من جحيم الدنيا والآخرة فليعجل بطلب الصفح من أبيه ووصل ما انقطع بينه وبين أسرته وإن أراد غير ذلك فعليه دون غيره ما أراد .. أما كلمتي الأخيرة فإني أوجهها لك ولأسرتك رغم تقديري لآلامكم وعواطفكم الأسرية النبيلة .. لقد كان الامام على بن أبى طالب يقول أيضا : "إذا وضعت أحدا فوق قدره فتوقع منه أن يضعك دون قدرك " وأنتم جميعا يا آنستي قد وضعتم هذا الشاب فوق قدره فلم يحفظ لكم قدركم .. وأسهم أبواك إسهاما كبيرا في إفساده بتدليله وإشعاره بأنه مركز الكون, فلم يكن عجيبا إذن أن يعاملكم بهذه السادية وهذا النفور.

فكفوا جميعا عن محاولات "تأليهه" واسترضائه .. إلى أن تلقنه الحياة دروسها الثمينة فيأتي هو ساعيا إلى أبويه وطالبا صفحهما قبل فوات الأوان .. ولا لوم عليهما حينئذ أن صفحا عنه , ونسيا ما كان من أمره .. أما ما دون ذلك .. فليس سوى إعانة للدنيا عليه وليس إعانة له على الدنيا . والسلام.


نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" فبراير 1992

كتابة النص من مصدره / بسنت محمود

راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي


Neveen Ali
Neveen Ali
كل ما تقدمه يعود إليك فاملأ كأسك اليوم بما تريد أن تشربه غداً
تعليقات