جنة الأحلام .. رسالة من بريد الجمعة عام 1996

 

جنة الأحلام .. رسالة من بريد الجمعة عام 1996

جنة الأحلام .. رسالة من بريد الجمعة عام 1996


البعض يتوهمون أن كل ما يرغبون فيه هو "العدل" الذي لا يأتيه الباطل من أمامه أو ورائه ، ويعتبرون رغباتهم في الأشياء "إرادة سنية" .. يجب أن تستجيب لها الأقدار بلا مراجعة .

عبد الوهاب مطاوع 


كان ينبغي لي أن اكتب رسالتي هذه إليك منذ أربع سنوات، لكني أحجمت عن ذلك في اللحظة الأخيرة، فأنا مهندس شاب تخرجت منذ أعوام وأعمل في مجال مهنتي، واستعد للحصول على الماجستير، ثم الدكتوراه بإذن الله .. وقد نشأت في أسرة ميسورة وتوفي أبي وأنا طفل في العاشرة من عمري فتولت أمي تربيتي حتى أتممت دراستي بتفوق وتخرجت في كليتي ووافتها المنية بعد أن أدت رسالتها معي فحزنت عليها حزنا شديدا لأنها كانت سيدة فاضلة وأما رءوما.. وقبل أن ألتحق بكليتي الجامعية، كنت طالبا بمدرسة مشتركة بين البنين والبنات بإحدى عواصم الأقاليم، فلفتت نظري خلال عامي الأخير بالمرحلة الثانوية فتاة من مدرسة البنات الملاصقة لنا، كل شيء فيها جميل من ملامحها إلى تدينها وأخلاقها وذكائها، حتى أن مديرة المدرسة اختارتها كطالبة مثالية ذلك العام، وقد أعجبت بهذه الفتاة كثيرا، وزاد من إعجابي بها أن علمت أنها من أسرة بسيطة، وأن كل شقيقاتها مثلها في الأخلاق والتفوق، فراودني حلم الارتباط بهذه الفتاة وأردت أن أتفوق في دراستي لأكون جديرا بها .

 

وحصلت على الثانوية العامة بمجموع كبير أهلني للالتحاق بكليتي العملية بعاصمة المحافظة، في حين التحقت تلك الفتاة بكلية نظرية بمحافظة أخرى وظللت رغم ذلك أتسقط أخبارها حتى علمت وأنا طالب في عامي الجامعي الثاني أن هناك من يتقدم لخطبتها، فصارحت أمي وعمي برغبتي في الارتباط بها ورحبا بذلك ولو على سبيل الخطبة إلى حين انتهائي من دراستي، وذهبنا جميعا إلى أسرتها لنطلب يدها.. فرحب بي والدها وأمها كثيرا، أما هي فحين سألوها عن رأيها أبدت اعتذارها عن عدم قبولي خطيبا لها، وفسرت رفضها بأنها تفضل أن يكون خطيبها أكبر منها سنا وخبرة وحتى ولو كان فقيرا معدما، على أن يكون شابا أو فتى مماثلا لها في العمر والخبرة والتفكير .. الخ.

 

وحزنت لموقف فتاتي هذا مني ورجعت إلى دراستي فلم أحقق تفوقا

دراسيا في ذلك العام بسبب شرودی وأحزاني، ولكني تمالكت نفسي وقررت أن أحافظ على تفوقي لأتخرج واعمل في مهنتي وبعد عامين علمت أن فتاتي قد تمت خطبتها لشاب من نفس البلدة يكبرها بتسع سنوات ويعمل بالخارج .. وعلمت من المحيطين بهذا الشاب أنه شاب طيب إلى حد السذاجة، لكن أسرته معروفة في بلدتنا بأفعالها، المستنكرة من شتائم وسب علني وفضائح أمام الناس الخ، وتعجبت كيف قبلت به وأهله على هذا النحو.. خاصة أنها سوف تقيم بينهم لأن زوجها سيغيب عنها طوال العام في عمله بالخارج ولا يرجع إليها إلا في الإجازة.. وتساءلت هل علمت عن أهله هذه الطباع السيئة أم خدعوها وصوروهم لها كالملائكة؟.. وقررت أن تعرف فتاتي ما هي مقدمة عليه.. فأوفدت إليها إحدى قريباتي لتوضح لها حقيقة هؤلاء الأهل الذين ستعيش بينهم، فما كان من فتاتي إلا أن نهرتها وطلبت منها عدم العودة لزيارتها مرة أخرى.

 

وبعد عام من ذلك تزوجت فتاتي وسط مشاكل كثيرة ومضى على زواجها أربع سنوات لم تفارقها فيها المشاكل والمتاعب يوما واحدا مع أهل زوجها، إلى حد تركها لفترة طويلة دون إنفاق عليها ولا على طفلها .. وقد علمت بكل ذلك من المقربين إلى زوجها، وعلمت أن فتاتي تحيا حياتها في جحيم وسط هؤلاء الأهل، فإذا رجع زوجها من عمله في الخارج لفترة قصيرة انقلبوا أمامه إلى ملائكة وأحسنوا معاملتها، ثم تتكرر المأساة مرة أخرى بعد سفره وهكذا.

كما علمت أيضا وعن يقين أن فتاتي قد ساءت أحولها الصحية والنفسية معا، وأنها قد كرهت حياتها وتركت بيت زوجها ورجعت للإقامة مع أهلها بعد أزمة حادة مع أحد أفراد أسرته، وسعدت كثيرا بما حدث.. بل وتمنيت طلاقها هذه المرة لكي ترافقني بقية حياتي وأعوضها عن هذه الفترة المظلمة من حياتها، لكن للأسف يا سیدی ما أن عاد زوجها في إجازته حتى ضعفت أمام من توسطوا للصلح بينهما ورجعت معه إلى هذا البيت الذي ذاقت فيه الذل والهوان.. وكالعادة فلقد قضى معها زوجها فترة قصيرة ورجع إلى غربته وظللت أنا أتسقط أخبارها عن بعد وأتعجب.

 

ثم حدث ذات يوم كنت أسير في الطريق إلى عيادة طبيب من أقاربي فوجدت سيدة شابة تبدو مجهدة ومعتلة الصحة تنوء بحمل طفلها وعرضت عليها أن أحمل عنها الطفل، إلى أن تتمالك نفسها، وقبلت ذلك وأعطتني الطفل فإذا بي أرى فيها فتاتي الجميلة بعد أن ترك الهم آثاره على وجهها، ودهشت من أنها لم تتعرف علي .. ولم تكتشف أنني ذلك الشاب الذي رفضته منذ ست أو سبع سنوات لأنه يماثلها في السن.



 

ولكاتب هذه الرسالة أقول :

ليس من النبل أن تعرض على زوجة رجل آخر وأم لطفل منه أن تخرج من الجحيم الذي تعيش فيه مع أهل هذا الزوج، لكي تدخل الجنة الموعودة معك لتعوضها فيها عن كل ما عانته في سابق أيامها من آلام !.. فهذا العرض الذي تتحدث عنه ببساطة عجيبة هو بالتحديد ما ينطبق عليه وصف جريمة الغواية لزوجة محصنة لتهدم بها أسرتها الصغيرة وتحرم طفلها من أبيه الطبيعي، وتحرم هذا الأب نفسه من طفله وزوجته وأسرته الآمنة .. وإذا كان الرسول الكريم قد نهى عن أن "يخطب أحدكم على خطبة أخيه" أي عن أن يتقدم أحد لخطبة فتاة يعلم علم اليقين أن أخا له من بني البشر قد خطبها لنفسه ولقي منها القبول به ، فماذا نقول عن هذا العرض "البريء" الذي عرضته عليها؟ وكيف تعجب لرفضها الخروج من الجحيم ، الذي تعيش فيه لتدخل جنتك الموهومة هذه ؟ .. إنك تطلب مني تفسيرا لموقفها هذا منك ، وأراني مضطرا لمصارحتك بما تكره أن تتفهم أو تقبل به من حقائق الأشياء لأحميك من شر نفسك ومن الاستسلام لأوهامك هذه إلى ما لا نهاية.


إن الحقيقة التي ينبغي لك أن تعترف لنفسك بها وألا تخجل منها لأنها لا تمس اعتبارك في شيء هي أنك لم تمثل بالنسبة لهذه السيدة الفاضلة شيئا ذا بال في يوم من الأيام، ولم يتجاوز شأنك في حياتها شأن فتى تقدم لخطبتها وهي مازالت طالبة ، فلم يقتنع به عقلها ولم ترحب بالارتباط به ولم ينشغل به فكرها لأكثر من لحظات ، في حينها، فإذا كنت قد اعتبرتها منذ ذلك الحين "فتاتك" وانشغلت بأمرها وسعيت بعد ذلك لإفساد خطبتها لزوجها بإيفاد سفيرة خاصة إليها ، فطردتها شر طردة ولم تسمع لها .. فهذا شأنك وحدك ولا دور لهذه الفتاة ولا مسئولية عليها في اهتمامك بأمرها بعد ذلك ولا في تتبعك لأخبارها.. ولا في "سعادتك" الشريرة بمتاعبها مع أهل زوجها، أو في حلمك الآثم بطلاقها لكي تتزوجها وتتشارب معها كئوس السعادة وتصبح "أبا" مثاليا ، لابنها !

 

فلقد جرى كل ذلك في داخلك أنت وبلا أي دور لها في ذلك .. ورغائبنا في الأشياء لا تكفي وحدها لأن ننالها إذا كانت تتعلق في نفس الوقت بإرادات الآخرين واختياراتهم لأنفسهم وحياتهم وتطلعنا المحموم إلى هدف من الأهداف لا يعطينا حقا مشروعا فيه إذا لم يكن المطلب عادلا ومشروعا .

وأنت مهموم بأمر نفسك ورغبتك في هذه السيدة الفاضلة طوال الوقت إلى حد أن أعماك ذلك عن أن حلمك الآثم فيها لو تحقق فسوف ينعكس ذلك بأبلغ الضرر على زوج وأب لا حيلة له في "أفعال" أهله التي تتحدث عنها ، ولا ذنب له في شغفك بزوجته وتطلعك لهدم أسرته لغير شيء سوى أن تحقق لنفسك أمنية قديمة في فتاة أعجبت بها على البعد وهي طالبة ورفضتك حين تقدمت إليها .. فماذا تكون الأثرة والأنانية التي لا تضع اعتبارات الآخرين في تقديرها سوى ذلك؟

 

إنك تتحدث عن زوجة محصنة وأم لطفل وتقول عنها إنها "فتاتك"

مع أنها لم تكن يوما كذلك ولن تكون .. فأين حسن تقديرك للأمور .. وأين تفهمك الصحيح لحقائق الأشياء وهذه السيدة الفاضلة لم تتعرف عليك حين التقت بك مصادفة بعد سنوات من زواجها ، ولم تميز حتى ملامحك ، كما أنها لم تخطب لك ذات يوم وكان رفضها لك أسرع إليها من القبول ، فبأي حق تدعوها فتاتك ، وتتمسك بالأمل فيها بدعوى أنها تعيش في الجحيم ، مع أهل زوجها.. ومن الذي يعطينا الحق في الحكم على حياة الآخرين بالسعادة أو الشقاء وهم أدرى بها منا وأقدر على الحكم عليها.

 

إن لكل إنسان سعادته الخاصة التي لا يستطيع أحد غيره أن يقدرها .. وهذه الزوجة الفاضلة من أصحاب القلوب الحكيمة الذين لا ينخدعون بظواهر الأشياء .. ولا تستريح نفوسهم للطرق الملتوية في الحياة ، وقد صارحتك بلا تردد بأن طفلها أهم لديها من "الجنة" التي تدعوها إليها .. وتجنبت بعد ذلك زيارة نفس الطبيب في موعدها المحدد لكي تتفادى الالتقاء بك مرة أخرى والتورط في حديث مع رجل عرفت الآن بما لا يدع مجالا للشك أنه مازال يرغب فيها وهي سيدة أمينة لا تقبل لنفسها خيانة زوجها بالحديث مع رجل آخر تعلم شدة رغبته فيها.

فماذا تتوقع منا إلا أن نؤيدها فيما فعلت ونتفهم حكمته ومغزاه الأخلاقي ونعجب بهما ؟ يا صديقي الشاب إن من هموم الحياة وآمالها وآلامها مالا ينبغي معه لشاب مثلك أن يطرحه وراء ظهره ويضع نصب عينيه شيئا واحدا فقط هو الفوز بزوجة رجل آخر وهدم أسرته وتمزيق طفله بين أبويه بدعوى أنه سوف يعوضها عن تعاستها الزوجية ، مع أنه لا ضمان للسعادة بالكلمات والوعود .. ولا سبيل للحكم عليها إلا بالتجربة والمعايشة وحسن تفهم الأمور.

 

واستغراقك في ذاتك على حساب حقوق الآخرين لا يبشر بحسن التقدير ولا باستعدادك للتنازل عن بعض اعتباراتك عند الضرورة لكي تمضي السفينة في بحر السعادة والأمان ، فلا تكن ممن يتوهمون أن كل ما يرغبون فيه هو "العدل" الذي لا يأتيه الباطل من أمامه أو ورائه ، ولا تكن ممن يعتبرون رغباتهم في الأشياء "إرادة سنية" .. يجب أن تستجيب لها الأقدار بلا مراجعة .. وشكرا لك إن فعلت والسلام.

 ·       نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" عام 1996

راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي


Neveen Ali
Neveen Ali
كل ما تقدمه يعود إليك فاملأ كأسك اليوم بما تريد أن تشربه غداً
تعليقات