الورقة الملعونة .. رسالة من بريد الجمعة عام 2003

 الورقة الملعونة .. رسالة من بريد الجمعة عام 2003

الورقة الملعونة .. رسالة من بريد الجمعة عام 2003

أنا من المواظبين على قراءة بريد الجمعة لكني لم أجد مشكلة مثل مشكلتي التي حدثت منذ ثلاثة أشهر تقريبا‏.‏
وتتلخص المشكلة في أنني قد جاوزت الستين بقليل‏,‏ وأحمد الله على أنني في صحة جيدة ومواظب على ممارسة الرياضة‏,‏ لأنني رياضي منذ الصغر وكنت أعمل في وظيفة مدير عام بإحدى الشركات بالإسكندرية‏,‏ وكانت تعمل معي فتاة في الإدارة التي كنت أقوم بإدارتها بأجر يومي‏,‏ وكانت تعمل لكي تصرف على دراستها‏,‏ فلقد كانت في السنة الثانية بكلية التجارة وكانت مصاريف الكلية كثيرة وتحتاج إلى ملابس وكتب وانتقالات‏,‏ فطلبت أن تجلس في المنزل وسأتحمل مصاريفها طوال مدة دراستها‏,‏ وتطورت هذه العلاقة بيننا حتى أصبحت لا تفارقني في أغلب ساعات النهار‏,‏ وبعد ذلك طلبت مني الزواج لأنها تحتاج لأن تكون زوجة لي حيث لا تطيق فراقي‏,‏ وتم هذا الزواج وكان بعقد زواج عرفي وشهد عليه اثنان من زملائي‏.‏

والحمد لله نجحت هي في السنوات الأربع‏,‏ وكنت كلما سافرت إلى الخارج أحضر لها الهدايا كأي فرد من أفراد أسرتي‏..‏ ثم حملت وهي في السنة الرابعة ولعدم إحراجها مع زميلاتها‏,‏ حيث كن لا يعرفن بزواجها إلا واحدة فقط‏,‏ قمنا بإنزاله عند أحد أطباء أمراض النساء لأن أسرتها لا تعرف بزواجها مني ولأنهم لا يعرفون إلا أنني أساعدها في الدراسة فقط‏,‏ وأخيرا شكوا في الأمر فأرسلوها إلى بلدهم بالصعيد‏,‏ وهناك رآها شاب يبحث عن عروس وأعجب بها وأبدى موافقته على الزواج منها على أنها بنت بكر ولا أحد يعرف بزواجها مني‏,‏ وأحضر أهله وخطبوها من الإسكندرية وأحضروا الشبكة وهي لا تستطيع أن تخبر أهلها بأنها متزوجة‏,‏ كل هذا في أقل من شهر‏,‏ ثم أخذوها وعقدوا قرانها عليه في الصعيد‏ ..‏ وعادت إلى الإسكندرية‏,‏ فسألتها عن كيفية التصرف فقالت إنهم حددوا موعد الزفاف‏,‏ وستهرب من المنزل قبله‏,‏ واستمرت في علاقتها الزوجية معي في هذه الفترة‏..‏ إلى أن اقترب موعد الزفاف وحضر بعض أهلها ومعهم العريس وأخذوها وحاولت قبلها بيومين الاتصال بي على المحمول أو تليفون المنزل وطالبتها بمصارحتهم بالموقف وبأنها متزوجة عرفيا مني‏,‏ لكنها لم تستطع أن تواجههم وأخذوها وسافروا بها إلى الصعيد‏,‏ وبعد يومين اتصلت بأختها على تليفونها المحمول وأفهمتها أن أختها لا يصح لها الزواج من شخص آخر لأنها بالفعل متزوجة بي زواجا عرفيا‏,‏ فثارت وأخبرت خالتها وثارت الأسرة كلها واتصلوا ببقية أهلهم في الصعيد‏‏ وأخبروهم بذلك إلا أهل العريس لم يعرفوا بأنها متزوجة من قبل‏,‏ وقبل الفرح بيوم واحد اتصل بي خالها تليفونيا في منزلي بالإسكندرية وبعد أن أسهب وأطال في السب أخذ يهددني بالقتل إن أظهرت ورقة الزواج العرفي كأن الزواج ورقة فقط‏,‏ وأغلقت التليفون في وجهه وأصبت بحالة من الذهول‏,‏ هل تؤخذ العروس وتزف إلى هذا العريس في آخر الأسبوع‏..‏ ربما تكون حاملا وهل يقبلون ذلك فحتى المطلقة لابد لها من فترة عدة وإن كانت حاملا فلابد أن تفرغ من حملها‏.‏ ولم أرد الشوشرة لكني أرجو أن تفيدني برأيك في هذا الأمر‏.‏ وماذا ينبغي علي أن أفعل ؟

ولكاتب هذه الرسالة أقول‏:‏ 

كل ما ترويه يؤكد ما سبق أن قلناه مرارا وتكرارا‏,‏ من أن الزواج العرفي بين فتاة صغيرة ورجل في قمة العمر والنضج ليس سوى محاولة فاشلة لإسباغ المشروعية الزائفة على علاقة اقرب ما تكون إلى العلاقات الآثمة ـ وان نتائجه خطيرة ومدمرة على الفتاة على وجه التحديد‏,‏ وهذا ما حدث في هذه القصة المؤسفة التي ترويها لنا بلا أدنى إحساس بالمسئولية الأخلاقية عنها ـ مع أنك قد أغويت فتاة تصغرك بأكثر من‏ 35 سنة على الأقل‏,‏ ومهدت لها الطريق إلى هذا الوضع الشائك وتحايلت بمساعدتك المادية لها في إنهاء دراستها على نيل غرضك منها‏..‏ بدلا من أن تعينها على أمرها بلا غرض‏,‏ وكانت النتيجة هي هذه المحنة الأخلاقية التي وجدت الفتاة نفسها فيها ماضية في مشروع للزواج العلني تحت ضغط الأهل وهي مرتبطة برجل آخر بمقتضى ورقة لعينة‏,‏ ولا تجرؤ على مصارحة الأهل بحقيقة أمرها ولا على تصحيح وضعها قبل أن تبدأ مشروع الزواج الجديد‏..‏

إن الأمر كله يدعو للأسف ومسئوليتك عنه اكبر من مسئولية هذه الفتاة المستهترة بالرغم من إجرامها في حق نفسها‏,‏ لأنك الطرف الأنضج والأقدر على تقدير العواقب والتبعات‏.‏
وإذا كنت تسألني عما تفعل‏..‏ فإني أجيبك بأن خير ما تفعل الآن وبعد أن تطورت الأمور على هذا النحو المخالف لكل الشرائع‏,‏ هو أن تطلق هذه الفتاة قبل زفافها لزوجها وتمزق تلك الورقة اللعينة‏,‏ وتستغفر ربك كثيرا عما جنيته عليها‏..‏ وتدعو لها الله كثيرا بالمغفرة فيما جنته على نفسها‏..‏ وفيما أقدمت عليه من ارتباط بآخر وهي حليلة لغيره‏,‏ وحبذا لو تحايلت هذه الفتاة بشتى الحيل على تأجيل زفافها لزوجها ثلاثة أشهر‏,‏ أو ثلاثة قروء لتكون بذلك قد قضت فترة العدة الشرعية وتأكدت من استبراء رحمها أما أنت فلا تتخذ أية خطوة من جانبك سوى النطق بطلاقها وتمزيق الورقة الملعونة‏,‏ فلقد فهمت من بعض ما حذفته من رسالتك أنك تحاول الاتصال بالشاب الذي ستتزوجه هذه الفتاة‏..‏ وتعليقي على ذلك هو أن أذكرك بالحديث الشريف الذي يقول‏:‏ لا يستر عبد عبدا في الدنيا إلا ستره الله يوم القيامة‏ ..‏ والسلام‏.‏

·       نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" عام 2003

راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي


Neveen Ali
Neveen Ali
كل ما تقدمه يعود إليك فاملأ كأسك اليوم بما تريد أن تشربه غداً
تعليقات