سهرة عائلية .. رسالة من بريد الجمعة عام 1994
روح الإنسان تحارب التعاسة والشقاء بوسائل مختلفة .. ومن هذه الوسائل أن نكيف آراءنا وحياتنا بما يتلاءم مع الواقع الذى فرض علينا حتى ولو كرهناه .. وأن نتقبل متغيرات الأيام مهما كانت مؤلمة بروح عملية نتجاوز موقف التجمد أمام ما يؤلمنا والاكتفاء باستنكاره والتعجب منه إلى مرحلة الحركة والبحث عن حلول لمعاناتنا ومشاكلنا، شأننا فى ذلك كما يقول الفيلسوف الفرنسي ديكارت_شأن من يضل الطريق فإنه يُنصح بألا يتوقف حيث اكتشف فقده للطريق وإنما فى السير إلى الأمام فى خط مستقيم ذلك أنه لم يصل إلى غايته فسوف يصل على الأقل إلى نقطة أفضل من تلك التى توقف فيها حين ضل الطريق.
عبد الوهاب مطاوع
أكتب إليك رسالتي بعد أن قرأت رسالة " الحلم الجريء " للسيدة التى كافحت لتبنى لنفسها مسكنا مستقلا عن أبويها ، فتنازل الأبوان عن مسكنهما لشقيقها ليتزوج فيه وانتقلا للإقامة معها فى شقتها و تشكو من ضيوفهما وافتقادها للخصوصية .. وأروى لهذه السيدة ولك قصتي مع الحياة .. فلقد نشأت يتيمة الأبوين أعيش مع أختين وشقيق أنا أكبرهم فى رعاية خالى .. وحين شارفت على السادسة عشرة من عمري زوجني خالي لشاب يكبرني ب 15 عاما ، وأنا مازلت تلميذة بالمرحلة الإعدادية ولم أعترض على هذا الزواج ولم أنزعج له بل وجدت فيه تخفيفا عن خالي الذى تحمل مسئوليتنا بعد وفاة أبوينا ، وانتقلت إلى بيت زوجي بنفسية لم تعرف من الدنيا سوى الآلام ومستعدة لتقبل كل ما تأتى به الحياة من خير أو شر . وواصلت تعليمي فى المدرسة الإعدادية وأنا فى بيت زوجي ، وبعد ثمانية شهور فقط من الزواج اكتشفت أن لزوجي طفلة عمرها 5 سنوات من زوجة سابقة انتقلت إلى رحمة الله .. فلم أغضب لذلك بل ضممتها إلى بيتى .. ووجدت فيها صورة مكررة من طفولتي كطفلة يتيمة فأغدقت عليه من حنانى وعطفى ولم تختلف علاقتي بها عن علاقتي بإخوتي الصغار ، فكنت ألعب معها وأشعر بأن زوجي هو أبونا نحن الاثنتين .
ورضي زوجي عن ذلك .. و اطمأن خاطره من هذه الناحية .
وخلال عامين من زواجي أنجبت طفلا ثم طفلة ، وأصبحت أسرتي مكونة من ثلاثة أطفال صغار قبل أن أبلغ التاسعة عشرة ولم يبخل علي زوجي بشىء وساعدنى فى مواجهة الحياة وساعد إخوتي أيضا فى تعليمهم فواصلوا التعليم حتى حصلوا على شهادات متوسطة وعملوا ، وحصلت أنا أيضا بعد بضع سنوات على شهادة متوسطة وعملت بإحدى الهيئات الحكومية ، وبعد أن كبر أبنائي قليلا عدت للدراسة من جديد وتقدمت لامتحان الثانوية العامة منازل وحصلت على الشهادة والتحقت بإحدى كليات التجارة .
ثم تعرض زوجي فجأة لحادث تصادم مروع أصيب فيه بإصابات بالغة وتحطمت سيارته التى كان يعتمد عليها فى العمل بمشروع للنقل مع إخوته . وفقدت أسرتي موردها الأساسي وأصبح مرتبي الصغير هو مورد الدخل الوحيد لنا وأجريت لزوجي عمليات جراحية عديدة خرج بعدها إلى البيت وبقى فيه شهورا طويلة عاجزا عن الخروج للعمل . وحزنت لما أصاب زوجي من غدر الدنيا وتذكرت له ما قدمه لى ولإخوتي حين كان قادرا على الكسب والعطاء ، خاصة وهو لم يتزوجني فقط وإنما تولى تربيتي أيضا وتربية إخوتي بعد ارتباطه بى ، فنهضت لأرد له دينه على وعلى إخوتي ولم أدع عملا صغيرا أستطيع أن أقوم به لتوفير بضعة جنيهات دون أن أفعله ، وكلما أعوزتنى الحاجة بعث شيئا من أجهزة البيت المنزلية حتى أتيت عليها جميعا وعلى بعض الأثاث أيضا وتعلمت الخياطة لأوفر بضعة جنيهات أخرى ، وبدأت أتعلم الإنجليزية والكمبيوتر لأستطيع أن أجد عملا إضافيا بعد الظهر أكمل به احتياجات زوجي وأولادى . وذات يوم احتجت إلى بضعة جنيهات وضاقت بى الحياة فغادرت بيتي وقت الأصيل إلى الفكهانى القريب لأقترضها منه ، ورأتني سيدة فاضلة من جيراننا فى هذا الموقف والجميع يعرفون ظروفي ، فعرضت علي مساعدتي عن طريق زوجها فى إيجاد عمل لى فى الخارج حتى يسترد زوجي صحته ويخرج للعمل وصدقت السيدة فى وعدها ، فبعد شهور وفر لى زوجها بالفعل عملا كموظفة بمستشفى خاص بإحدى الدول العربية وتقدمت بطلب أجازة دون راتب للهيئة التى أعمل بها فرفضته .. فلم أتردد فى السفر معرضة نفسي للفصل بسبب الغياب وقلت لزوجي إننى لا أريد منه أن يرهق نفسه بأى عمل خلال سفري بل وألا يغادر بيته حتى لا يتعرض لمكروه بعد العمليات الجراحية العديدة التى أجراها ، وسوف أرسل إليه من مقر عملى كل ما يزيد على احتياجاتي الضرورية هناك ، وسافرت إلى مقر عملى وادخرت كل قرش استطعت ادخاره ومارست الخياطة لزميلاتي فى المستشفى بأجر بسيط وبدأت أرسل لزوجي بانتظام مبلغا شهريا إلى جانب ما يتجمع لدى من مدخرات حتى استطاع شراء أثاث جديد للبيت وكل الأجهزة الضرورية التى بعناها خلال المحنة . وعدت فى الأجازة بعد عام طويل بالهدايا لزوجي وأولادى وسعدت برؤيتهم ، لكنى أحسست بأن زوجي مرهق بأعمال البيت وخدمة الأولاد الصغار التى يقوم بها وحده وأن ملابس الأطفال ليست نظيفة .. ونظافتهم الشخصية ليست كما أحب فقررت أن أرتب لهم خلال غيابى خدمة أسبوعية منظمة عن طريق سيدة أردت ألا تكون مجرد شغالة بالمعنى المعروف ، وإنما ربة بيت محترمة وتحتاج إلى زيادة دخلها عن طريق هذا العمل .. وتستطيع أن تحضر إلى بيتى مرة فى الأسبوع فترعى أولادي وتغسل ملابسهم وتعد لهم طعام الأسبوع ، وبحثت عن مثل هذه السيدة حتى وجدتها فى شخص أرملة من أقارب بعض جيراننا واتفقت معها على أداء هذا العمل .. واسترحت لما لاحظته عليها من أمومة وحنان بأولادي ، فضلا عن مظهرها الراقي . وسافرت مطمئنة إلى راحة زوجى ورعاية أولادى ، وفى بداية العام التالي أرسلت لزوجي حوالي سبعة آلاف جنية ليجدد بها سيارته جمعتها من الخياطة والمرتب وادخار الجمعيات مع زميلاتي ، وواظبت بعد ذلك على إرسال المبلغ الشهري المنتظم ، وقرب نهاية عامي الثاني فى العمل تعرضت لمشكلة طارئة سببها باختصار زوج السيدة صاحبة المستشفى الذى ظهر فجأة بعد مرضها ليقوم بعملها نيابة عنها .. ولم يعجبه " تزمتى " الأخلاقى معه فحنق على و استصدر أمرا بترحيلي فى نفس اليوم ، وقبل سفري ساعدني رجل مصري فاضل يعمل هناك فى استخلاص كل ما استطاع التوصل إليه بالجهود الودية من مستحقاتي ومكافأة نهاية الخدمة .. وكانت حوالي أربعة آلاف جنيه مصري تسلمتها وحملت حقيبتي وركبت الطائرة فى الليل عائدة إلى بيتي وأسرتى على غير انتظار ، ووصلت الطائرة إلى القاهرة فى الحادية عشرة مساء وركبت سيارة أجرة إلى بيتى ووصلت إليه قرب منتصف الليل وتهيأت لوقع المفاجأة على زوجي وأولادى و سمعت و أنا أقف أمام باب الشقة صوت التلفزيون من الداخل فاطمأننت إلى أن زوجي وأولادي مستيقظون ثم دققت الجرس وانفتح الباب عن زوجي يرتدى تريننج سوت أنيق أرسلته إليه من هناك .. وفوجئ بوجودي .. وفوجئت أنا باضطرابه غير المتوقع .. وحييته ودخلت أحمل حقيبتي فرأيت مشهدا لن أنساه ما بقى لى من العمر .. فلقد رأيت السيدة الأرملة التى رتبت حضورها لرعاية أولادي مرة كل أسبوع تجلس فى استرخاء بفستان بيت جميل أمام التليفزيون وحولها أولادى الثلاثة يجلسون فى اطمئنان و أمامهم طبق مملوء باللب والسوداني .. والأطفال ملابسهم نظيفة وصحتهم جيدة .. وحالتهم النفسية طيبة .. وليس فى المشهد شىء يختلف عن مشهد سهرة عائلية سعيدة فى بيت أسرة مستقرة سوى أن الأم و الزوجة هى التى تقف أمامه مذهولة و فى يدها حقيبة سفر .. وأن الأخرى " الغريبة " هى التى تتصدره !
واستعدت تنبهي سريعا وصرخت فيها سائلة عن سبب وجودها فى بيتى فى مثل هذه الساعة من الليل فنظرت إلى صامته ولم تجب ولم تتحرك من مكانها وإنما تحرك أولادي وأسرعوا إلى يحتضنوننى فاحتضنهم وأنا غائبة عنهم بمشاعري وفكرى .. وصرخت متسائلة عن معنى ما أراه .. فازداد اضطراب زوجى وطلب منى عدم الصياح واصطحابه للغرفة الداخلية ليشرح كل شىء .. وشرح لى كل شىء يا سيدى وهو أنه قد تزوج من هذه السيدة منذ شهور . وأننى " السبب " فيما حدث و المسئولة عنه و ليس من حقى الاعتراض عليه ، خاصة أننى قد نسيت احتياجاته " الإنسانية " فى صراعي مع الحياة ! ونظرت إلى المرأة الجالسة فى الأنتريه فتنبهت للمرة الأولى إلى أنها " امرأة " بكل معنى الكلمة وأن زوجى رجل فى النهاية .. لكنى لم أشعر بالغيرة عليه من قبل .. ولم ينس زوجى أن يذكرنى بأنه صاحب فضل على وعلى إخوتى ولا داعى للفضائح فغص حلقى بالكلام وطلبت منه الطلاق وغادرت البيت مصطحبة أولادى معى فى الثالثة صباحا إلى بيت خالى .
وحصلت على الطلاق بعد أيام فى هدوء وبلا منازعات وتنازلت لزوجي عن كل حقوقى عليه ، وبالطبع عن كل ما أرسلته لزوجى خلال فترة عملى فى الخارج والذى جدد به أثاث البيت واشترى الأجهزة المنزلية واشترى سيارة أخرى مستعملة شارك بها من جديد فى مشروع النقل .. ويزيد مجموعه على ثلاثين ألف جنيه .. ومع ذلك فلم أهتز لفقدها وإنما هزنى حقا مشهد أولادى وهم يجلسون فى اطمئنان حول الأخرى كأن هذه هى حياتهم العادية .. التى اعتادوها منذ زمن طويل .
وبالمبلغ الصغير التى حصلت عليه من مستحقاتى عند العودة حصلت على شقة صغيرة من غرفتين بأحد الأحياء النائية وبدأت أواجه الأمر الواقع بامتثال لما شاءته لى الأقدار . ولم يتخل عنى الله سبحانه وتعالى فى محنتي بل يسر لى طريق العمل بسهولة غريبة . فلقد أعلنت الهيئة التى كنت أعمل بها قبل سفرى عن مسابقة وظائف فتقدمت إليها و نجحت .. و عينت بها كموظفة جديدة وبعد تعيينى ضمت لى مدة خدمتي السابقة بها . كما عدت أيضا لاستئناف دراستي الجامعية ونجحت فى امتحان السنة الثالثة ووصلت هذا العام إلى السنة النهائية .. أما أولادى الثلاثة ومنهم ابنة زوجى التى أعتبرها ابنتى فهم الألم الذى لم تداوه بعد الأيام فى حياتى .. فبعد انتقالي لشقتي الجديدة لم أستطع أن أوفر لهم مستوى الحياة الذى اعتادوه فى بيت أبيهم كما أنهم أكثر ارتباطا بأبيهم الذى عاش سنوات بعد الحادث فى البيت متفرغا لهم .. فضمهم أبوهم إليه وبعد أن كانوا يقيمون معى ويذهبون إليه فى نهاية الأسبوع أصبحوا يقيمون معه ويأتون لزيارتى مرة كل أسبوع ، ورغم أنى لست قلقة كثيرا بشأنهم لأن " الأخرى " و هذه من عجائب الدنيا التى لم تتكرر كثيرا إلا معى .. حنونة معهم وتحبهم بصدق ويحبونها ولا يشعرون معها بغربة .. وهم وسط الأهل والأصدقاء فى حين يضيقون بمسكنى البعيد عن كل أصدقائهم وأقاربهم ، والذى يؤلمنى حقا يا سيدى هو أننى أحس بأننى لا آخذ من أبنائى الثلاثة بقدر ما أعطيتهم من حبى وحنانى وعطائى طوال السنوات الماضية . أما زوجى فلست أحمل له مشاعر عدائية رغم ما حدث بيننا ولم أنس له فضله على أخوتى ولا أعتبره قد أساء إلى طوال عشرتى معه إلا فى هذه المفاجأة القاسية فقط عند عودتى من الخارج و التى يفسرها هو بأننى نسيت فى صراعى مع الدنيا أننى زوجته ، ومع أن هذا الصراع كان من أجله ومن أجل أولادى إلا أنى أجدنى فى أحيان كثيرة أقره على ما قال وألوم نفسى لنسيانى أنوثتى معه ، والمشكلة أننى بعد كل ما مر بى من أحداث مازلت فى السادسة والثلاثين من عمرى ، ولهذا تقدم لى أكثر من رجل للزواج لكنه لم يتقدم لى مع الأسف إلا رجال آباء ومتزوجون يشكون من زوجاتهم وأحدهم كان رجلا فاضلا وكنت على استعداد لأن أرحب به لولا أنه متزوج وأب ويشكو من زوجته أيضا ، لهذا فقد اعتذرت وقلت له : زوجى قد سرق منى وعانيت مرارة إحساس الزوجة التى يسلب منها زوجها ولا أريد أن أكون السارقة لزوج امرأة أخرى لعل لها عذرها فيما يشكو منه زوجها ، فإن لم يكن لها عذر فيكفيها أنها قد حملت طفل زوجها فى أحشائها تسعة أشهر و تحملت عناء تربيته له .
لكنى أعانى رغم ذلك يا سيدى من الوحدة المؤلمة فى شقتى الصغيرة ، وحين قرأت رسالة " الحلم الجرىء " للسيدة التى تضيق بوجود أبيها وأمها معها فى مسكنها تمنيت أن أدعوها إلى مسكنى لتلمس بنفسها أن عذاب الوحدة أقسى كثيرا من أية مضايقات يمثلها وجود الأب والأم فى حياتها ، وأفكر جديا فى أن أعرض على هذه السيدة عن طريقك أن تقاسمنى مسكنى وحياتى وأن تعتبرني أختا أو صديقة لها تعانى مما تعانى منه عسى أن تخفف عشرتنا المشتركة عن كل منا بعض ما نعانيه من ظروف الحياة وتقلبات الأيام .. فما رأيك فى ذلك يا سيدى .. وهل تساعدنى فى تحقيقه إذا وافقتنى فيه ؟
و لكاتبة هذه الرسالة أقول :
الجسم البشرى يحارب دائما ضد أسباب الموت ، وكذلك تفعل روح الإنسان فهى تحارب أيضا ضد أسباب التعاسة والشقاء بوسائل مختلفة . ومن هذه الوسائل أن نكيف آراءنا وحياتنا بما يتلاءم مع الواقع الذى فرض علينا حتى ولو كرهناه .. وأن نتقبل متغيرات الأيام مهما كانت مؤلمة بروح عملية تتجاوز موقف التجمد أمام ما يؤلمنا والاكتفاء باستنكاره والتعجب منه إلى مرحلة الحركة والبحث عن حلول لمعاناتنا ومشكلنا ، شأننا فى ذلك – كما يقول الفيسوف الفرنسى ديكارت – شأن من يضل الطريق بألا يتوقف حيث اكتشف فقده للطريق وإنما يستمر فى السير إلى الأمام فى خط مستقيم ذلك أنه إن لم يصل إلى غايته فسوف يصل على الأقل إلى نقطة أفضل من تلك التى توقف فيها حين ضل الطريق . وهذا ما فعلته أنت أيضا يا سيدتى بعد أن توقف ذاهلة أمام مشهد السهرة العائلية المذهل .. فتجاوزت الآلام .. وتخلصت من حياة رأيت أنها لم تتكافأ مع ما قدمت لها من عطاء وإخلاص وتضحية . واتخذت لنفسك سكنا مستقلا .. وعدت للعمل والدراسة وواجهت غدر الأيام بروح واقعية .. بل ومتسامحة إلى حد كبير . ولا لوم عليك فى شىء من ذلك ، فإن كان ثمة لوم فهو على من لم يحفظك لك عهدك ولم ينتصر على ضعفه البشرى خلال غيابك ، ولم يقدر لك أنك قد اضطررت إلى هذا الغياب مكرهة لإعالته وإعالة أسرتك بعد أن عجز هو لظروفه الصحية عن الاستمرار فى إعالتها .. لهذا كله فليس عدلا أن يعفى نفسه من كل لوم ويصبه عليك وحدك محملا إياك مسئولية ما جرى بدعوى أنك فى غمار صراعك مع الحياة لإعالته وإعالة أبنائه قد تغافلت لبعض الوقت عن أنك امرأة ، فحتى هذا السبب رغم مشروعيته لا يكفى للغدر بك على هذا النحو البشع .. ولا للاستمتاع بثمرة شقاء زوجته المكافحة .. مع زوجة أخرى لم تنس أنها امرأة .. وليس لديها ما يشغلها عن هذه الحقيقة .. وما كان أسهل تدارك هذا التصور بلفت النظر والرغبة المشتركة فى الحفاظ على الأسرة وإصلاح الأخطاء . لهذا فلست أتوقف لحظة أمام هذا الادعاء .. لكنى أتوقف فعلا أمام مسئوليتك الأخرى عن زرع هذا الخطر من البداية فى حياة زوجك وأسرتك خلال غيابك . لقد كان وضعا خاطئا من البداية يا سيدتى أن تغرسى هذه الأرملة التى اكتشفت بعد فوات الأوان أنها امرأة بكل معنى الكلمة فى بستان زوجك ، وما كان لك أن تفكرى فيه من الأصل مراعاة للأصول واتقاء للشبهات وحماية لزوجك من الإغراء ، لكنه يبدو لى أن زواجك فى سن السادسة عشرة وأنت صبية يتيمة محرومة من حنان الأب من زوجك المجرب الذى تزوج قبلك .. وتولى كما تقولين " تربيتك " وتربية إخوتك قد رسخ فى أعماقك نظرتك إليه كأب أكثر منه كزوج يخشى عليه من الإغراء . ولعل هذا يفسر لك ما تقولينه من أنك لم تشعرى بالغيرة عليه قبل هذه المحنة مرة واحدة ، ويفسر لك أيضا قيامك بتكليف هذه الأرملة بشئون زوجك وأطفالك فى غيابك بإحساس الابنة التى تريد أن تضمن لأبيها حياة مريحة فى غيابها وليس بإحساس الزوجة التى لا تستريح أبدا لوجود مثل هذه الأرملة المغرية ذات المظهر الراقى فى حياة زوجها وأبنائها .. وهى غائبة عن بيتها .
وأتصور أن هذا هو الخطأ النفسى الوحيد فى علاقتك بزوجك مع تسليمى تماما بحسن نيتك وطيبة قلبك و أصالة معدنك التى دفعتك للنهوض بمسئولية الأسرة كاملة وحرمان نفسك من ثمرة عملك فى الغربة لإرسالها كلها إلى زوجك طوال فترة عملك فى الخارج ، لكنه قد حدث ما حدث ولم يعد يجدى النواح على ما ضاع إلا مزيدا من الحسرة والألم .. ومن المؤسف حقا أنك ممن كتبت عليهم الأقدار أن يصارعوا الحياة وتصارعهم منذ الصغر ولم يفوزوا حتى الآن بالأمان والسعادة رغم العناء والتضحيات فكأنما انتقلوا من الميلاد إلى الشقاء بغير المرور بمتع الحياة . وأمثال هؤلاء المحكومين بأقدارهم تضعف استجابتهم لدواعى الابتهاج وتفسد عليهم رواسب المرارة أحيانا ما يتاح لهم من أسباب العزاء ويخيل إلى يا سيدتى أن هذه المرارة هى السر فى إحساسك بالأسى تجاه أبنائك و تصورك أنهم أكثر ارتباطا بأبيهم منهم بك .. وأكثر ارتياحا فى حياتهم فى بيته معه ومع " الأخرى " من حياتهم معك ، وأنك لا تحصلين منهم بقدر ما أعطيتهم .. وهو إحساس مؤلم أرجو ألا تزيدى به من أسباب معاناتك . فالحق أننا جميعا نكاد لا نحصل من أبنائنا على قدر ما نقدم لهم من عطاء وإنما نعطيهم بقدر ما نحبهم .. وما أعطانا آباؤنا ونحصل منهم غالبا على ما تسمح لهم به طبيعتهم بتقديمه لنا مع اختلاف الأوضاع بيننا ، أما الفارق بين الأخذ والعطاء فإنهم يدفعونه عادة حسابا مؤجلا إلى أبنائهم هم فى المستقبل .. فهكذا فعل آباؤنا ونفعل نحن وسيفعلون هم .. وهكذا تدور الدائرة دائما و لا لوم على أحد فى اختلاف المشاعر الغريزية بين الآباء و الأمهات وبين الأبناء .
و من الحكمة دائما ألا ننتظر من الجميع
حتى ولو كانوا أبناءنا الكثير لكى نسعد بالقليل الذى يقدمونه لنا ونرضى عنه ..
فاسعدي أنت أيضا بما يحمله لك أبناؤك من حب لا شك فيه .. ولا تلوميهم على ما لا
حيلة لهم فيه ، إذ ليس من العدل أن نلوم الصغار على غدر الكبار بنا أو ضعفهم
البشرى معنا ، وإنما ينبغى أن نلوم من وضعهم أمام هذا الاختيار القاسي ، وأضاف هذا
العبء النفسي الجديد عليهم ، وعلى أية حال فإن فكرة استضافتك للسيدة كاتبة رسالة
" الحلم الجرىء " فكرة طيبة .. ولا باس أبدا بالتعزى عن الوحدة و الهموم
بدفء الصحبة الإنسانية والمشاركة الوجدانية خاصة ممن تجمعهم بنا وحدة الظروف
والمعاناة وكل ما ييسر من حياة الإنسان ويخفف من آلامه بطريق مشروع مطلوب ومرغوب ،
لكن هذا الوضع سيبقى حلا مؤقتا لكيليكما إلى أن يأذن الله بالحل الدائم السعيد و
هو الزواج مرة أخرى بإذن الله

برجاء عدم النسخ احتراما لمجهود فريق العمل في المدونة وكل من ينسخ يعرض صفحته للحذف بموجب حقوق النشر