رسالة في الفجر .. رسالة من بريد الجمعة عام 1984

 

رسالة في الفجر .. رسالة من بريد الجمعة عام 1984


رسالة في الفجر .. رسالة من بريد الجمعة عام 1984

 

اكتب اليك هذه الرسالة وقد اقرب الفجر وأنا ساهر قلق معذب لا أعرف كيف أتصرف ولا كيف أحتمل الحياة بعد الآن.

فأنا شاب أحمل شهادة متوسطة ومتزوج من زوجة طيبة تحبني وأحبها كانت موظفة بإحدى الشركات بمرتب صغير وكنت وقتها موظفا في شركة أخرى بمرتب مماثل ، وكنا نعيش في سعادة رغم ضيق الحال لكن مشكلتنا الأساسية كانت إننا لا نملك شقة بل نسكن في غرفة مفروشة أحيانا وفي شقة مفروشة صغيرة أحيانا أخرى لذلك يلتهم الإيجار دائما معظم ما نكسبه ، ورغم ذلك كنا سعداء نقتسم الرغيف ونشتري الأشياء الضرورية من الملابس الرخيصة والالتزامات معا.

 

ومضت حياتنا سعيدة رغم كل شيء حتى جاء يوم التقيت فيه عن طريق أحد أصدقائي بشخص صاحب أعمال شكا له صدیقي ما أعانيه أنا وزوجتي من متاعب الحياة فبدا التأثر على وجهه وعرض علي أن أعمل في منشأة يملكها عملا إضافيا بعد الظهر فرحبت وشكرته كثيرا وبدأت العمل معه ، كان عملا حسابيا بسيطا أقبلت عليه بإخلاص فرضی عني وعن جهدي ثم بعد فترة وبعد تزايد اعتماده علي عرض علي أن أستقيل من عملي بالقطاع العام وأن أعمل معه بمرتب 150 جنيها وأن تستقيل زوجتي وتعمل معي ب 60 جنيها ولم نتردد طويلا واستقلنا بالفعل وعملنا معه وبدأ الجحيم الذي مازلت أعيش فيه حتى الآن .

 

فلقد رأيت من الرجل صورة أخرى لم تتح لي الظروف أن أراها من قبل .. ودعني أحدثك قليلا عن صاحب العمل .. لقد بدأ حياته موزعا للسجائر بالتريسكل ، يطوف بالشوارع لبيع السجائر للأكشاك ثم جاءت أزمة سجائر البلمونت في الستينات ، وكانت السيجارة الأولى في مصر فتاجر فيها في السوق السوداء  وربح ربحا فاحشا ، فاشترى متجرا صغيرة تاجر فيه في كل الأصناف الشحيحة في السوق، كالسجائر و الصابون وقت أزمة الصابون .. وكانت هذه هي بداية ثروته وخلال ۱۱ سنة فقط تحول موزع السجائر بالتريسكل إلى مليونير وانقلبت حياته رأسا على عقب واشتری منشأة كبرى وأدارها بنجاح لاينکر .. ثم اشترى غيرها وغيرها واعذرني إذا اعتذرت عن تحديد نوع نشاطه لكي لا يعرف انه المقصود.

 

تسألني أين المشكلة فأقول لك إن هذا الرجل مصاب بعقدة عجيبة ضد الناس وبالذات حملة الشهادات ويصب حقده عليهم دائما وبالرغم من أني أحمل شهادة متوسطة فهو يعتبرها فيما يبدو شهادة وينالني منه عذاب كثير فهو يتسقط الأخطاء ثم يطلق صوته الجهوري بأبشع كلمات السباب والتقريع ، وهو دائما ويحاول أن يثبت أنه الذي يقرأ ويكتب بصعوبة يفهم أكثر من أي متعلم وهذا كله محتمل لأنه يخصه وحده أما غير المحتمل فهو أنه يتعمد أن يهينني أمام زوجتي في العمل بلا أي ذنب وبلا مناسبة ليكسر نفسي أمامها ولا يفعل ذلك معي وحدي وإنما مع الجميع لذلك يتركه

موظفون كثيرون ولا يستقر معه أحد وبعضهم رد له الصاع صاعين أما أنا وزوجتي وقد تركنا وظائفنا من أجله فأين نذهب ؟ وهو حزمة متناقضات متدين لكنه يسب ويلعن ويهين وقد يطردنا أيضا ثم بعد ساعات يرسل إلينا من يستدعينا وهو يعترف بأني مخلص ومجتهد في عملي لكنه لا يكف أذاه عني وحياتي مع زوجتي قد أصبحت رهينة بمزاجه اذا شاء نغص علينا حياتنا وإذا شاء مر اليوم بسلام فنعود إلى البيت سعداء وإن كان يندر ذلك.

وهو يتلذذ باهانتي أمام ضيوفه ولقد أهانني اليوم اهانة بالغة حتى لقد بكت زوجتي وأقسمت على أن نترك العمل مع هذا الرجل ولو متنا من الجوع ونامت هي باكية وظللت أنا ساهرا فما رأيك ؟

 

وأقول لكاتب هذه الرسالة :

رأیی بساطة انك لست رجلا .. ولو كنت كذلك لما قبلت هذه الإهانات اليومية من حيوان جاهل مريض النفس يعاني من مركب نقص تجاهك وتجاه كل من يحس بجهله أمامهم .. ففيم تفکر أيها الرجل ؟ إنك شاب وفي مقتبل العمر وفي أتم صحة لكنك تعاني كل يوم من الإهانات والتجريح بلا بسبب ويحترق دمك كل يوم عشرات المرات.

 تسألني ماذا افعل ؟ كنت أظن أن لست في حاجة إلى مشورة أحد لتختار إنقاذ ما بقي من كرامتك .. وما بقي من رجولتك أمام زوجتك وتنجو بنفسك وبها من هذا المستنقع ؟.

بل ولماذا سمحت لهذا الوغد بأن يتطاول عليك من البداية .. ولماذا لم ترد عليه الاهانة من أول يوم .. بل لماذا لم تصفعه حين أهانك أول مرة أمام زوجتك إرضاء لعقده ونفسه المريضة ولو تحملت أية نتائج تترتب على ذلك ؟. صدقني إنك لو فعلت لما خسرت الكثير بل لكسبت احترام زوجتك التي أحس أنها أكثر نخوة منك ، لقد فهمت من رسالتك وما لم أنشره منها أنك قد اكتسبت خبرة طيبة في هذا المجال من العمل .. إذن فإنك تستطيع أن تجد عملا آخر فيه ولو بمرتب أقل .. ولو في مدينة أخرى ، لكنك قبلت الهوان .. ومن يهن يسهل الهوان عليه !. فانج بنفسك وابحث عن عمل آخر ، فأرض الله واسعة ولا تستجب لطلب هذا الحيوان لو أرسل إليك .. فهو إن فعل فسيفعل لكي يفرغ فيك وفي زوجتك كل عقده لأنه يعلم أنكما قد ارتبطما به إلى الأبد بعد ترك الوظيفة ويشعر باحتياجكما إليه أكثر من غيركما لذلك فهو يختصكما بالقدر الأكبر من سفالته وسوقيته وسوء تربيته ، وهذه العوامل كلها تتفاعل داخله مع ثراء فاحش مفاجئ أطاح بعقله فأثمرت هذه الشخصية المريضة ، فلا تنتظر منه أن يتغير أو أن يصبح إنسانا مهذبا في يوم من الأيام ا فالثراء وحده لا يصنع إنسانا مهذبا وإنما تصنعه التربية السليمة والقيم الدينية والخلقية وصاحبك والحمد لله مجرد من كل ذلك !.

ثم أين هو هذا الدين الذي تحكي عنه .. وأي تدين هذا الذي يسمح لصاحبه بأن يمتهن کرامة إنسان وإيذائه كل يوم والرسول عليه الصلاة والسلام قد استعاذ بالله من ثلاثة هي : ذل الحاجة وغلبة الدين وقهر الرجال ، والرجل يستغل فيك بوحشية ذل الحاجة ويقهر فيك الرجل .. ويتلذذ بتعذيبك بسادية مريضة واضحة ، إنه قاتل يا صديقي وحسابه مع الله عسير عن جرائمه ولكن إلى أن يسوي الله معه حسابه وهو لابد فاعل إن شاء الله انج بنفسك من هذا الجحيم وسوف يوفقك الله إلى رزق آخر غير مغموس في الهوان كهذا الرزق الذي تطعمه الآن .

 ·       نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" عام 1984

راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي


Neveen Ali
Neveen Ali
كل ما تقدمه يعود إليك فاملأ كأسك اليوم بما تريد أن تشربه غداً
تعليقات