السؤال المحير .. رسالة من بريد الجمعة عام 1993

 

السؤال المحير .. رسالة من بريد الجمعة عام 1993


السؤال المحير .. رسالة من بريد الجمعة عام 1993

 

أنا أحد تجار مدينة ساحلية تزوجت منذ 29 سنة وانجبت ولدين أكبرهما عمره الآن 27 سنة والأصغر عمره 17 سنة , وقد عشت طوال حياتي الزوجية سعيدا كل السعادة مع زوجتي فلم نكن زوجين بل عاشقين, وكان يوم عطلتي الأسبوعية عيدا يتكرر في حياتنا مرة كل أسبوع .. ومهما أطلت في الحديث فلن أستطيع أن أصور لك الحب الذي جمع بيننا والسعادة التي عشناها, ثم فجأة تغيرت زوجتي منذ فترة قصيرة وبلا مقدمات .. وكان التغيير في البداية محدودا ثم استفحل حتى فوجئت بها تترك بيت الزوجية لأول مرة طوال رحلة الزواج وتعود لبيت أهلها وذهبت إليها هناك لأصلح ما بيننا ففوجئت بها تطلب مني الطلاق!

حاولت أن أعرف السبب فلم أتوصل معها إلى شئ وحاول أهلها كثيرا بلا نتيجة, فذكرتها بالحب الذي جمع بيننا وبالسعادة التي نهلنا منها طوال سنوات حياتنا معا ما عدا الفترة الأخيرة, فإذا بها تلقي على رؤوسنا جميعا بمفاجأة لم تخطر على بال أحد منا, لقد قالت لنا السيدة المصون التي عاشرتها بالمعروف 29 عاما وأنجبت لي شابين طويلين عريضين , أنها تحب شابا في عمر ابنها الأكبر ومتزوجا وعنده أولاد وتريد أن تتزوجه ! وصعقنا جميعا وحاولت اثناءها عن هذا الفعل الطائش وذكرتها بواجبها تجاه أبنائها وتجاهي فصفعتني برد أكثر قسوة وهو أنني إذا لم أطلقها لكي تتزوجه فسوف "تفعل الخطأ" وسيكون له النهار ولي الليل ! كدت أسقط من طولي حين سمعت ذلك وتمسكت بالأمل في انقاذها بالرغم من هذا ونبهتها إلى أنه متزوج وعنده أولاد وفي سن ابنها وأنه حتي إذا تزوجها فسوف يزهدها بعد فترة قصيرة ويعود لزوجته وأولاده , فأجابتني بعناد أنها تعرف جيدا أن ما تفعله خطأ وأنها ستتشرد وستخسر كل شئ في الدنيا .. لكن هذا الشاب "في دمها" وهو قدرها .. ولابد أن تلبي نداء قدرها ! فهل سمعت بشئ مثل هذا من قبل يا سيدي؟

 

لقد فشلت كل الجهود معها .. وطلقتها وأنا في حال لا يعلم بقسوتها إلا الله سبحانه وتعالى وتزوجت "العروس" السعيدة أم الرجال الكبار من حبيبها بعد انتهاء العدة بيوم واحد, فهل تعرف كم طال هذا الزواج الغرامي السعيد, لقد طال خمسة أيام فقط لا غير وطلقها بعدها "العريس" الشاب الذي حل محلي وعاد لزوجته وأولاده .. وعادت هي إلى بيت أمها لتعيش منبوذة من الجميع وتتجرع الذل والهوان.

إن أمر هذه السيدة لم يعد يعنيني بعد أن داست على كل شئ في لحظة واحدة وفعلت ما فعلت لكن شيئا واحدا فقط هو الذي يشغلني وأكاد أجن بسببه .. وهو : لماذا ..لماذا .. لماذا .. لماذا .. لماذا .. لماذا .. لماذا .. لماذا ؟

إنني أسأل نفسي هذا السؤال المحير كل يوم ولا أجد له جوابا فهل عندك أنت جواب له ؟

 جميع الحقوق محفوظة لمدونة "من الأدب الإنساني لعبد الوهاب مطاوع"

abdelwahabmetawe.blogspot.com

ولـكــــاتـــب هـــذه الــرســالــة أقـــول :

 

لا جواب له عندي .. ولكن ربما نجد الجواب في "العهد القديم" الذي وردت فيه هذه العبارة :(سيبلونك الله بالجنون .. والعمى .. وذهول القلب ) !

نعم ربما يكون في هذه العبارة أقرب تفسير للعقل لما فعلت زوجتك السابقة فلاشك أن ما فعلته تجتمع فيه أنواع هذا الابتلاء المضاعف الثلاثة .. إذ أي جنون .. وأي عمى .. وأي ذهول للقلب أبشع من أن تستسلم زوجة وأم لشابين طويلين عريضين لأهوائها وهي في السن الحرجة وتطيح بكل شئ لتجري وراء سراب الحب مع شاب في عمر ابنها الأكبر ؟

لقد نالت عقابها المتوقع من الحياة في هذه القصة العجيبة فانصرف عنها شريكها بعد أيام من زواجها ولا غرابة في ذلك فلقد وجد بين ذراعيه إمرأة نصف متهالكة فأسرع بالفرار بعد أن قضى وطره من إمرأة لم تجعل له من سبيل إلى نفسها إلا بالزواج .. وما المشكلة في الزواج منها .. وهي سوف تتساهل معه في كل شئ فتتزوجه بلا مقدم ولا مؤخر .. لأنها سيدة "رومانسية" ولا تقيم وزنا لمثل هذه الأمور المادية .. إذا فليتزوجها زواجا ليس فيه من معاني الزواج السامية سوى اسمه .. وليطلقها حين يزهدها ويعود لزوجته وأولاده, والنتيجة طبيعيه تماما من جانب هذا الشاب لكنها ليست كذلك بالطبع لمن تتحدث عن "القدر" وندائه وتتحدى قوانين الحياة وأعراف المجتمع وتتزوج زواجا يحيط به رفض المجتمع وادانته واحتقار الآخرين.

 لقد خسرت كل شئ ودفعت ثمنا غاليا تستحقه بكل تأكيد فلا تشغل فكرك وعقلك بمن لم تشغلها واجباتها العائلية والإنسانية والدينية تجاه ابنين شابين .. وتجاه من عاشرها بالمعروف 29 سنة وكان يوم عطلته الاسبوعية عيدا متكررا عندها وكل ذلك في سبيل ضعف طارئ امتحنتها به الحياة فلم تستعصم ولم ترد نفسها عن غيها .. وإنما شربت كأس الخيال حتى الثمالة وهي تتوهم أنه من رحيق الجنة !

 نعم لا تشغل نفسك بالبحث عن الأسباب .. فهي وأسبابها لا تستحق لحظة واحدة من فكرك ولا من معاناتك رغم تقديري لمحنتك وآلامك كزوج وأب تحطم كل شئ أمامه في لحظات بسبب هبة رياح عاطفية أصابت زوجته وهي في سن الجلال والاحترام.

نعم دعها لنفسها .. ولعقابها العادل من المجتمع والأهل والأصدقاء .. وداو أنت جراحك بالصبر وابدأ إن شئت حياة جديدة مع سيدة تلائمك في العمر وتنال قبول ولديك واحترامهما إذا كنت راغبا في الزواج مرة أخرى .. أما إذا كنت قد اكتفيت .. فعش حياتك واستمتع بحب ولديك وبنجاحك في عملك وبمباهج الحياة الأخرى .

فالحق أنه ليس ذلك السؤال الذي يحيرك هو ما يشغلني وإنما يشغلني سؤال آخر هو :

.. أين كان ابنها "الطويل العريض" البالغ من العمر 27 سنة .. لماذا لم يبذل محاولة جادة لتذكيرها بحقائق الحياة ومنعها من اتمام هذا الزواج الفاضح ؟

 نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" يناير 1993

كتابة النص من مصدره / بسنت محمود

راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي

 


Neveen Ali
Neveen Ali
كل ما تقدمه يعود إليك فاملأ كأسك اليوم بما تريد أن تشربه غداً
تعليقات