الوصية .. رسالة من بريد الجمعة عام 1995
أنا سيدة في
الثالثة والأربعين من العمر، تزوجت منذ عشرين عاما من شاب يكبرني بثماني سنوات
ويعمل موظفا بإحدى المصالح الحكومية، ولم يشأ لنا الله أن ننجب أطفالا لعقم زوجي،
لكني لم أفكر لحظة في الانفصال عنه، رغم تحريض أهلي لي على ذلك طوال السنوات
الأولى من زواجنا، وكان تقديري في ذلك هو أن زوجي إنسان طيب وعطوف وحنون و محبوب
من الجميع ويحبني حبا كبيرا ولا يتوانى عن محاولة إسعادي وإرضائي بكل السبل، فكيف
أحرم نفسي من عشرته الجميلة لسبب لا إرادة له فيه .
حتى زوجي نفسه عرض على
بعد بضع سنوات من الزواج وبعد أن صنع المستحيل لكي ينجب ویئس نهائيا من إمكانية
ذلك، أن ينفصل عني لكي أتزوج غيره وأنجب أطفالا، لكني نهيته عن العودة لهذا الحديث
مرة أخرى، وأكدت له أنني أحبه وأريده هو وليس أحدا غيره.. ثم إن حیاتی سعيدة ولا
أعرف معه سوى المرح والضحك والدلع وكل شيء جميل في الحياة، وهو رجل متدين ويعرف
حقوق ربه ولا يقصر معي في شيء .. فلماذا أهدم حیاتی وسعادتي من أجل أمر لم تشأه
لنا إرادة الله؟
لقد مضت بنا سنوات العمر
سعيدة بهيجة.. وتفاني زوجي في حبي والإخلاص لي، وبذل كل ما في وسعه للحصول على شقة
أوسع وأجمل وتطل على منظر ساحر، لكي ننتقل إليها وأسعد بالحياة فيها .. وكان يتنبأ
برغباتي وأمنياتي ويسرع بتحقيقها لی، وتفانيت أنا أيضا في حبه والإخلاص له، وتمنيت
من ربي أن تطول حياتنا معا حتى أسبقه إلى العالم الآخر.
ومنذ شهور مرض زوجی بمرض
مزمن لعين ظهرت عليه أعراضه فجأة، وبذلت كل جهدي لرعايته في مرضه ولازمته في مراحل
العلاج ليل نهار، ثم غدرت بنا الأيام فجأة واختاره الله إلى جواره، وماتت البهجة
التي كانت تظلل شقتي، وتغيرت الدنيا تماما من حولى، وبعد أن كانت زيجتي أسعد
الزيجات بين إخوتي، وجدت نفسي فجأة إنسانة وحيدة تماما، أعيش في مسكني الذي ما
زالت تتردد فيه أنفاس زوجي الحبيب وتتراءى لي فيه ذكرياته .
وبعد أسبوع من الوفاة
شارکتنی خلاله أمي الإقامة معي في مسکنی، نصحني الجميع بالعودة إلى العمل لكي
أنشغل به عن أحزاني .. لكن هيهات أن أستطيع ذلك یا سیدی، فأنا أرى زوجی خلال سيري
في الشارع .. وأراه في وجوه الجيران الذين كانوا يحبونه، وتعلق أملي في أن تبقى
معي أمي في مسكني الحالي لفترة طويلة، لكن أخي المتزوج لم يستطع الصبر على بقاء
أمي معي أكثر من أيام لأنه يعيش معها ومع أبيه وزوجته وأولاده وأخي الأصغر، ويريد
أن تعود أمي إلى بيت الأسرة الضيق المزدحم بسكانه لکی ترعى أولاده الصغار خلال
غيابه وزوجته في العمل، مع أن والدة زوجته تستطيع أن تقوم بنفس المهمة .. لكن كيف
تكون أمه على قيد الحياة ويرسل أبناءه إلى أم زوجته كما قال لي مستنكرا؟!
لقد راح شقیقی - سامحه
الله - يحرض أبي على إعادة أمي للبيت بدعوى أن ترعى شئونه .. وجاء إلى يتوعدني
بعقاب السماء لأنني أحتكر أمي لنفسي وأحرم أباه الشيخ من حقوقه عليها في رعايته .
فرجعت أمي إلى بيتها، ووجدت نفسي وحيدة تماما .. أجلس في مسکنی من الظهر حتى
الصباح.. أبکی نفسی و حیاتی وسعادتي التي ذهبت إلى غير رجعة، ولولا سيدة مسنة كانت
تقوم ببعض شئوننا في حياة زوجي، وكان هو يحنو عليها وعلى أولادها، لانهرت واستسلمت
للاكتئاب النفسي. فقد تطوعت هذه السيدة بأن تبيت معي إكراما لذكرى زوجي الطيب الذي
كان يعطف عليها، فأصبحت تأتي لقضاء الليل عندی وتخرج معي في الصباح، فأذهب إلى
عملی وتذهب هي إلى بيتها .. فإذا منعها مانع من المجيء اضطررت لقضاء الليل الطويل
وحدي .. أو ذهبت للمبيت لدى إحدى شقيقاتی المتزوجات حتى أصبحت أحمل معي دائما
کیستا من البلاستيك به فستان للبيت ومشط وفرشاة أسنان استعدادا للطوارئ، أما مسکن
أبي وأمي فهو يضيق بمن فيه، وذهابي إليه يزيد من معاناتي لأنه لا مكان لي فيه،
ولأن إخوتي الذكور يضيقون بحزنی وبكائي الدائم على زوجي ووحدتي، كما أنهم لا
يزورونني في مسکنی، وتمضي أيام الإجازات بي وأنا في وحدة قاتلة حتى تمنيت ألا
تتعطل المصالح الحكومية عن العمل أبدا في أية مناسبة دينية أو وطنية لكي أخرج
للعمل كل يوم وأجد من أتكلم معه، فلقد أمضيت يومي الإجازة بمناسبة شم النسيم وعيد
تحرير سيناء في أسوأ حال، حتى كدت أتكلم مع نفسي في الشقة الصامتة، وتكرر نفس
الحال يوم إجازة عيد العمال في أول مايو، ولم يحرص على زيارتي كل أسبوع والاهتمام
بأمري سوى شقيقة زوجي الراحل وبناتها الثلاث، فقد رحن يزرنی كل أسبوع ويحثها زوجها
على زیارتی ویزورني معهن، وشقيقة زوجي سيدة طيبة وحنون وكانت دائما تحبني وتوصي
شقيقها بي، بسبب حرماني من الإنجاب، وقد ازدادت عطفا على بعد رحيله عن الحياة، ولم
تنفك عن أن تعبر عن اعتزازها بي باعتباری من (رائحة المرحوم) ولأنني كنت له
الزوجة المحبة التي أسعدته ورعته طوال حياته وفي مرضه. فازداد
تبادل الزيارات بيننا، ولم يعد يمضى أسبوع إلا وتزورني أو أزورها في بيتها.
وذات يوم جاءنی زوج
شقيقة زوجی وفاجأني بأن قال لي: إنه قد رأى المرحوم في نومه وأنه أوصاه بی ورجاه
رجاء حارا أن يتزوجنی وألا يدعني أبدا لرجل غيره، لأنني كنت أتمنى الإنجاب في
حياته ولم يستطع أن يحقق لي هذه الأمنية، وزوج شقيقته هو القادر على الإنجاب مني،
كما أنه من ناحية أخرى يتمنى أن ينجب من جديد لأن بناته قد كبرن وهو يشتاق لأطفال
جدد في حياته .
ودهشت للمفاجأة ..
وصارحته بأنه أمر صعب لأنه سوف يحرجني إحراجا شديدا مع زوجته التي تحبني، وسوف
يحولها إلى خصم لی بعد أن كنا من أقرب الصديقات، كما أنه سيحول بناتها أيضا إلى عداوات
لی، وسوف يكرهني بشدة بعد أن كن يحببنی، فضلا عن أن أهلي سوف يعارضون هذا الزواج
ولن يوافقوا عليه .
لكنه لم ييأس وطلب مني
التفكير في الأمر، وأكد لى أنه سيتزوج مرة أخرى لينجب من جديد لأنه لم يشبع بعد من
الأولاد، سواء قبلت به زوجا أو رفضته.
وراح بعد ذلك يرجع إلى
كل بضعة أيام ليقول لي: إنه قد رأى المرحوم) مرة أخرى في الحلم وأنه قد كرر عليه
الوصية الغالية ، فأكدت له أنني على أية حال لا أستطيع أن أفكر في
هذا الأمر قبل أن يكتمل عام على الأقل على رحيل زوجي، فطلب مني أن أستغل فترة
الانتظار هذه في التفكير في الأمر وتقليبه على كل الوجوه، وسوف أجد نفسي في
النهاية موافقة عليه. ولدهشتي أنا قبل غیری یا سیدی فلقد وجدت نفسي أفكر في هذا
الأمر فعلا ليل نهار، فلا يشغلني خاطر غيره.. ووجدت نفسي أقول إنني أموت في وحدتي
يوميا وكل فترة تفاجئني نوبة مرضية، فتسرع السيدة المسنة لإحضار الطبيب الذي
يفسرها بأنها اضطراب في دقات القلب بسبب التوتر الشديد والحزن والاكتئاب والوحدة،
والسيدة المسنة التي تمضي الليل معي مريضة بأمراض عديدة وتعجز أحيانا عن الحضور
للمبيت معي، وإخوتي منشغلون عني بحياتهم وأبنائهم ولا أحد يزورني منهم إلا نادرا،
وحين أمرض يجيئون کالأغراب ویترکوننی لوحدتی بعد وقت طال أم قصر، والرجل الذي يعرض
على هذا العرض يعمل بوظيفة مرموقة وعلى أخلاق عالية، وهو الذي يحث زوجته وبناته
على زیارتی والاهتمام بأمری خاصة في المرض.. فهل يكون أمرا قاسيا فعلا لو قبلت
الزواج منه وتخلصت من وحدتي؟
إنني حائرة وتائهة ومشتتة
ولا أستطيع اتخاذ قرار صائب في هذا الأمر.. فهل ترشدني إلى الصواب؟
abdelwahabmetawe.blogspot.com
ولكاتبة هذه الرسالة أقول:
الأمر لا يستحق كل هذه
الحيرة والتشتت والمعاناة يا سیدتی" فالوصية" التي يحدثك عنها هذا الرجل
أكذوبة مفضوحة ولا تثبت أمام التفكير السليم، إذ كيف يقبل عقلك أن يصدق أن زوجك
الرجل الحنون العطوف الذي يعرف حقوق ربه جيدا لا يتخير من الرجال ليوصى به من
العالم الآخر زوجا لك إلا من تشقى شقيقته وتفجع فيه وفيك وفي الخير والوفاء
والإنسانية كلها حين تتزوجينه؟
إنها خرافة ساذجة ابتدعها
خيال هذا الرجل ليضفي بها طابعا ميتافيزيقيا وهميا على رغبته في أن يتزوج أرملة
صهره، بحيث يبدو عرضه لك وكأنه استجابة قدرية لنداءات غامضة من العالم الآخر، مع
أن الأشباح قد توقفت عن الظهور للأحياء وإبلاغهم برغباتها، وإشاراتها واجبة
التنفيذ.. لا في الواقع لأنها لم تكن تظهر فيه أصلا.. وإنما أيضا في القصص
والمسرحيات الكلاسيكية منذ ظهر شبح الملك القتيل لهاملت المعذب في رواية شكسبير
ليبلغه بتآمر أمه وعمه عليه لقتله لكي يجلس العم على العرش ويتزوج أرملة شقيقه!..
فكيف قبل عقلك إذن هذا الهراء إلا إذا كنت تخدعين نفسك تحت وطأة الوحدة والاكتئاب
وتريدين أن تصدقيه أملا في التخلص من معاناتك؟
إن الأحلام كما يقول لنا
علماء النفس : هي تعبير لا إرادي بالرؤية عن الرغبات المكبوتة في العقل الباطن
للإنسان، أما الرؤى التي تحمل دلالات جادة فقد اختص بها الله سبحانه وتعالى
الأنبياء وعباده الصالحين، الذين لا يمكن أن يتوسلوا بها لإقناع أرملة توفي عنها
زوجها منذ شهور بالزواج منهم وهذه الحقيقة وحدها تكفي لتجرید رغبة هذا الرجل في
الزواج منك من الوهم الميتافيزيقي الذي حاول تجمیلها به، أما حلم الإنجاب الذي لم
يتورع حتى عن استغلاله لإقناعك بالزواج منه، فهو خدعة أخرى لا تقل بشاعة عن الوصية
المزعومة، فأنت يا سيدتي في الثالثة والأربعين من العمر، ولم يسبق لك الإنجاب من
قبل، وبالتالي فإن فرصتك فيه إن لم تكن منعدمة فهي ضئيلة للغاية .. فما معنى خداعك
بهذا الحلم القديم.. إلا أن يكون تحايلا رخيصا عليك للاقتناع بالزواج منه؟
يا سيدتي .. إن من حقك أن
تبحثي عن حل لوحدتك ومعاناتك بعد رحيل زوجك، ومن حقك بكل تأكيد أن تتزوجي مرة أخرى
وتتعزى بحياة جديدة عن وحدتك وحرمانك من الأطفال، ولست في حاجة لأن تعتذري لأحد عن
رغبتك هذه ما دمت في حاجة ماسة إليها، لكن الدنيا من الناحية الأخرى لم تفق على
رحبها بحيث لا تتزوجين من بين كل الرجال سوى زوج شقيقة زوجك التي أحبتك دائما وحنت
عليك في وحدتك، وحاولت بإخلاص أن تبدد وحشتك وتهتم بأمرك هي وبناتها بعد رحيل زوجك
.. نعم لم تضق الدنيا بما رحبت حتى لا يكون مخرجك من وحدتك ومعاناتك إلا على حساب
تعاسة هذه السيدة وبناتها .. وهي التي لم تقدم لك سوى الخير والحب والعطاء
الإنساني منذ ارتبطت بشقيقها، كما أن هذا الرجل ليس آخر الرجال ولا هو أفضلهم
بالنسبة إليك، إذ كما رغب فيك ولم يمض على رحيل زوجك سوى بضعة شهور، فلسوف يرغب
فيك رجال آخرون لا يسقط ارتباطك بأحدهم اعتبارك لدى أسرة زوجك الراحل كلها، ولا
يكسبك زواجك منه عداوة من كن أقرب الناس إليك، ولا اعتراض أهلك واحتجاجهم عليك لما
سوف ينالهم من رذاذ هذا الزواج اللا إنساني. وهذا السبب يكفي وحده لأن ترفضي هذا
الرجل وتتكتمی عرضه عليك بالزواج عن أسرته، وتطلبي منه بحزم ألا يزورك مرة أخرى مع
زوجته وبناته، ومع ذلك فهو ليس السبب الوحيد لرفضه، وإنما هناك من الأسباب
والعلامات المخيفة ما يدعوك لرفضه والنجاة من براثنه ... منها أن هذا الرجل ليس
أهلا للثقة فيه أو الاطمئنان إليه، وأكذوبة "الوصية" التي
ادعاها على من لا نستطيع دعوته للشهادة على صحتها، دليل كاف على أنه مخادع ولا
يتورع عن استغلال كل الحيل والأساليب للتوصل إلى ما پرید ولو استعان بالموتي على
ذلك، ومنها كذلك أن من لا يقيم وزنا للجرح الغائر الذي سيتسبب فيه لزوجته وبناته
بزواجه من أرملة شقيق شريكة حياته وزوجة خال بناته، لا يمكن أن يكون الرجل الذي
تأمن إليه أرملة وحيدة مثلك تريد أن تجد لديه الأمان والاستقرار والحماية النفسية
بقية العمر، فمن لا يتورع عن إيلام أعزائه بلا مبرر بهذه القسوة التي تشككهم في
جدوى الخير ... والقيم.. والإنسانية باختياره لأرملة شقيق زوجته بالذات لکی
يتزوجها.. مثل هذا الرجل يا سيدتي الذي لا يتوقف أمام هذه الاعتبارات العائلية
والإنسانية لا يؤمن غدره، فكيف تأمنين أنت له؟ بل وكيف تتصورين حياتك معه إذا
اعترضتها بعض العقبات أو المشاكل التي قد لا تخلو منها حياة؟.. هل سيكون أحرص على
مشاعرك مما كان مع زوجته، وبناته؟ وهل ستأمنين معه على كرامتك ومشاعرك واستقرارك
عند الخلاف؟ -
إن الخلاف هو محك الأخلاق
الحقيقية للإنسان یا سیدتی، وليست أوقات الصفاء أو مرحلة الرغبة في الآخرين
والتودد لهم .. فنحن في أوقات الصفاء والرغبة في الآخرين كلنا ظرفاء ولطفاء
ومجاملون ورومانسيون، لكن من لا يخرجه منا الغضب والخلاف عن حدود العدل والأدب إلى
الفحش في القول واللدد في الخصومة والإيلام البدني والمعنوي هو وحده من نستطيع أن
نثق في أخلاقياته وقيمه ونطمئن إلى رومانسيته وعدالته وسمو أخلاقه .. فكيف تحكمين
على «أخلاقه العالية»، ومجرد تفكيره في أن يختارك أنت بالذات - من بين نساء
العالمين ليتزوجك - يدحض هذا الحكم وينفيه عنه؟
يا سيدتي .. إن رسولنا الكريم - صلوات الله وسلامه عليه - يقول لنا: «اطلبوا الحوائج بعزة نفس، فإن الأمور تجري بالمقادير».. وليس من عزة النفس أن يخدع الإنسان نفسه ويوهمها بما لا يصدقه عقله ليبرر لنفسه قبوله لما لا ينبغي له أن يقبله، وليس منها أيضا أن يضع نفسه موضع الانتقاص واللوم من جميع من حوله لكي ينال ما كان أسهل عليه أن يتعفف عنه حرصا على سمعته وكرامته واحترام الآخرين له.. وليس منها أخيرا وليس آخرا - أن يستثير على نفسه . کراهية من يحبونه وازدراءهم له، وما كان أسهل عليه أن يتفادى ذلك لو اعتصم بشيء من الصبر والحكمة.. والترفع عن الدنايا .
.jpg)
برجاء عدم النسخ احتراما لمجهود فريق العمل في المدونة وكل من ينسخ يعرض صفحته للحذف بموجب حقوق النشر