وسط الزحام .. رسالة من بريد الجمعة سنة 1985
أنا يا سيدي طبيب أعالج الناس .. لكني لا استطيع علاج نفسي .. وآمل أن أجد لديك أملا في الشفاء .. فأنا شاب عمري 29 سنة امتلك عيادة خاصة بالقاهرة تدر على دخلا كبيرا وامتلك سيارة .. وفى طريقي إلى الحصول على شقة لائقة، وقد حققت كل ذلك عقب تخرجي في كلية الطب وخلال 3 سنوات وقد تتعجب كيف حققته خلال هذه الفترة لكنى اقسم لك بالله أنه لم يدخل جيبي قرش واحد إلا من حلال لكنه توفيق ربى ورضا منه وتمسكي بتعاليم ديني قد فتح لي أبوابا من الرزق لا يعلمها إلا الله .. وقد محا ذلك بعض الشىء ما انطوى أنا عليه من ذكريات أليمة .. وخفف قليلا من طابع حياتي الحزين منذ طفولتي.
فلقد نشأت وحيدا يتيما .. لم أر أبى لكنى سمعت عنه من أمي، وفتحت عيني للحياة فوجدت نفسي وحيد أمي .. تحنو على وتكافح لتعليمي من قطعة أرض صغيرة ورثتها عن أبويها .. فعشت طفولة بائسة نقتات بالفتات .. وبأقل شىء يحفظ على الإنسان حياته .. لا أعرف الطعام الساخن إلا في الأعياد، وأخلع جلبابي الوحيد لأتدثر به بدلا من الغطاء في ليالي الشتاء .. نحيا في غرفة ضيقة في بيت بإحدى قرى الريف .. يعلم الله كم عانينا فيها من البؤس والحاجة والشدة.
وقد كان كل ذلك وأمي معي ترعاني وتحنو على وتشد من أزرى، فما بالك وقد رحلت عني فجأة وأنا في سن الخامسة عشرة!
إنني لا أريد أن استطرد في الذكريات الأليمة لكني مضطر لأن أروى لك بعض لمحات من حياتي تمهد لك معرفة مشكلتي، وهكذا وجدت نفسي وحيدا ولا مفر من مواصلة الحياة فواصلت الكفاح وحدي .. لا سلاح معي سوى دعاء أمي ورضا من الله عز وجل، ثم روح عالية وهبني الله إياها ونفس عفيفة ثم ذكاء من فضل الله هيأني لأن أتفوق في دراستي فكنت الأول دائما في كل مراحل الدراسة من الابتدائية حتى الجامعة.
ولا تتصور عمق حزني حين استدعيت ذات يوم لأقابل محافظ الإقليم مع أوائل المحافظة ليصافحني ويقدم لي شهادة التفوق، فقد جاء الأوائل في أبهى زينتهم ومعهم الآباء والأمهات والأشقاء والشقيقات والأعمام والأخوال .. وكل فتى منهم يتوسط دائرة من الأهل والأحباب السعداء به .. أما أنا فقد كنت أجلس وحدي في انتظار سماع أسمى أرتدي بدلة أقرضها لي أحد أبناء قريتي من المتيسرين، أرقب سعادة الآخرين وأذوب خجلا .. فلا أخ ولا أخت .. ولا أب ولا أم ولا عم ولا خال .. بل أنا وحدي تماما كشجرة نبتت خطأ في صحراء قاحلة لا شىء حولها سوى الرمال ، وجاءت اللحظة المنتظرة .. وتقدمت لمصافحة المحافظ وتسلم شهادتي .. وعدت متعثرا في خجلي .. ولم يخفف من أساي أني كنت الأول على كل هؤلاء الذين اصطحبوا "قبائلهم" معهم ، وواصلت الحياة وأنهيت دراستي الثانوية، ودخلت كلية الطب.وفكرت في أمري فوجدت أن الحل الوحيد لمواجهة أعباء التعليم والإقامة في القاهرة هو أن أبيع قطعة الأرض الصغيرة التي ورثتها عن أمي، وأن أضع ثمنها في صندوق البريد وأن أسحب منه كل شهر أقل مبلغ ممكن يكفى المدينة الجامعية لأنه لا طاقة لي بنفقات الحياة خارجها .. والثاني هو ألا أتعثر في دراستي وأن أحصل على البكالوريوس بعد 6 سنوات بالضبط هي مرحلة الدراسة ، وساعدني أهل القرية الطيبون في بيع قطعة الأرض بأعلى سعر ممكن وقتها .. بل بما يزيد على قيمة الأرض نفسها من باب المساعدة والرحمة في الواقع، ورحلت إلى القاهرة مزودا بنصائح بلدياتي ودعواتهم لي بالتوفيق، لكني للأسف لم أقبل في المدينة الجامعية لمدة عامين في البداية .. ولو علموا بحقيقة حالي لأعطوني كل المدن الجامعية في مصر لأسكن فيها.. فواجهت مصيري وأقمت لدى أحد بلدياتي الذي قبل ذلك رأفة بي، لكن تكاليف الحياة خارج المدينة لم تكن في حسابي، فنزلت للعمل إلى جانب الدراسة .. وعملت في كل عمل يمكن أن تتخيله بشرط أن يكون شريفا لأكسب قوتي .. وأوفر لنفسي تكاليف الدراسة في كلية الطب، وأنت تعرف كم تتكلف .. لم أترك عملا لم أضع يدي فيه .. ولم أضيع لحظة واحدة في حياتي ليست للعمل أو للدراسة والمذاكرة . .ووفقني الله سبحانه في دراستي وكان التفوق في دراسة الطب حليفي .. فواصلت الدراسة حتى تخرجت .. وعملت وحققت نجاحا يعتبره البعض من زملائي معجزة .. فافتتحت عيادة واشتريت سيارة, ودفعت ثمن شقة وعملت في عدة مستشفيات وراجت عيادتي حتى أصبح مرضاي بالعشرات كل يوم, وأخلصت لمهنتي فأعطتني بسخاء, ووجدت نفسي قد حققت آمالي وآن الأوان لكي التقط أنفاسي من الكفاح المر الذي واصلته لمدة عشرين سنة, فقررت أن أتزوج وهنا ظهرت مشكلة حياتي !
فلقد أعجبت بفتاة هداني الله إليها في البداية ثم بعد أن دخلنا في التفاصيل وجدت نفسي أواجه موقفا مؤلما لا حيلة لي فيه, فبعد المقدمات الأولى قيل لي .. تعال ومعك أهلك لنتعرف عليهم .. فقلت ببساطة :لا أهل لي !
فلم يفهموا في البداية، فقلت مرة أخرى أنني ابن وحيد لأبوين وحيدين, فليس لي أخوة ولا خالات ولا أخوال ولا أعمام ولا عمات، وشرحت لهم ظروفي , فلم يصدقني الكل وأجمعوا على أنني أتلاعب ولست صريحا رغم أنني أقسمت لهم على صدق ما أقول، بلا فائدة.
وسألت نفسي .. ما ذنبي يا رب في أني ابن وحيد لأبوين وحيدين شاء حظهما العاثر أن ينجباني وحدي لليتم والوحدة و"المعرة" بين الناس بانعدام الأهل , ومن أين آتى بإخوة أو أعمام أو أخوال أو أبناء خالات وأخوال وأعمام وعمات لأقدمهم لأسرة خطيبتي؟ وكيف أجيب عن تساؤلات أهل الفتاة المستنكرة .
أليس لك حتى زوجة خال تأتى معك عند الخطوبة؟ وكيف لي زوجة خال أو زوجة عم ولا يكن لي عم ولا خال.
باختصار .. ووجهت بالرفض .. ونزفت من مشاعري وكرامتي دما وانصرفت عن فكرة الزواج لفترة إلى أن تهدا نفسي, ومرت فترة طويلة نسيت خلالها بعض الآلام, ثم تكررت المحنة بكل أسف مع شقيقة صديق لي رحب أهله بي في البداية وعند التفاصيل رفضوني لنفس السبب, وكان صديقي نفسه هو أول الرافضين , وحجتهم الوحيدة هي: ماذا نقول للناس؟ ولم يصدقوا هم أيضا قصتي التي لا يصدقها ولا يعرفها سوى أهل بلدي وبعض المقربين منى.
وانهزمت نهائيا بعد ذلك .. ومرضت نفسيا .. وكرهت الحياة وبالرغم من أنني قد تغلبت على صعاب كثيرة في حياتي .. فلقد انهزمت أمام هذه المشكلة وتأذيت نفسيا كثيرا .. ومللت كل شىء .. حتى بدأت أنصرف عن عيادتي فآتيها يوما وأغيب عنها يوما, وأقضي أوقاتا, طويلة أقود سيارتي وسط الزحام شاردا ساهما لا أعي مما حولي شيئا ..لقد تعمدت ألا أكتب لك أسمى وعنواني لأني لست باحثا عن فتاة تقبلني بوضعي الذي أنا عليه, لأني تعقدت جدا من هذا الموضوع, لكن أكتب إليك لأجد لديك بعض الراحة ولأسألك: أليست هذه هي إرادة الله التي شاءت لي أن أكون هكذا بلا أهل؟
وهل أنا مسئول عن أن أبى وأمي وحيدان وأنى وحيد أبوي .. ولماذا لا يقدر الناس ظروف الآخرين ويتجنبون إيذائهم فيما لا ذنب لهم فيه ولا إرادة؟
إنني لا أريد منك حلا للمشكلة لإنني لم أعد راغبا في حلها لكنى أريد منك كلمة رثاء لي قد تخفف بعض آلامي ..ولي الله وحده في كل ما ألاقيه في حياتي من عناء..
ولكاتب هذه الرسالة أقول:
لا يا صديقي لن تجد لدي كلمة الرثاء التي تنتظرها .. وإنما ستجد لدي كلمة بل كلمات ‘عجاب وانبهار بك وحب لك فأنت تستحق الإعجاب لا الرثاء لصلابتك وكفاحك الأسطوري لكي تبنى حياتك وحيدا تماما من الأهل والأقارب ، ومجردا من كل سلاح سوى إرادتك الحديدية ، منذ كنت فتى في سن الخامسة عشرة.
إن مثلك يفخر به العقلاء ولا يرثون لهم.لكن إعجابي بك يخالطه لوم لك وعتاب عليك .. إذا كيف ينهزم شاب ممتاز بكل معنى الكلمة له مثل إرادتك وصلابتك وتفوقك وذكائك ، أمام موقف سخيف من أمثال هذه السخافات التي تزخر الحياة بها؟ وكيف تضيع منك نفسك .. وأنت الفتى الذى واجه الحياة بكل مراراتها وصعوباتها وحيدا وهو ابن الخامسة عشرة؟ لقد واجهت من شدائد الحياة ما يبدو إلى جواره هذا الموقف السخيف لهوا وعبثا،فلم لم تنظر إليه من عل .. وتتفهم حجمه، وتواصل حياتك إلى أن تجد من تستحقك ومن تفتخر بك ويفتخر بك أهلها كشاب مستقيم ناجح ومتفوق .. أبواب الحياة مفتوحة أمامه على مصراعيها .. فأنت رغم هذا النجاح مازلت في البداية .. ومثل هذه الإرادة الصلبة لن تتوقف إنجازاتها عند حد افتتاح عيادة وامتلاك سيارة،فأنت تحقق الكثير يا صديقي والكثير،فكيف تنهار أمام هذه العقبة المؤلمة؟ إنني أعرف تماما أنه لا جريرة لك فيما حدث..
ومن المؤلم فعلا أن يحاسب الإنسان عما لا حيلة له فيها ولا إرادة ونحن لا نختار لأنفسنا أبوينا وأشقاءنا وأهلنا..لكننا قد نختار لأبنائنا أمهاتهم وأخوالهم .. وهذه فقط هي مسئوليتنا تجاههم،أما ما غير ذلك فهو على حد تعبير أبى العلاء المعرى"هذا جناه أبى على وما جنيت على أحد!".وأنت لم تجن على أحد يا صديقي ..ولم تحقق إلا كل خير وكل نجاح ،فلا تحمل نفسك ما لا طاقة لها به .. والوحدة الحقيقية هي وحدة النفس الداخلية لا انعدام الأهل والأقارب ،فما أكثر ما نشعر أحيانا بالوحدة ونحن وسط زحام الآخرين وصخبهم وضجيجهم،والوحدة الحقيقية هي أن تكون عاجزا عن حب الآخرين وألا تكون قادرا على اجتذاب حبهم لك، وأنا شخصيا كثيرا ما تصلني رسائل من فتيات وشباب يشكون إلى من إحساسهم بالوحدة في بيوت مزدحمة بالآباء والأمهات والأشقاء والشقيقات ، حيث ينطوي كل إنسان على نفسه وآماله وآلامه بلا مشاركة حقيقية من الآخرين ولا مشاركة منه لهم،فالناس يا صديقي قد يتجاورون لكنهم أيضا قد لا يتشاركون .. وقد لا يخفف عنهم جوارهم شعورهم بالوحدة وفقدان الرفيق وانعدام الأهل بمعنى الكلمة الحقيقي!
فلست وحدك في
همومك .. لكنك قد تتميز عن كثيرين بما حبتك به العناية الإلهية من مزايا وإمكانيات
أهمها الذكاء والتفوق والإرادة فافتح قلبك للآخرين يا صديقي وتمسك بروابطك بأهل
قريتك ولا تنفصل عنهم فهم أهلك الحقيقيون وعد إلى مرضاك والعطاء لمن حولك ومن
تتعامل ومن ستنجدون بك .تجد لك فى كل بيت شقيقا .. وفى كل مجتمع أسرة وفى كل مكان
أبا وأما وأهلا طيبين .. مع تمنياتي لك بالسعادة والتوفيق.
شارك في
إعداد النص / ياسمين عرابي

برجاء عدم النسخ احتراما لمجهود فريق العمل في المدونة وكل من ينسخ يعرض صفحته للحذف بموجب حقوق النشر