الضغط المعنوي .. رسالة من بريد الجمعة عام 1999

 

الضغط المعنوي .. رسالة من بريد الجمعة عام 1999

الضغط المعنوي .. رسالة من بريد الجمعة عام 1999

أنا سيدة في الثامنة والعشرين من عمري على قدر من الجمال وجامعية ، ومن أسرة ميسورة ، وقد تعرفت منذ عشر سنوات على شاب يكبرني بخمس سنوات من أسرة كريمة ووالده رجل أعمال ، فجمع بيننا الحب .. وتخرج في كليته ومارس الأعمال الحرة وتخرجت أنا أيضا ، وتقدم لطلب يدي وتزوجنا بالرغم من المصاعب التي واجهتها من أسرتي .. وبدأنا حياتنا الزوجية معا منذ ثماني سنوات وسعدنا بها وازداد حب كل منا للآخر .. غير أن الشهور مضت ولم تظهر في الأفق أية بشائر للحمل والإنجاب ، فبدأنا رحلة الطواف على الأطباء بعد عام من زواجنا ، فإذا بالأقدار تخبيء لنا مفاجأة غير متوقعة ، فيعرف زوجي من الطبيب أنه لن يستطيع الإنجاب .. وصارحني زوجي بهذه الحقيقة فور علمه بها .. وابدی لی رغبته في أن يعفيني من الارتباط به لكيلا يحرمني من الأمومة فرفضت أنا هذه الرغبة بشدة .. وأكدت له أنني أريد أن أعيش حياتي إلى جواره إلى اليوم الأخير فيها ، فهو يحبني بإخلاص ، كما أنه إنسان محبوب من كل من حوله ويتمتع بسمعة طيبة ، وعشنا حياتنا معا .. لكن شيئا مهما كان قد تغير في شخصيته بعد أن تكشفت له الحقيقة ، فلقد أصبح عصبي المزاج ، وأصبحت طلباتي منه تثير المشاكل بيني وبينه لأنه بدا يشعر بأنني أضغط بها عليه بسبب مسألة الإنجاب إلى أن غضبت منه ذات يوم وتركت بيتي إلى بيت أسرتي والتف حولي أهلي وأحاطونی باهتمامهم ومعاملتهم الطيبة فشجعني ذلك على الابتعاد عن زوجي لفترة أطول ، وبعد فترة من الاتصالات بين أسرتي وزوجي ومحاولاته للصلح وافقت على العودة إلى البيت بشروطي التي رفضها من قبل ، وكنت أعرف أنه سوف يقبل بها في النهاية لأنه يحبني.

 

 ومضت بنا الحياة هادئة بعد ذلك لمدة 3 سنوات ثم غضبت مرة أخرى ولجأت إلى بيت أهلي وراح زوجي يحاول بكل طريقة ممكنة إعادتي إلى البيت فكانت أسرتی تنصحني بالتروي وبأن أفكر بعقلي وليس بقلبي الذي يحبه بجنون ، خاصة أنه من النوع المحب المخلص وكريم إلى حد الإسراف في بيته ويفعل كل صغيرة وكبيرة لإرضائي ، وبعد محاولاته التي طالت هذه المرة عدت إلى منزلي مرة أخرى بشروطي وشروط أسرتی وهي أن نحاول إجراء بعض الفحوص والعمليات التي تساعدنا على الإنجاب ، وقبل زوجي ، وأجرينا الفحوص رغم تكاليفها الباهظة واكتشفنا أن هناك بعض الأمل وأجرينا عملية حقن مجهري وبعد نجاح العملية طبيا تخلق داخلي أول جنین لي ، لكن إرادة الله كانت فوق كل شيء ولم يكتمل الحمل ، وأثر علينا ذلك بالفعل وضاقت بنا الحياة حتى وصلت إلى طريق مسدود ، وبلغ بی الحال إلى أن طلبت منه الطلاق ، فرفض لأنه كان متفائلا بالمستقبل ، أما أنا فلم تعد لي طاقة على الصبر والتفاؤل ، وصممت على طلب الطلاق بالرغم من محاولاته المستميتة للاستمساك بي ، وكانت نصيحة أسرتي لي أنني ما دمت أرى في الطلاق خيرا لي فإنهم لا يمانعون فيه لأنهم يريدون راحتي نظرا لأنني الابنة الوحيدة المدللة .

 

 وحين يئس زوجي من عدم استجابتي لمحاولاته وافق على الطلاق وكان كريما معي في طلاقی لأنه متدين ويخشی ربة .. وبعد الطلاق حاولت أن أشغل نفسي بعمل فوفقني الله في عمل جيد ، ولقد مضت الآن عدة شهور على طلاقي وأعيش في بيت أسرتي وألقى منها المعاملة الكريمة ، لكني بالرغم من ذلك كنت انتظر من زوجي أية محاولة أخرى لاستعادتي لأنني أشعر بالفعل أنه تنقصني نفسي وتنقصني أشياء كثيرة بالرغم من التفاف أسرتي حولي ، فأنا أشعر الآن بوحدة قاتلة وأريد أن أعود إلى زوجي لكن كبريائي يمنعني من هذا ، وأنا أعلم أنه يحبني وهو من قراء هذا الباب وأرجو أن توجه له ندائي .. فلقد أصبحت مطلقة معذبة بنار حبي لزوجي الذي تنازلت عنه بسهولة ، وإذا كانت هناك نصيحة فإني أرجو أن تنصحنا بها وأسأل الله أن يغفر لي ولزوجي ما فعلناه من أبغض الحلال .

 

ولكاتبة هذه الرسالة أقول :

لو كنت تحبينه "بجنون" حقا كما تقولين عن نفسك، لما رغبت أبدا في مفارقته لمجرد فشل عملية الحقن المجهري في حل مشكلة الإنجاب لديكما ، ولما سددت عليه كل أبواب الرجاء حتى لم يجد بدا من التسليم برغبتك في الطلاق وهو كاره ، لقد أسرفت على نفسك هذه المرة يا سيدتي في ممارسة الضغط المعنوي عليه لكي يستجيب لشروطك في كل خلاف بينكما ، وتعاملت مع تجربة الطلاق ، كما تعاملت من قبل مع تجربتيك السابقتين في هجره واللجوء إلى بيت أهلك والاستمتاع بحدبهم عليك ، في الوقت الذي يبذل فيه زوجك المساعي لاسترجاعك ويقبل في النهاية بكل شروطك ، فلعلك قد تصورت حتى بعد أن تمسكت بالطلاق منه وحصلت عليه أنه لن يمضي وقت طويل حتى يكون قد بدا محاولات استعادتك ، وتجددت الاتصالات بينه وبين أسرتك وراجعك الأهل في هذه العودة .. فتتمنعين قليلا في البداية ثم تملين شروطك التي لابد أن يقبل بها لعودتك إليه للمرة الثالثة .. وكل ذلك ليس من الحب العاقل أو الجنوني في شيء .. فمن يحب إنسانا لا يفرط فيه .. ولا يستمریء الضغط المعنوي عليه الذي يصل أحيانا إلى حد ابتزازه عاطفيا لإخضاعه وإملاء الشروط عليه .. ولا يغالي كذلك في تقدير نفسه فيرى أن من حقه أن يتمرد ويتدلل ويهجر ومن واجب من يحبه أن يسعى .. ويتذلل .. يمتهن نفسه لكي يستعيده .

 

لقد كان الرجل أمينا معك منذ البداية وصارحك بحقيقة حالته الصحية، ورغب في إعفائك من الارتباط به لكيلا يحرمك من الأمومة، ورفضت أنت ذلك لكن شيئا قد تغير في علاقتكما بعد اكتشاف هذه الحقيقة فأصبح كما تقولين عصبي المزاج ، ويستشعر في طلباتك منه شبهة الابتزاز المعنوي له بحالته الصحية وقبولك للحياة معه دون إنجاب ، فأين الخطأ في ذلك يا سيدتي ومن الذي يتحمل مسئوليته ؟ هل يتحمله هو ، وهو الذي لا ذنب له في أقداره ، ولم يخف عنك شيئا منها ؟ أم تتحملينه أنت وقد استشعرت فيما يبدو أنك قد أصبحت الطرف الأقوى في العلاقة فاستمرأت الهجر وإملاء الشروط ، وانتظار السعي من جانبه لإرضائك واستعادتك ؟.

 

لقد أثبتت لك التجربة هذه المرة أن هناك حدودا لما يقبله المحب على كرامته ولو كان متيما بحب الطرف الآخر .. وراغبا فيه بكل جماع نفسه .

كما أثبتت لك أيضا ما سبق أن أكدته مرارا من أنه لا قيمة لنا إلا لدى من يحبوننا ونحبهم ويحرصون علينا ونحرص عليهم وأننا نفقد الكثير من أسباب الجدارة الشخصية إذا نحن أسرفنا في الضغط على هؤلاء فضاقوا بنا وتحرروا من أسرنا ، فنعرف حينذاك أننا بالنسبة للآخرين لسنا سوى بشر من البشر لا نتميز عنهم بشيء .. ولا نستشعر معهم العزة أو تقدير الذات .

 

فأية كبرياء هذه التي تقولين بعد كل ذلك أنها تمنعك من العودة إلى زوجك مع أنك. "كما تقولين" تفتقدينه وتفتقدين نفسك بعد انفصالك عنه؟

ولماذا تنتظرين أن تجيء خطوة الإصلاح هذه المرة أيضا من جانبه وهو الذي لم يخطئ في حقك ولم يرغب في انفصالك عنه ولم يقصر في محاولة إرضائك طوال عشرته لك ؟..

إن الأمانة تطالبنا إذا أخطانا في حق أحد بأن نعترف له بهذا الخطأ ونعتذر له عنه .. فلماذا لا تعترفين له بخطئك في حقه واعتذارك له عنه ، ورغبتك في استئناف الحياة معه على أسس جديدة لا ضغط نفسيا فيها ولا ابتزاز.

أم ترى أنك مازلت تريدين "بعد أن ذقت مرارة الوحدة والفشل" أن يرجع إليك من موقع الضعف واستجداء المشاعر الذي تفضلينه له !

يا سيدتي إما أن تعدلي من أفكارك عن العلاقة الزوجية وتسلمي بأقدارك في عدم الإنجاب تسليما حقيقيا وليس مفتعلا وتكفي عن ممارسة لعبة القوة والضغط المعنوي على شريكك السابق وتستأنفي علاقتكما برضا صادق عن حياتك معه .. ودون أي إحساس داخلي لديك بمسئوليته عن أي نقص في حياتك ولا بأنه مطالب بأن يعوضك عن هذا النقص بالاستجابة بكل رغباتك وطلباتك ، وإما أن تدعيه لنفسه وأقداره .. وتبدئي أنت حياة جديدة مع غيره .. والسلام !

 ·       نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" عام 1999

راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي


Neveen Ali
Neveen Ali
كل ما تقدمه يعود إليك فاملأ كأسك اليوم بما تريد أن تشربه غداً
تعليقات