الحكم النهائي .. رسالة من بريد الجمعة عام 1994

 

الحكم النهائي .. رسالة من بريد الجمعة عام 1994

الحكم النهائي .. رسالة من بريد الجمعة عام 1994


أكتب إليك هذه الرسالة ونحن في شهر رمضان المبارك لما في هذا الشهر من ذكريات تتعلق بالقصة التي سأرويها لك. فأنا محاسب شاب اعمل بمدينة ساحلية وأسرتي مكونة من خمسة أشقاء وثلاث شقيقات، وقد تزوج أبي صغيرا وعمل بشركة بترول بمدينتنا الساحلية وهو في الثامنة عشرة من عمره، واتخذ لأسرته كبيرة العدد مسكنا من 4 غرف وواصل كفاحه الشاق لإعالتنا وتعليمنا حتى اجتاز ثلاثة منا الثانوية العامة والتحق أخي الأكبر بكلية الحقوق والتحق أخي الأوسط بكلية الزراعة والتحقت أنا بكلية التجارة في حين واصل إخوتنا دراستهم في مراحل التعليم المختلفة وواجه أبي مشكلة نفقات تعليمنا الجامعي الباهظة وناء كاهله بالمسئولية الثقيلة، ففوجئنا به ذات يوم يتقدم إلى رئيس مجلس إدارة الشركة التي يعمل بها بطلب قرضا ليواجه به نفقات دراستنا الجامعية الباهظة فرفض رئيس الشركة طلبه

رفضا نهائيا وتحدث إليه بجفاء جرح مشاعره .

 

وكان من بين ما قاله له أنه إذا لم يرض عن رفض طلبه فإنه يستطيع ترك العمل في الشركة إذا أراد.. وأحس أبى بالإهانة بعد أن أمضى في الشركة ۲۷ عاما وضاعف ما يعانيه من ضيق وكرب لتلبية مطالبنا من أزمته النفسية فما كان منه إلا أن قدم إلى رئيس الشركة على الفور طلبا بإحالته إلى المعاش المبكر وعمره 45 عاما فقط فلم يفهم رئيس الشركة ظروفه النفسية والاجتماعية وإنما قبله على الفور وابلغه بذلك وعاد إلينا أبي مهموما وأبلغنا بما حدث فعاتبناه برفق وحاولنا أن نخفف من ضيقه وطلبنا منه أن يكتب طلبا آخر بالعدول عن رغبته الأولى، مراعاة لظروفنا فرفض بإصرار في البداية ثم استجاب لضغطنا عليه في النهاية وكتب طلب العدول وسلمه للموظف المختص بالشركة، وواصل عمله.. وبعد أسبوع واحد فوجىء بعدم النظر في طلب العدول وبخروجه إلى المعاش المبكر.

 

وسلمته الشركة مكافأة نهاية الخدمة البسيطة.. فتسلمها قانطا وقام بتوزيعها علينا لكي نستعين بها على تكاليف الدراسة ورتب حياة إخوتنا الصغار وبيته بقيمة المعاش الذي يتقاضاه وفي هذه الأثناء قرأ أخي طالب الحقوق في كتب القانون أن رفض طلب العدول يعتبر تعسفا في استعمال الحق واقنع أبي بمقاضاة الشركة لإعادته إلى عمله وأقمنا دعوى ضدها في عام ۱۹۸۲ واستمرت القضية في المحاكم 11 عاما

كاملة.. ما بين حكم ابتدائی واستئناف وأحكام أخرى بأحقية أبي في فروق المرتب على المعاش المتأخر... إلخ.

فعاش أبي هذه السنوات الطويلة وهو في حالة نفسية ومعنوية مضطربة يتجدد أمله أحيانا ويقترب من بلوغ هدفه.. ثم يتأجل الحكم ويضطر للانتظار من جديد حتى لم يعد له من شاغل في الحياة إلا الحكم لصالحه وعودته لعمله وزملائه الذين زاملهم معظم سنوات العمر خاصة وأنه كان محبوبا بينهم لصفاء قلبه وحلاوة لسانه ونماء سريرته وتدينه.

 

 وقد حكم لصالحه لكن الشركة استأنفت الحكم وفي ليلة صدور الحكم النهائي في الاستئناف نهض أبي من نومه مبكرا وصلی الفجر، وروى لي في الصباح أن هاتفا باطنيا قد هتف له وهو يصلي : وعزتي وجلالي لأنصرنك، فاستبشر بذلك وأمل خيرا .. وبشرته أنا أيضا بكسب القضية إن شاء الله وبالفعل صدر الحكم النهائي لصالحه وفرح بصدوره فرحة طاغية وسافر سعيدا مع والدتي إلى القاهرة لتنفيذ الحكم وتسلم العمل وقبض فروق المرتب المتأخرة.. وبلغت فرحته بعودته لعمله عنان السماء.. وبدأ يذهب إلى عمله صباح كل يوم بأتوبيس الشركة كما كان يفعل قبل إحالته للمعاش.. وارتفعت روحه المعنوية للقمة واستقبله زملاؤه بالحفاوة مرحبين بالحاج الطيب الذي

ظلمه رئيس الشركة السابق ۱۱ عاما .. وكنا نحن الأبناء الكبار قد تخرجنا خلال ذلك من كلياتنا وعملنا ولم يبق من إخوتنا في التعليم إلا

اثنان.

 

 وقد ساهم مبلغ الفروق المتأخرة الذي قبضه أبي في حل معظم مشاكلنا .. وابتسمت الحياة للأسرة المترابطة التي كافح أبي كفاح الأبطال لإعالتها وتعليم أفرادها وبعد 40 يوما فقط من عودة أبي إلى عمله رن جرس التليفون في البنك الذي أعمل به ودعيت إلى الذهاب إلى الشركة حيث يعمل أبي لأمر هام فذهبت إلى هناك على الفور.

 

 واستقبلني أحد زملاء أبي ثم قادني إلى مسجد الشركة فإذا بی أري أبي الطيب ممدا على نقالة ومغطى وإذا بي أتلقى كلمات العزاء والمواساة في فقده.. واعرف من زملائه أنه قد جاء إلى العمل في الصباح فحيا زملاءه باستبشار وابتهاج ووقع بالحضور ثم صعد إلى مكتبه فما أن دخله حتى سقط على الأرض بلا مقدمات وفارقت روحه الحياة على أرض المكتب الذي ظل ۱۱ عاما يتعلق بالأمل في أن يعود إليه. ورحل أبي عن الدنيا في مثل هذه الأيام من شهر رمضان الماضي وهو صائم.. ومات في عمله الذي كان يحبه وعمره 55 عاما وبعد أن كافح كفاح الشرفاء على أولاده كبارهم وصغارهم ولم أنتبه إلى مغزی دعائه حين حصل على الحكم النهائي حيث ظل يردد مع فرحته وابتهاجه " اللهم أجعل هذه الفرحة خيرا لنا ولا تجعلها شرا علينا" إلا وأنا أراه أمامي ممدا في نفس المسجد الذي كان يؤذن فيه منذ عودته لعمله .. فعرفت أنه كان يستكثر الفرحة على نفسه ويتوجس مما سيليها من خطوب.

 لقد أردت أن أروي لك قصته تكريما له في ذكراه الأولى

رحمه الله.. وتذكيرا للآخرين بالا يظلموا أحدا .. حتى لا يبددوا أعمار المظلومين في محاولة استرداد الحقوق .. فإذا ما استردوها يكون العمر قد انقضى في المعاناة ولم يبق منه ما يتمتعون فيه باستعادة الحقوق. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

ولكاتب هذه الرسالة أقول :

قدر الإنسان أحيانا ألا يبلغ آماله في الحياة إلا وهو يتسمع لحن الوداع الحزين فيزداد إحساسا بالمرارة ويتساءل متحسرة : ما جدوى بلوغ الآمال وقد حان وقت الرحيل !

إنها لحظة للتأمل في مفارقات الحياة ومأساويتها تجدد الإحساس بالشجن.. كلحظة سقوط العدّاء عند مشارف خط الوصول وبعد أن قطع الشوط كله وأوشك على الاحتفال بالنجاح .. أو كلحظة مجیء التكريم متأخرا بعد أن يرحل الأعزاء ويصبح الإنسان وحيدا لا يجد من يتحدث معه عنه أو يبتهج له معه أو كاللحظة التي يصدق فيها أحيانا ما يقوله الكاتب المسرحي الفرنسي جان آنوي في فلسفته المتشائمة من أنه كثيرا ما تكون أسعد لحظات حياة الإنسان هي نفسها اللحظة التي يفقد فيها هذه السعادة .. لكن لماذا نستسلم معا لهذه التأملات الحزينة.. ونتناسى الجانب الآخر من القصة؟

 

لقد بلغ أبوك في النهاية آماله رغم مفارقة وفاته بعد 40 يوما فقط من عودته للعمل الذي ظل ۱۱ عاما يحلم بالعودة إليه.

 صحيح أن العمر لم يمهله طويلا ليسعد بما حققه لكنه قد حققه وهو الأهم.

نعم لقد جاء إليه الحق متأخرا والعدل البطيء كالظلم العاجل كلاهما مؤلم للنفس ومدمر لإيمان الإنسان بخيرية الحياة، لكن العدل قد جاء على أية حال واتسع العمر رغم قصره لأربعين يوما رضی خلالها المظلوم عن نفسه وأحس بجدارته بما نال واسترد اعتباره بین الآخرين، وفي ذلك بعض العزاء بكل تأكيد فعسى أن يستفيد البعض من رسالتك هذه ويتخفف بعض المتعنتين من تعنتهم لكيلا يهدروا حياة الآخرين في دفع الظلم وانتظار العدل الذي قد ينقضي العمر بغير أن يجيء وقد يجيء بعد فوات الأوان وفي الأجواء تتردد أنغام الرحيل فيتضاعف الأسى.. وتتجدد الأشجان.. وشكرا لك.

 ·       نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" عام 1994

راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي

 


Neveen Ali
Neveen Ali
كل ما تقدمه يعود إليك فاملأ كأسك اليوم بما تريد أن تشربه غداً
تعليقات