أحلام الرحيل .. رسالة من بريد الجمعة سنة 2002
حين نضيق بواقعنا نلتمس
السلوى عنه بالهروب إلى عالم الخيال .. وأحلام اليقظة هي إحدى الحيل النفسية
الشائعة للهروب من شقاء الواقع .. أو التنفيس عن الرغبات المكبوتة .. أو تحويل
النشاط الوجداني عما يضيق به الإنسان في واقعه إلي ما يطمئن به خاطره ويشعر
معه بوهم الارتياح والتعويض.
عبد الوهاب مطاوع
أكتب لك بعد تردد دام 3
سنوات كتبت خلالها عشرات الرسائل ولم أستطع أن أرسل لك رسالة واحدة منها
لخوفي من أن تقسو عليّ في ردك , وأيضا لغرابة ما سوف أعترف لك به.
فأنا سيدة من أسرة فوق
المتوسطة مكونة من بنات وبنين, وكنت دائما الابنة المدللة المحبوبة لتفوقي
الدراسي طوال مراحل تعليمي ولأدبي وهدوئي الشديد, ولأني كذلك لم أواجه أية
مشكلة أو ما يسبب لأسرتي أية مشكلة حتى في سنوات المراهقة, ومن هنا بدأت
مأساتي , فلقد عشت كل ما تفعله بعض الفتيات في هذا السن من علاقات ومقابلات
وأحاديث وأحاسيس الحب مع الشباب, ولكن بيني وبين نفسي فقط وفي أحلام يقظتي,
التي كانت تستغرقني يوميا بالساعات, واستمرت تلاحقني حتى نهاية المرحلة
الجامعية, حين ارتبطت بعلاقة حب جميلة مع زميل في كلية أخرى, وكانت قصة حب
علنية باركتها الأسرتان وأصبحت حديث الأصدقاء والمعارف, وتم الزواج في ليلة
سعيدة وتدفقت عواطفي الحبيسة طوال عمري على زوجي, وازداد حبي له وتعمق, وشعرت
دائما بأنني قد خلقت لزوجي هذا ولإسعاده, ورزقت منه بالبنت والولد, وكنت كما
تعودت طوال حياتي إذا واجهت مشكلة أو أزمة أعيشها قبل نومي في أحلام يقظتي
اللعينة وأحلم إنها قد حلت وانتهت.
وأنهض في اليوم الثاني هادئة وقادرة على
الاحتمال, ويتندر زوجي والأهل من قوة احتمالي وهدوئي .. وهكذا استمرت حياتي
الزوجية 10 سنوات إلى أن تعثرت أحوال زوجي المالية بشدة وفقد كل ما يملك, وأصبحت
أنا المسئولة الأولى والأخيرة عن شئون البيت والأبناء, واستمر هذا الحال 5
سنوات ولم تتغير أحاسيسي تجاه زوجي ولم يتغير عطائي وحبي له, بل كنت في بعض
الأحيان أغار من حبه لابنته, واستمرت تجارة زوجي في التدهور وأنا كما أنا في
ثبات وحب وتحمل للمسئولية يثير دهشة كل من يعرفنا, وذلك بسبب أحلام اليقظة
اللعينة التي عاودتني في أولى سنوات الأزمة فرحت أرى فيها أن زوجي استرد
تجارته وأصبحنا في أحسن حال, ثم تمادت هذه الأحلام حتى أصبحت أرى أنني تزوجت
من رجل آخر ثري ثراء فاحشا.. فلم أعد احتاج للعمل, وأصبح لدي من الخادمات
والطهاة والوصيفات ما يجعلني أمر فيطيع الآخرون, ونظرا لأن سيناريو أحلامي
اللعينة لم يتقبل فكرة أن أطلق من زوجي لكي أحصل على متعة هذا الزواج الوهمي,
فلقد تفتق ذهني عن تخيل وفاة زوجي ثم زواجي من بعده من هذا الشخص.
وطوال هذه السنوات الخمس
كانت ليلتي كل مساء تبدأ على الوسادة بتخيل وفاة زوجي وحبيبي وأبكي بكاء
شديداّ على فقدي له إلى أن أشعر بالألم في جميع أنحاء جسدي ثم أبدأ بباقي
الحلم اللعين وهو الزواج من بعده والخدم والحشم, ثم استغرق في نوم عميق
واستيقظ ليبدأ يومي التالي في منتهي الهدوء, وفجأة وبدون إنذار تعرض زوجي
وحبيبي لحادث فظيع توفى على أثره في الحال وأصبت بحالة من الجنون والذهول,
فسرها الأهل والأصدقاء بشدة حبي لزوجي, وأقسم بالله أنها الحقيقة, ولكنني يا
سيدي في داخلي كنت أحمل نفسي "مسئولية" وفاة زوجي, لأني قد
"أمته" طوال 5 سنوات أو "بشرت" عليه بذلك, إلى أن أصبح
حقيقة, وعندما أبكيه أتخيل إنني أمثل البكاء عليه لأني بكيته من قبل طوال خمس
سنوات, وأحسست نفس المشاعر طوال 5 سنوات, وكأنني أعيش رواية قديمة مكررة, أو
كأنني قتلته ولم يمت كما قدر له.
لقد أدمنت منذ رحيل
زوجي وحبيبي المهدئات, وعندما يقتلني الشوق إليه وأفتقد حبه وحنانه لي أتحدث
معه وأطلب منه السماح, لكن الندم يقتلني يوميا وأعجز عن النوم لإحساسي بالذنب
الذي اقترفته في حق زوجي وحبيبي, وأخيرا استجمعت شجاعتي وكتبت لك بعد أن قرأت
خلال الشهور الماضية قصص الزوجات الوفيات وحالهن بعد فقد الزوج, وأحسست بضآلة
نفسي, فكتبت لأنال شيئا من العقاب من خلال كلماتك, ولأعترف علنا وأطلب من
زوجي وحبيبي يرحمه الله أن يغفر لي إلي أن ألحق به إن شاء الله.
ولكاتبة هذه الرسالة أقول:
حين نضيق بواقعنا نلتمس
السلوى عنه بالهروب إلى عالم الخيال .. وأحلام اليقظة هي إحدى الحيل النفسية
الشائعة للهروب من شقاء الواقع.. أو التنفيس عن الرغبات المكبوتة.. أو تحويل
النشاط الوجداني عما يضيق به الإنسان في واقعه إلي ما يطمئن به خاطره ويشعر
معه بوهم الارتياح والتعويض.
وليس هناك إنسان لم تراوده
أحلام اليقظة ذات يوم.. أو من لم يهرب في بعض حالات ضيقة إلي عالم الخيال الوردي
التماسا للعزاء..
والمهم هو أن يعي الإنسان
دائما الحدود بين عالمي الواقع والخيال بحيث لا تختلط عليه الأمور, وألا
تستغرقه أحلام اليقظة فتحول بينه وبين التواصل السليم مع الحياة. بل إن عالم
النفس النمساوي سيجموند فرويد يرى أن مجال الحرية في أحلام اليقظة أوسع منه
كثيرا في أحلام النوم, وخاصة فيما يتعلق منها بما يسميه بأحلام الرغبات.
ففي أحلام اليقظة قد يستسلم
الإنسان لتخيل كل رغباته مهما كان شذوذها أو مخالفتها للضمير الأخلاقي,
ويستنيم لتخيل ذلك بعض الوقت, أما في أحلام النوم فإن رغبات اللاشعور كثيراّ
ما تصطدم برقابة وجدانية قد تؤدي إلي تشويه مادة الحلم وتحويلها إلي رموز أو
وقائع لا معقولة الحدوث, ولهذا تبدو بعض الأحلام كالألغاز المحيرة أو صعبة
التفسير – في حين تتجسد عادة أحلام اليقظة في مخيلة صاحبها صريحة وغير ملغزة.
وفي كل الأحوال فإن كل من
أحلام النوم وأحلام اليقظة قد تخفف "كما يقول الدكتور روبرت" عن
النفس بعض أعبائها وتطلق العنان لما يقوم الضمير الأخلاقي بقمعه عادة في
الأوقات الأخرى
وأحلام فقد الأعزاء سواء
أكانت في اليقظة أو في النوم من الأحلام النمطية الشائعة بين البشر. كأحلام
الارتباك من جراء العري في مجتمع عام, وأحلام دخول الامتحان بغير استعداد, أو
فوات موعده, أو تعذر وصول الإنسان إلي موعد مهم يتحدد فيه مستقبله أو مصيره
لأسباب خارجه عن إرادته ... إلخ.
ومعظم أحلام فقد الأعزاء
تعكس هلع الإنسان الشديد من فقدهم .. كتطبيق عكسي لمبدأ: كلما أزداد حبنا
أشتد خوفنا من أن نفقده ذات يوم, وبعضها يضيق فيه صاحبه بشدة هلعه من احتمال
فقد الأعزاء, فيتمثل لا إرادياّ رحيلهم عن الحياة.. ويكابد للحظات آلام
الفراق, فيبدو أمام نفسه وللحظات وكأنه كان يرغب بالفعل في التخلص منهم,
والحقيقة النفسية هي أنه قد أشتد ضيقه بخوفه من أن يفقدهم.. فأماتهم للحظات
في مخيلته لكي يبرأ من هذا الهلع عليهم و"يستريح" إيماناّ بأن
التسليم بأسوأ الفروض يطلق قدرات الإنسان ويحررها من الخوف والترقب. ولأنه لا
يعي غالبا دوافعه لهذا الخيال المحزن.. فإنه يشعر غالبا بالذنب تجاه هؤلاء
الأعزاء.. ويتهم نفسه بعدم محبتهم - وقد يتهم نفسه .. إذا رحلوا بالفعل
عن الحياة بعد حين- بأنه ليس صادق الحزن علي رحيلهم عن الحياة... ويكابد
الإحساس بلوم النفس علي ذلك والخجل منها, ومبرره لهذا هو انه قد سبق له
بالفعل أن "أماتهم" في خياله!
وفي ظروفك يا سيدتي فلا شك
في إنك تكابدين الإحساس بالذنب تجاه زوجك, لأنك قد سبق لك أن تخيلت رحيله عن
الحياة وزواجك من غيره, ورأيت في ذلك "حلا ورديا" ملائما لمتاعب
حياتك المادية معه في السنوات الخمس الأخيرة من حياته.
غير أن ذلك لا يعني أبداّ
أنك قد تمنيت بالفعل أو في قراره نفسك موته أو رحيله عن الحياة, وإنما يعني
فقط إنك قد ضقت بمصاعب الحياة المادية معه في السنوات الأخيرة ضيقاّ شديداّ
لم يحتمله وجدانك.. فلجأت إلي الهروب من هذا الضيق الشديد إلي عالم الخيال,
ووجدت الحل الأمثل لمتاعبك في الزواج من رجل ثري يعفيك من عناء العمل لإعالة
أسرتك, واصطدم هذا "الحلم" لديك بعقبة رئيسية هي أنك زوجة بالفعل
لرجل تحبينه, ولا تقبلين بالطلاق منه, لكيلا تتهمي أمام نفسك أو أمام الآخرين
بالتخلي عنه في محنته, ولأسباب مادية بحته..
فوجد خيالك "الحل
الأخلاقي" الذي يعفيك من لوم النفس ولوم الآخرين في رحيل هذا الزوج نفسه
عن الحياة بعد أن يستوفي أجله فيها, ثم زواجك من رجل ثري يقدم لك الحل المريح
لعناء الحياة.
وهو جموح في الخيال بالفعل
يخجل الإنسان من أن يعترف به لنفسه.. ويبرر له الإحساس بعدم الرضا عن النفس..
والشعور بالذنب تجاه من تخيل رحيلهم, لكنه يمكن التجاوز عنه في النهاية
وتفسيره بضغوط الحياة واعتيادك الهروب منذ الصبا من وطأة الرغبات المكبوتة
إلي تحقيقها في أحلام اليقظة, كما انه لا علاقة له البتة بأقدار زوجك ورحيله
الحزين عن الحياة, لأنها آجال لا شأن للأمنيات الطيبة أو غير الطيبة في
تقديمها أو تأخيرها عن مواعيدها المسجلة في اللوح المحفوظ, وفي الحديث الشريف
الذي رواه الشيخان وأبو داوود والترمذي وابن ماجة وأحمد والألباني , قال رسول
الله "صلي الله عليه وسلم"
"إن
الله تجاوز لأمتي عما حدثت به نفسها ما لم تتكلم وما لم تعمل به"
وأنت لم تتكلمي بمثل
هذا ولم تعملي به..
فاستغفري إذن لزوجك الراحل
على الدوام وترحمي عليه وأكثري من قراءة القرآن الكريم علي روحه.. ولسوف
تتخلصين من إحساسك بالذنب تجاهه وتطمئن نفسك تدريجيا.. أو بعد حين..
راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي

برجاء عدم النسخ احتراما لمجهود فريق العمل في المدونة وكل من ينسخ يعرض صفحته للحذف بموجب حقوق النشر