الفاصل .. رسالة من بريد الجمعة عام 1991
أنا مدير عام بإحدى شركات القطاع العام، تزوجت عام 60 من سيدة فاضلة وانجبت ابنتين تركت لها تقريبا تربيتهما لانشغالي بمشاكل قضائية استمرت حوالي 10 سنوات .. ولقد عشت مع زوجتي حياة روتينية هادئة لا تتجاوز في معظم الأحيان التردد بين البيت والعمل.
ومنذ 11 عاما زارتنا لأول مرة ابنة احدى صديقات زوجتي وكانت آنسة بلغت الأربعين من عمرها ولم تتزوج من قبل وطلبت مني الذهاب معها إلى احدى المصالح الحكومية لمساعدتها في إنهاء أمر لها ووعدتها بالمساعدة واصطحبتها في اليوم التالي للمصلحة الحكومية وتكررت اللقاءات بيننا حتى انتهى الأمر بأن تزوجتها زواجا عرفيا على غير علم أسرتها وعشت حياة مزدوجة في السر لفترة ثم أحست زوجتي بهذه العلاقة فراحت تتحرى شكوكها بهمة ونشاط حتى تأكدت منها وما أن تأكدت من صحتها حتى أقامت الدنيا وأقعدتها .. واشعلت ضدي حربا لا هوادة فيها وأصبحت هذه المشكلة هي قضية حياتها فراحت تسير في الشوارع وتتحرك بين الأهل والأصدقاء والجيران وتذهب إلى مقر عملي وتشكوني للجميع حتى وصلت إلى أهل الزوجة الثانية وأبلغتهم بما أخفته عنهم ابنتهم .. ولم تكتف زوجتي بذلك وإنما اشركت ابنتي في المعركة ضدي وحرضتهما على التحرش بي ودفعتهما إلى سبابي .
وأثارت لي زوجتي فضائح لا نهاية لها ثم تدهورت حالتها الصحية والنفسية من أثر انشغالها بهذه المشكلة منذ عامين ففاجائتنا جميعا بالخروج إلى شرفة الشقة وإلقاء نفسها منها بين ذهولنا .. فسقطت على الأرض وتوفيت على الفور رحمها الله وظللت طوال العام الماضي في حالة نفسية وعصبية سيئة وترددت على الأطباء مرارا حتى تحسنت حالتي الصحية قليلا .. فطالبتني زوجتي الثانية بالبحث عن شقة لها للاقامة فيها .. وعرضت عليها أن نقيم مع أمها التي تعيش بمفردها لكنها رفضت وأصرت على إيجاد شقة خاصة بنا .. فبحثت عن شقة وحصلت عليها منذ شهور .. وفي هذه الأثناء تقدم لابنتي الصغرى راسبة الثانوية العامة شاب وتمت خطبتها له، في حين أثار دهشتي رفض الكبرى خريجة الجامعة لأكثر من شاب حتى تأكدت من أنها على علاقة بشاب تنتظر تحسن أحواله المالية ليتقدم لها .
وبسبب هذه الأحوال التي استجدت على ابنتي بعد وفاة الأم بدأت أفكر في التخلي عن الشقة التي حصلت عليها مؤخرا لكي أبقى قريبا منهما ولا أتركهما وحدهما في شقة خالية .. وفكرت في نفس الوقت في أن أستقر مع زوجتي فرأيت أن الحل الأمثل الذي يحقق لي الهدفين معا هو أن أقيم مع ابنتي وزوجتي في نفس الشقة التي نعيش فيها على أن ابني فاصلا أو قطوعا داخل الشقة وانشئ حماما ومطبخا آخرين فيكون للبنتين جناح مستقل من الشقة ويكون لي ولزوجتي الجناح الآخر .. وهكذا أظل إلى جوار البنتين .. واستقر في حياتي الزوجية .. لكن المشكلة هي أن البنتين ترفضان زوجتي لاعتقادهما أنها قد تسببت فى قتل أمهما .. وقد فشلت في إقناعهما بعكس ذلك وفشلت في إقناعهما بقبول هذا الحل الذي يحقق لي رعايتهما .. والاستقرار الزوجي .. فما رأيك يا سيدي مع العلم أنني في أشد الحاجة للاستقرار ؟
ولــكــاتــب هــذه الـرســالـة أقـــول:
رأيي يا سيدي إذا كنت حقا مستعدا لتقبله هو أن تكف عن محاولة اقناع ابنتيك بقبول هذا الحل "الموفق" من وجهة نظرك .. وأن تؤجل "استقرارك" الزوجي عاما أو عامين آخرين وأن تستمر في ممارسة حياتك الزوجية كما تمارسها الآن وكما مارستها منذ زواجك السري الذي جر على أسرتك هذه المأساة الدامية ذلك أنك مهما حاولت فلن تقنع فتاتين مازالت آثار دماء أمهما على أرض الطريق الذي يطل عليه مسكنهما بقبول جوار سيدة كان ظهورها في حياتكم هو بداية المشاكل التي بلغت قمتها الدرامية بانتحار أمهما أمام ناظريهما .. فهناك حدود للاحتمال البشري لا يستطيع الانسان تجاوزها سواء أكان عادلا أم ظالما في موقفه من الآخرين .. ومطالبتك لهما بقبولها والحياة معها في نفس الشقة التي عاشت فيها أمهما يتجاوز حدود هذا الاحتمال .. ويكلف الأشياء ضد طباعها , كما يقول الشاعر فلا تكلف البشر فوق طاقتهم .. واصبر على استقرارك الزوجي حتى تتزوج ابنتاك وتستقر كل منهما أولا في عش زوجها .. وتبتعد الذكرى ثم افعل بحياتك بعد ذلك ما تشاء وادع زوجتك لو شئت للاقامة في مسكنك الحالي بغير فواصل ولا حواجز .. كما أنك تستطيع أن تساعد ابنتيك على النسيان والتسامح بطريقة أكثر فعالية وايجابية هي أن تحسن اعدادهما للزواج .. وأن تخصص ما خصصته للشقة الأخرى لتجهيزهما وتيسير الزواج عليهما وعلى الشابين الذين سيرتبطان بهما إذ ما يمنعك مثلا من أن تتعرف على هذا الشاب الذي تنتظره ابنتك ولن تتزوج غيره وأن تشجعه على التقدم إليها وتعينه على أمره ماليا بما يقصر على ابنتك فترة الانتظار ؟
إن هذا هو ما يزيل المرارة المترسبة في النفوس ويفتح الباب فيما بعد للنسيان وقبول زوجة الأب الجديدة إذ أنك لو فعلت فلن يكون ذلك بعيدا عن مباركتهما وموافقتهما .. ولسوف تعرف لها ذلك ابنتك وتتهيأن في المستقبل للتعايش معها .. وحتى لو لم يتعايشا معا فإنك تستطيع على الأقل أن تقول أنك قد أديت واجبك تجاههما على أكمل وجه ومن حقك بعد ذلك أن تهتم بحياتك الخاصة.
هكذا يكون _الهم بالعيال_ الذي قال عنه رسولنا الكريم "إن من الذنوب ما لا تكفره الصلاة ولا الصيام ويكفره الهم بالعيال ".
أما "الاهتمام"
بأمرهما ببناء "قطوع" داخل الشقة وارغامهما على جوار من انتحرت أمهما
قهرا وانهزاما أمامها فهو _اسمح لى _ شئ آخر لا يليق بقلمي أن يصفه .
نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" نوفمبر
1991
كتابة النص من مصدره / بسنت
محمود
راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي

برجاء عدم النسخ احتراما لمجهود فريق العمل في المدونة وكل من ينسخ يعرض صفحته للحذف بموجب حقوق النشر