السيمفونية الناقصة .. رسالة من بريد الجمعة عام 1984
مشكلتي رغم أنها شخصية إلا أنها تواجه غيري من السيدات .. لذلك فسأروي لك قصتي كاملة وأطلب منك مساعدتي في حلها .
تزوجت بعد تخرجي من الجامعة مباشرة وعشت مع زوجي ۱۰ سنوات كاملة من أحلى فترات العمر كان زوجي لي خلالها هو كل شيء بالنسبة لي .. وكان محور حياتي الذي أدور في فلكه .. إن ضحك ضحكت وإن تألم تألمت وإن شرد شردت معه أحاول أن أغوص في أفكاره .. وأعرف ماذا يشغل حبيبي أو ماذا يكدره وأنا على استعداد لکي أقدم عمري کله لکي أحجب عنه ما يكدره .
مضت حياتنا سعيدة كانت لنا حياة اجتماعية مليئة .. بيتنا لا يخلو من الزائرين .. وأمسياتنا تشهد زیارات عائلية سعيدة للأصحاب والأهل .. وفي أمسيات الخميس نخرج للسهر في إحدى دور السينما في مدينتنا الجميلة الإسكندرية أو للعشاء في أحد المطاعم .. لم يكن ينقصنا شيء .. لا بل كان ينقصنا شيء هام لكننا لم نكن نحس به إلا في نظرات بعض الأهل بين حين وآخر وإلا حين يشرد حبیبي بأفكاره بعيدا عني فأخشى أن يكون هذا الشيء الناقص هو ما يشغله .
كان ينقصنا الإنجاب .. وكنت المسئولة عن ذلك لكننا صدقني كنا نحيا حياة سعيدة كاملة لا ينقصنا شيء ولم يكن هو يشير إلى هذا الموضوع من قريب أو بعيد .. بل كان يبالغ في تهيئة الجو السعيد حولي إذا استشعر أي تغير في خوفا من أن يكون هذا الموضوع هو شاغلي.
وفجأة .. وقع الزلزال وبلا مقدمات .. كيف ؟ لا اعرف فبلا مقدمات استسلم فجأة لبكاء والدته وإلحاح والده وبدون أي تمهيد نفسي أو عاطفي وجدت نفسي مطلقة فقد صمم أهله على أن يطلقني لكي يستطيع أن يتزوج ممن تنجب له أطفالا وكانت الصدمة شديدة علي هدت كياني وأفقدتني توازني وثقتي بالحياة وبنفسي .
ماذا جنيت حتى تنهدم حياتي من أساسها ؟ الأطفال ؟ ومتى رفضت أن يكون لي أطفال ؟ وأين هي الزوجة الطبيعية التي ترفض أن يكون لها أطفال ؟ .. لكني لم أخلق عجزي بنفسي وإنما هي إرادة الله فماذا جنيت ؟ ألا يكفى عذاب حرمان المرأة من الطفل .. حتى نضيف إليه عذاب الطلاق وهدم حياتها ؟ .. لقد مضى الآن عام على الطلاق ومازلت أبكي بحرقة كلما تذكرت ما آل إليه حالي فبعد البيت الخاص أصبحت أعيش الآن مع أمي المسنة وأختي التي على وشك التخرج، وبعد الحياة الاجتماعية الحافلة والزيارات واستقبال الزائرين والخروج ، تمضي الأيام لا يطرق علينا الباب طارق .. إنني موظفة كبيرة بإحدى شركات القطاع العام بالإسكندرية .. وقد تلفت حولي فوجدت نفسي في الثامنة والثلاثين من عمري .. مطلقة بلا أمل .. وبلا ذنب ففكرت في أن اكتب إليك عسى أن تدلني على طفل يتيم ليس له أهل لأقوم بتربيته وأتخذه لي ابنا يكون لي فيه بعض العزاء عن غدر الأيام وقلة الوفاء ولكي يصبح لحياتي معنى وهدف أعيش من أجله فهل تساعدني في ذلك ؟.
** وأقول لهذه السيدة :
نعم أستطيع أن أساعدك وأن اكتب بعنوانك ورغبتك إلى بعض معاهد الأيتام بالإسكندرية لتتصل بك وترتب معك هذا الأمر ، وهو تفكير إنساني عظيم .. لكن هل هذا هو الحل السليم لمشكلتك ؟ تستطيعين أن تتبني طفلا وأن تفرغي فيه عاطفة الأمومة لكنه سيبقى هناك دائما شيء ناقص سيكدر حياتك .. فلماذا لا تطوين صفحة الماضي وتبدئين حياة جديدة مع زوج ملائم لا يرغب في الإنجاب كمطلق له أولاد أو أرمل له أولاد ؟ لقد كانت لك حياة سعيدة لكنه كان يؤرقها دائما هذا الشيء الناقص .. وهو الذي هدم حياتك مع زوجك .
فلا تصدقي يا سيدتي أن رجلا يحب زوجته ويجد لديها كل سعادته يمكن أن يستجيب لإلحاح أب أو أم في طلاقها ؟ إن الرجل إذا لم تتوافر لديه بواعث الطلاق من داخله هو لا من خارجه فإنه لا يقدم على هذه الخطوة أبدا إرضاء لأحد .
لقد كان الشيء الناقص يؤرقه هو نفسه قبل والديه لكنه كان يجد تعويضا كافيا لديك عنه إلى أن اشتدت وطأته عليه .. فضعف واستجاب لما كان يلح عليه من داخله .
ولا أريد أن أظلمه .. فأنا لا أعرف كل حيثيات قراره .. ونحن نتعامل مع المشاكل من جانب واحد .. ولا نسمع عادة صوت الطرف الآخر .. لكنني فقط أقول لزوجك السابق إنك لو كنت سعيدا فعلا مع زوجتك السابقة ثم طلقتها لا لشيء فقط سوى هذا السبب وحده .. فأنت يا صدیقي لم تعرف الحياة جيدا .. ولم تعرف أن السعادة الكاملة من كل الوجوه لم تخلق بعد على ظهر الأرض .. ولم تعرف أن السعادة نسبية وأن الدنيا تعطي أشياء وتأخذ أشياء أخرى .. وأن الدنيا هي غالبا كالسيمفونية الناقصة .. لا تكتمل أبدا فإذا كان ما أعطته لنا كافيا فمن البلاهة أن نعذب أنفسنا بالتطلع إلى ما حرمتنا منه .. خاصة وأننا لا نعرف تماما هل سنجد سعادتنا فيما نطمح إليه أم لا .. وهل لو فقدنا ما بأيدينا جريا وراء ما نحلم به .. هل نخسر أم نكسب ؟
فإذا كنت قد طلقت زوجتك لهذا السبب وحده فقد ظلمتها وظلمت نفسك لأنك فيما أتصور لن تجد لدى غيرها كل هذا العطاء .. ولأنك لا تعرف ماذا تخبئه لك الأيام والليالي .. والليالي كما يقولون حبالى يلدن كل عجيب ! لقد سبقك إمبراطور عظیم الشأن هو شاه إيران السابق إلى هذه المغامرة فطلق في الخمسينات زوجته الثانية الإمبراطورة ثريا على حبه الشديد لها ورغم جمالها الباهر .. طلقها وهو يبکي و مضطرا ، كما يقول معظم من يقدمون على هذا التصرف ولنفس هذا الدافع ! لأنه حريص على أن ينجب وليا للعهد يرث العرش ويحفظه في أسرته ، فتم له ما أراد فعلا وأنجبت له زوجته الجديدة أكثر من وريث للعرش .. لكن العرش نفسه قد اندثر تحت هم براكين الثورة الإيرانية ، وضاع العرش ولم تعد هناك حاجة لمن يجلسون عليه !
إننا ننسى كثيرا أنه لو علمتم الغيب لاخترتم الواقع .. وننسى في أحيان كثيرة أن علينا أن نسلم بما اختاره لنا الله في أشياء كثيرة .. فيجرنا هذا النسيان إلى أخطاء عديدة تتعس حياتنا من حيث نريد أن نجنبها التعاسة .. وقد نسي زوجك كل ذلك فكانت هذه المحنة .
راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي

برجاء عدم النسخ احتراما لمجهود فريق العمل في المدونة وكل من ينسخ يعرض صفحته للحذف بموجب حقوق النشر