طريق العودة .. رسالة من بريد الجمعة عام 1990

طريق العودة .. رسالة من بريد الجمعة عام 1990

                       طريق العودة .. رسالة من بريد الجمعة عام 1990

ترددت طويلا في كتابة هذه الرسالة لكن صديقة عزيزة نصحتني بأن اكتب إليك لثقتها الكبيرة في سداد رأيك وسأدخل في موضوعي مباشرة .. فلقد تزوجت منذ ست سنوات من ضابط شاب وبعد عام من زواجي أنجبت منه طفلا جميلا .. وفي العام الثالث من زواجي عمل زوجي في الفترة المسائية بمكتب مهني فتعرف فيه بفتاة تعمل به وأحبها ولم يعد يفكر في شيء سواها مع أن عمره ٣٣ سنة ولم يكن مراهقا ولا غرا في ذلك الوقت.


وبعد أن أحب زوجي هذه الفتاة أساء معاملتي إلى حد لا تتخيله وذقت منه كل ألوان العذاب والاهانة ، ولم يسمع لي حين نصحته مرارا بأن يترك تلك الفتاة لأنها ليست في حاجة إليه وإنما أنا وطفلي اللذان نحتاج إليه والى رعايته .. فعرفت أن حياتي قد انقطعت معه عند هذا الحد .. وطلبت الطلاق ونصحني أبي الذي لا يحب المشاكل بأن اترك لزوجي كل ما يطلبه لكي احصل على حريتي منه ، فتنازلت له عن طفلي كما طلب ولم نحتكم إلى القضاء ولم أتمسك بحقي في ضم طفلي الصغير إلى أن يبلغ سن حضانة أبيه .. فضم زوجي طفلي له وبعد أسابيع من الطلاق ذهب أبي إليه ليحضر لي طفلي لأراه واتفق معه على أن يحضره مرة كل أسبوع .. ومضى الحال على ذلك بلا مشاكل منذ ذلك الوقت. وبعد فترة قصيرة جدا من افتراقنا تزوج زوجي السابق من فتاته وأنجب منها طفلة أصبح عمرها الآن عاما ونصف عام ، ويعيش طفلي الآن حياة طبيعية مع أبيه وأخته الصغيرة وزوجة أبيه .. وشغلت نفسي بعملي عن سوء حظي وعن اجتراري لآلامي ومرارة الخيبة والألم .. لكن زوجي عاد الآن ولسانه ووجهه ينطقان بالندم ليطلب مني أن أعود إليه لأربي طفلي معه ، وأريد منك يا سیدي أن توجهني إلى الرأي السليم فالأصدقاء يرون لي أن ارجع إليه لتربية طفلي .. وأنا لا أحب أن أهدم أسرة جديدة لكي أعود إلى طفلي وزوجي الذي باعني ذات مرة ، وأريد أن أكون صريحة معك فأقول لك أني لم انس ولن أنسى فيما اعتقد إساءته ولا استطيع أن أسامحه .. وأسأل نفسي وأين کرامتي لو سامحته ؟ وقد احترت في أمري فقررت ألا اتخذ أي قرار في هذا الموضوع إلا برأيك فبماذا تنصحني ؟

 

ولكاتبة هذه الرسالة أقول :

مهمة صعبة .. وأمانة ثقيلة أرجو ألا أنوء بها.

على أية حال فإن رسالتك شديدة الإيجاز ولم توضح لي بعض الحقائق الهامة التي يصعب إبداء رأي صائب في المشكلة بغير معرفتها .. فأنت لم تشيري مثلا بكلمة إلى حقيقة مشاعرك تجاهه الآن وهل مازالت بك رغبة فيه أم لا بغض النظر عن إساءته إليك .. أو تعارض ذلك مع إحساسك بكرامتك وهذا اعتبار أساسي في المشكلة كلها ويغير كثيرا من أي حكم يصدر بشأنها .. كما أنك لم توضحي أيضا ماذا تعنين بقولك أنه عاد الآن يطالبك بالعودة إليه لتربية طفلك .. وهل يعني ذلك أنه سوف ينفصل عن الأخرى ويتفرغ لك نادما على ما كان أم أنه سيعيدك إليه مع استمرار حياته الأخرى خاصة وقد أنجب طفلة صغيرة لا ذنب لها في شئون أبيها العاطفية ومن حقها هي أيضا أن تنشأ بين أبوين غير منفصلين ؟ إنه وضع معقد وأكثر ما يثير جنوني في أمثال هذه القصص المتشابكة هو تسرع الآباء في الإنجاب في كل مغامرة عاطفية يتورطون فيها فيحولون بذلك القصة العابرة إلى مأساة إغريقية لابد لها من ضحايا إذا أرادوا تصحيح الأوضاع وندموا على ما كان من أمرهم وكثيرا ما يفعلون .. فلم لا يتروون قليلا في الإنجاب قبل أن يتأكدوا من صمود مشاعرهم للزمن ؟ إنها قصة أخرى لا شأن لك بها .. وما يهمنا من أمرك الآن هو أن عليك وعلى كل إنسان يواجه اختيارا صعبا في حياته أن يسأل نفسه دائما هذا السؤال : هل لدي اختيار أفضل من المعروض علي رغم أنه لا يحقق لي كل ما أتمناه ؟ وهل أحس أن بعض سعادتي الحقيقية ستكون في هذا الاختيار وإن لم يرضني تماما بأفضل ما ستكون في اختيار آخر ولو كان مرضيا لى بشكل عام

هذا هو السؤال یا سیدتي فاسأليه لنفسك .. واحصلي منها على الإجابة الصادقة عنه واتخذي قرارك على أساسها .. فليس يعرف أحد نفسك وحقيقة مشاعرك وحقيقة رغائبك كما تعرفينها أنت . فإذا كان لي أن أضيف إلى ذلك شيئا فهو أن بعض السعادة الحقيقية أفضل من كل زيف .. وأن في نشأة طفلك بينك وبين أبيه في حياة مستقلة حتى مع استمرار حياته الأخرى أفضل كثيرا من نشأته بين أبيه وزوجته، لأن الأم هي التي تشكل التكوين النفسي للأبناء واحتياجهم إليها خاصة في السنوات الأولى من حياتهم أضعاف احتياجهم إلى الأب ، ونشأة طفل بين أحضان أم كاملة له ورعاية نصف أب أفضل كثيرا من نشأته بين أحضان نصف أم وأب كامل .. لأن الأب مهما أراد لا يستطيع أن يعوض طفله عن احتياجه لأمه ولا يستطيع أن يقدم إليه ما تقدمه له الأم .

فاستفتي قلبك وعقلك وضميرك وصالح طفلك في ضوء كل ذلك .. واختاري لنفسك ما تشائين .. وشكرا على ثقتك الغالية.

نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" يوليو 1990

راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي

 

Neveen Ali
Neveen Ali
كل ما تقدمه يعود إليك فاملأ كأسك اليوم بما تريد أن تشربه غداً
تعليقات