الابتسامة الشاحبة .. رسالة من بريد الجمعة عام 1986
اكتب إليك هذه الرسالة .. لأسألك هل جربت أن تحيا تؤدي واجباتك بأمانة ولا تؤذي أحدا وتطلب من الله الستر ومع ذلك فإن هناك "غریما" لك يحاول أن يهدم حياتك ويسرق كل ما حققته بالكفاح و السهر ويزيحك من الوجود لكي يحتل مكانك ؟
إنني أعيش هذا الإحساس ليل نهار بلا جريرة وبلا ذنب مني، وسأقول لك كيف .
أنا سيدة في الرابعة والثلاثين من عمري جميلة هادئة ربة بيت أرعى الله مع زوجي وأولادي في كل أعمالي .. تزوجت زوجي وهو موظف صغير حاصل على الثانوية العامة فتفرغت له وساعدته على المذاكرة .. وذهبت إلى كليته بدلا منه انقل له المحاضرات واقترض له الكشاكيل واحضر بعض الدروس نيابة عنه وأعود فاشرحها وألخصها له ، وحرمت نفسي من كل متع الحياة لكي لا اشغله بشئ عن الدراسة فلا خروج ولا فسح ولا مطلب لي وللأولاد الذين جاءوا بعد فترة ، وتوج الله كفاحنا بنجاحه وحصوله على الشهادة الجامعية ، ونجح في إصلاح وضعه في الوظيفة وبدأ يستعد لمواصلة الدراسات العليا ، وكنت أنا صاحبه الفكرة بل ومن دفعه دفعا إلى ذلك ربما لأن الدراسات العليا كانت حلما من أحلامي .. إذ نسيت أن أقول لك أنني جامعية وأني تخرجت قبل أن أتزوجه وحين تزوجته تخليت عن مشروع استكمال الدراسات العليا , لکي أتفرغ له وأدفعه للحصول على الشهادة الجامعية .. والمهم بدأنا رحلة الدراسات العليا وواصلت الكفاح معه وشددت الحزام مرة أخرى لكيلا أكلفه بشيء وهو يحضر الماجستير ووفرت له الجو الهادئ لكي يدرس ويكتب وكنت احبس الأولاد في إحدى غرف الشقة لكيلا تتسلل إليه أصواتهم وهم يلهون واحبس نفسي معهم ما عدا لحظات أعد له فيها القهوة أو الشاي , أو اذهب إليه ليملى علي بعض المواد الدراسية حين يتعب من الكتابة .
أما المراجع فأنا أطوف المكتبات ابحث عنها وازور زميلات الدراسة القدامى لاقترضها منهن .. أو اذهب إلى مكتبة الجامعة في الصباح الباكر وانقل له صفحات بعض المراجع .
وفي احد الأيام نقلت له ۸۰ صفحة من کتاب کان يريده وعدت إليه بعد الظهر ويدی تؤلمني من الكتابة فلم يصدق وطار بی فرحا.
وهكذا مضت حياتنا .. لم يكن ينغصها بالنسبة لي بين حين وآخر إلا أن يغطس فجأة ويختفي بحجة أن عنده موعد عمل أو مع زميل دراسة فإذا عاد لم يستطيع أن يقنعني بجدية الأسباب ، كما بدأت اسمع من جاراتي وبعض أقاربي همسات عن أن له "اهتماما" خاصا بإحدى زميلاته في العمل، وأنه يقضي ساعات العمل كلها معها .. ويزورها في منزل أسرتها وأنه ينوي الزواج منها فرفضت أن أصدق كل ذلك .. ثم واجهته فتلعثم ثم نفی .. ثم قال أنها مجرد زميلة فأصررت على أن أراها وذهبت إلى الشركة التي يعمل بها ورأيتها .. ولن تصدق يا سيدي إذا قلت لك أني أجمل منها وأنه ليس بها ما يغري إنسانا لكي يهدم أسرته من أجلها ، وكدت أقول لها لماذا تريدين هدم عشي وأنا لم أؤذك ولا أعرفك لكني تماسكت ومضت الشهور تم تجددت الهمسات بقوة من جديد، فواجهته فبكى واقسم بان الأمر قد انتهى وأنه كان خطأ لن يعود إلية وأنه لا يفرط في ولا في أولاده , فبكيت وغضبت وخاصمته فترة ثم هدأت نفسي بعد قليل وقدرت له تمسكه بي وسامحته وفرح هو بصفحي عنه وعدنا نعمل بجد لإنهاء الرسالة .. ونسيت أنا الأمر كله خاصة بعد أن مر عام لم اسمع خلاله أية همسة جديدة عن الموضوع ولم الحظ عليه أي تغیر، وواصلت الليل بالنهار معه في إعداد الرسالة وتحدد يوم المناقشة .. وارتديت أجمل ملابسي وجعلت نفسي كأني في ليلة زفافي ودعوت كل أقاربي وأحبائي وزميلاتي لحضور المناقشة ورؤية زوجي الحبيب وهو يرد على أسئلة الأساتذة الممتحنين بالحجج والبراهين القوية , ثم تعلن اللجنة انسحابها لإصدار قرارها ثم تعود بالأرواب السوداء ليعلن رئيس اللجنة بكل فخر منح زوجي درجة الماجستير بتقدير امتياز مع مرتبة الشرف .
وذهبت وسط هالة من الصديقات والأقارب إلى قاعة المناقشة .. فإذا بي أجد غريمتي وسط هالة أخرى من الأقارب والأصدقاء تتصدر القاعة وتوزع الابتسامات على الجميع وتتلقى منهم التهاني وتتصرف كأنها صاحبة الفرح.
هل تتخيل حالي في هذه اللحظة .. حتى كفاحي معه جاءت لتسرقه وكأنها هي من ساعدت ونقلت المحاضرات وسهرت الليالي ترعاه وتخدمه ؟
لقد شحبت الابتسامة على وجهي حين رأيتها ولا اعرف كيف مرت اللحظات ولم اسمع شيئا من حديث زوجي ولا من المناقشة ولم افرح واللجنة تعلن نجاحه بتقدير جيد جدا ، وعدت إلى البيت مهزومة کسيرة الجناح ، ابعد كل هذا الشقاء يا سیدي وبعد كل هذه التضحيات يخدعني ؟ وماذا افعل معه وهو مصر على أن الأمر مجرد مجاملة من زميلة ، وأنه لا جديد في الموقف يبرر حزني, وقد انفصلت عنه ونقلت ملابسي إلى غرفة نوم أولادي وأفكر جديا في طلب الطلاق فما هو رأيك ؟
ولكاتبة هذه الرسالة
أقول :
ولكاتبة هذه الرسالة أقول :
لك كل الحق يا سيدتي في غضبك وحزنك وإحساسك بأنك مجروحة الكرامة دامية القلب .. فظهور غريمتك في هذه المناسبة التي صنعتها أنت بدمك ودموعك وأعصابك وصبر السنوات الطويلة "جليطة"، لا يمكن قبولها بسهولة ، ومؤشر أيضا يثير القلق في نفسك بعد أن اطمأننت إلى ابتعاد الخطر ، ورغم كل ذلك فلماذا لا نضع الأمر في حجمه الحقيقي ؟ إن زوجك مازال شريك حياتك ورب أسرتك ويحاول استعادة ثقتك فيه ، وهو لم يتزوج غريمتك ولم يهجر أسرتك ولم يتخذ أية خطوة في هذا الطريق ، والغريمة في النهاية زميلة في العمل وهناك احتمال لأن يكون قد دعا كل زملائه وزميلاته لحضور المناقشة، ودعاها ضمن من دعا حرجا أو تورطا ، ولعل من دواعي الاطمئنان أنه دعاها ولو كان مشروعه القديم مازال قائما لحرص على ألا يدعوها لكيلا يلفت نظرك إليه ، ولقد كان ينبغي عليها ألا تحضر حتى لو دعيت لكنها جاءت وقضي الأمر ، فهل نهدم المعبد من أجل ذلك لا يا سيدتي إننی أفضل أن تتجاوزي أيضا من هذا الخطأ ، وألا تنسحبي من المعركة بهذه السهولة فتقدمي لها زوجك على طبق من الفضة ؟
وغريمتك فيما يبدو من هذا النوع من النساء الذي يهوى الاستيلاء على الأشياء الجاهزة ولا يحب دائما إلا ما في أيدي الغير، وهو نمط موجود بكل أسف بين الرجال والنساء على السواء . وأمثاله يتلذذون بأن يتركوا الآخرين ينسجون لهم خيوط الحرير حتى تكتمل لوحة باهرة فينقضوا عليها على الجاهز.
فهل تقبلين أن تتخلي عما نسجت بصبر طوال السنوات الماضية كلا يا سیدتی دافعي عن حياته وعن سعادتك وأبنائك وعشك في وجه هذه العاصفة العابرة من جديد وكل العوامل صفك فأنت العطاء والأمومة والحب والشرف والفضيلة وهي قاطعة طريق تحاول قطع الطريق على سعادتك وسلب ثمرة كفاحك وعرقك ودموعك .. فلا تنهزمي أمامها ولا تسلميها سعادتك أبدا.. وزوجك فيما يبدو لي يعرف تماما أنه يملك قلبك ومشاعرك بذلك فقد استنام إلى استعدادك الأبدي للصفح عن أخطائه لكن مثل هذا النوع من الرجال يفيق غالبا من غية إذا ما استشعر الخطر على بنيان حياته .. ومثله لا يفرط فيك لانه يعلم تماما أن حبله السری موصول بك وليس بغيرك مهما ارتكب من حماقات .. فلعل هذه الحماقة تكون الأخيرة ولعله يرتدع فلا يحتاج إلى أن يقع الزلزال ويفقدك لكي يعرف بعد فوات الأوان كم كان محظوظا من الدنيا لأنها أعطتك له.
· نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" عام 1986
راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي

برجاء عدم النسخ احتراما لمجهود فريق العمل في المدونة وكل من ينسخ يعرض صفحته للحذف بموجب حقوق النشر