نظرة الاستعلاء .. رسالة من بريد الجمعة عام 1997
أنا موظف بمصلحة حكومية في الأربعين من عمري ، جمعت الأقدار بيني وبين فتاة من معارف أسرتي ، وارتبطنا بخطبة استمرت حوالي عامين تمكنت خلالها وبالديون والأقساط من تدبير تكاليف الزواج والمسكن ، وتزوجنا وبدأنا حياتنا الزوجية ، ونحن نحلم كغيرنا بالسعادة والأمان ، وأنجبنا ثلاثة أطفال ، ثم بدأت منازعات الحياة الزوجية المألوفة بيننا ؛ بسبب سخط زوجتي الدائم على مستوانا المادي .. وتطلعها لحياة أفضل .
وكان أكثر ما يثير زوجتي ، هو أن لي شقيقا ميسورا ، يعمل بالأعمال الحرة ، ويعيش في بحبوحة من الرزق ، فحثتني مرارا على أن أستقيل من وظيفتي ؛ لأعمل معه بالأعمال الحرة ، وضغطت علي كثيرا من أجل ذلك ، وكلما قلت لها أنني لا أفهم في الأعمال الحرة ولا أمل لي فيها ، وأن كل إنسان له رزقه المقدور ، وعليه أن يقبل به ، ثارت علي واتهمتنی بالكسل والتخاذل ، وتساءلت ماذا تزيد عنها فلانة « زوجة أخي» ؛ التي تعيش حياة أفضل منها ؟ ثم تطالبني بتوفير كل ما تحتاج إليه هي والأبناء، وترفض أن تسهم في ميزانية البيت بأي جزء من مرتبها ، مع إنني لا اقصر في العمل ، وأعمل ساعات إضافية كل يوم ، ومجال عملي يتيح لي أبواب الرزق الحرام ، ولكني أرفضه وأخشاه ، وأخاف منه على أبنائي .
كما أنني لست في النهاية معدما ، فقد انتقلت خلال سنوات الزواج بزوجتي وأبنائي من شقة قديمة مؤجرة في حي شعبي إلى شقة تمليك
لا بأس بها ، اشتريتها بالتقسيط على عشرين سنة ، عن طريق العمل ، واشتريت كذلك سيارة مناسبة جديدة أحمل بها زوجتي كل صباح إلى عملها ، وانتظر خروجها من عملها ؛ لأعيدها إلى البيت ، حتى ولو کنت لم أنته من عملي بعد ، كما أني قد عملت أيضا لمدة عام خارج مصر ، ورجعت إلى عملي في بلدي قبل أن أفقده ، وإلى أبنائي ، قبل أن يطول افتقادهم لي .
ورغم ذلك ظلت زوجتي ساخطة ومتذمرة ؛ لأنها كانت تريدني أن أغيب عن أبنائي بضع سنوات ، وليست سنة واحدة ، وراحت تتوعدني بأنها ستهجرني ، إن لم أتحرك وأفعل شيئا يرفع من مستوى
حياتنا .. ناهيك عن سوء عشرتها لي ومخالفتها لإرادتي في كل شيء، من أكبر الأشياء إلى أتفهها .. فكل ما أريده ترفضه ، وكل ما أراه تری هی عکسه دائما ، وهكذا .
ومع ذلك .. فلقد تحملتها ، وتمسكت باستمرار الحياة معها من أجل أبنائنا الصغار إلى أن بدأت زوجتي تطالبني بالطلاق بإصرار وتغريني بأنها سوف تتنازل عن كل حقوقها ؛ في سبيل الحصول عليه .. وتحيرت في أمرها طويلا ، ورفضت منحها الطلاق أملا في أن تراجع نفسها، وسألتها مرارا : وما ذنب هؤلاء الأطفال الصغار في أن يتمزقوا بيني وبينك بعد الطلاق ؟ فكانت تجيبني بأنه لا ذنب لهم ، ولكن هذا هو قدرهم وسوف يحيون ويتجاوزون الأزمة ، كما فعل غيرهم من قبل .
وواصلت الضغط علي لمنحها الطلاق ؛ حتى طلقتها مرغما ، وهجرت بيت الزوجية، ورجعت إلى بيت أسرتها .. ولم أقبل في الحقيقة طلاقها ، إلا حين أسر إلي أحد أقاربها بأنها تنوي الزواج من زميل لها في العمل ميسور الحال ، وقادر على إسعادها كما تتصور ، فطلقتها ونفسي تغص بالمرارة .. وهونت الأمر علي بأنه أكرم لي أن أطلقها، حتى ولو تعذب أبنائي بالطلاق ، من أن ترتبط برجل غيري ، وهي مازالت زوجتي ، وتجرعت الألم صامتا ولم أنازعها في شيء بعد الطلاق ، ولم أضع العراقيل بينها وبين أطفالها ، وتذكرت دائما ما قرأته لك نقلا عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب من أن خير ما نعاقب به من لم يتقوا الله فينا ، هو أن نتقي الله نحن فيهم ، واتقيت الله بالفعل فيمن لم تتق الله في ولا في أبنائی وأبنائها ، وسلمت لها بما أرادت .
وترقبت أن تتزوج الآخر الذي هجرتني من أجله بسبب ما يعدها به من حياة أرقى وأفضل ، فإذا الشهور تمضي بها وهي بلا زواج في بيت أهلها .. وإذا بمن كنت أوصلها إلى عملها بسيارتي كل صباح ، تذهب إلى عملها بالميكروباص ، لأنها لا تستطيع تحمل نفقات سيارة
الأجرة كل يوم .. وشعرت "لا أخفيك ذلك" بشيء من الشماتة فيها .. وتساءلت : وأين الآخر الذي وعدها بجنات النعيم من بعدي ؟ ثم علمت أنه خذلها ولم يف بوعده لها .. ومرة أخرى شعرت بشيء أشد من الشماتة فيها .. ورجوت الله إن يعيد إليها عقلها ؛ لكي تعرف قيمة من كان يطلب سعادتها ورضاءها بلا جدوى .
ومر عام على الطلاق .. فإذا بي أعلم أن زوجتي السابقة قد تزوجت من زميلها ، وأنه احتاج إلى عام طويل من التفكير والتردد والضغط عليه ؛ لكي يتزوجها .. وكما كنت صريحا معك ، وقلت لك إنني قد شمت فيها حين خذلها، فلابد أن أكون صريحا معك أيضا ، وأقول لك إنني شعرت حين عرفت ذلك بإحساس مؤلم من الضيق والخجل .. والابتئاس ، لا أعرف له تفسيرا .. ثم هونت الأمر على نفسي بعد ذلك بأن هذه هي إرادة الله، وان الحياة لن تتوقف بزواج زوجتي السابقة من غيري .. وأنني أستطيع أنا أيضا الزواج من أخرى أجد لديها ما لم أجده لدى أم أبنائی من حب وتقدير وحنان .
وانشغلت بعملي أكثر من أي وقت سابق ؛ لأنتشل نفسي من أفكاري ، وواصلت التعامل مع زوجتي السابقة ، فيما يتعلق بأبنائنا ورؤيتهم ومطالبهم باحترام ، وبلا مشاكل من أي نوع .. ولاحظت حين رأيتها بالمصادفة بعد زواجها عند ذهابي بأولادي إلى بيت أسرتها ، أنها تنظر إلي نظرة الاستعلاء والتفوق ، مع أننا لم نتبادل سوی کلمات المجاملة العادية ، ورجعت من هذه الزيارة عاقدا العزم ، أكثر من أي وقت مضى على أن أتزوج أنا الآخر، وأهتم بحیاتي الخاصة ..
وبدأت أتلفت حولي باحثا عن زوجة ، وصارحت أهلي برغبتی ، وبدأوا يعرضون علي ترشيحاتهم من السيدات المناسبات ، وأناقش ظروف كل مرشحة على حدة ، وأفكر فيها بعمق وروية ، وحين استقر رأيي على إحداهن ، وهممت بأن أطلب من شقیقتي مفاتحتها برغبتي في الارتباط بها ، فوجئت بزميلة زوجتي في عملها تتصل بي وتطلب مقابلتي على وجه السرعة ، والتقيت بها فإذا بها تحمل رسالة من زوجتي السابقة بأنها ترغب في العودة للحياة معي مرة أخرى ؛ لأنها لم تجد السعادة مع زوجها الثاني .
ورغم إحساسي بالارتياح ، بل وبشيء من الزهو لهذه الرسالة المفاجئة ... فإنني استمهلت زميلة زوجتي بعض الوقت ؛ للتفكير في
عرضها قبل الرد عليها ، واستغرقت أياما كاملة في التفكير فيه ليلا ونهارا، ووجدتني في الموعد المحدد لإبلاغها بردي ، أجيبها بالاعتذار عن عدم قبول عودتها إلي مرة أخرى ! لماذا ؟ هل هي شهوة الانتقام ؟ هل هي ذكريات التعاسة والخلاف معها ؟ هل هي رغبة التشفي فيها ؟ لا أعرف على وجه التحديد ، والله عليم بما أقول ، فلقد بكيت بمرارة ، حين أرغمتني على طلاقها .. وشعرت بالهوان والضياع ؛ حتى کنت
استجديها لاستمرار ومواصلة الحياة معي ، وتمنيت في أعماقي بعد طلاقها بأسابيع وشهور ، أن ترجع إلي نادمة .
بل وتخيلت نفسي مرارا ، وهي ترجع إلي باكية ، وتقول لي إنها قد أدركت الآن خطأها في حقي ، وتريد أن تبدأ معي من جديد ، فأتردد في القبول قليلا .. ثم لا ألبث أن أقبل راجيا أن تكون قد تعلمت الدرس واستفادت من أخطائها .. فلماذا أرفض الآن يدها الممدودة إلي؟.
لم أجد جوابا صريحا عن هذا السؤال إلى الآن .. ولعلك تساعدني في التوصل إليه .
ولقد اتصلت بي صديقتها مرة أخرى فأكدت لها من جديد رفضي .. وعجبت حين أبلغتني برد فعل زوجتي السابقة لرفضي عودتها إذ قالت لها متعجبة : وما ذنب الأطفال الصغار في أن يتمزقوا بيني وبينه ؟
وتذكرت على الفور ما كانت تجيبني به ، حين أقول لها هذه العبارة المؤلمة نفسها ، وأنا أحاول إقناعها بالعدول عن طلب الطلاق ، وتعجبت كثيرا من تغير الأحوال والأقوال ، فكأنما قد انعسکت الآية وتبادلنا الأدوار ، ثم التقيت بها للحظات عابرة ، خلال زيارة الأبناء لها؛ ففوجئت بها تنظر إلي نظرات غريبة صامتة ، كأنها تتعجب بها من أني أرفضها ، وأنا الذي كدت أن أقبل قدميها ؛ لكيلا تهدم بيتنا وتهجره ، کما لاحظت أيضا أن نظرة الاستعلاء والتفوق ، التي كانت تلمع في عينيها في اللقاءات السابقة قد انطفأت ، وحلت محلها نظرة واجمة ساهمة .. ولكننا رغم ذلك لم نتبادل كلمة واحدة حول الموضوع ، وانصرفت ، وأنا أفكر في أمرها ، وفي أمري معها .
إن صديقتها مازالت تتصل بي من حين لآخر ، وتسألني : أمازلت عند رأیی ؟ فأجيبها الإجابة نفسها ، ولكني أعترف لك أيضا أنني أتمنى في أعماقي ألا تتوقف عن الاتصال بي ، وعن متابعة سؤالي عن موقفي من زوجتي السابقة .. لكيلا أفقد هذا الخيط الذي يربطني بها.
فمإذا تفسر هذه الرغبة الدفينة عندي ؟ وهل تراني أتطلع لأن تستمر صديقتها تلاحقني ؛ لكي أعطيها بعد فترة الضوء الأخضر بالقبول ؟ وهل تنصحني بقبول عودة زوجتي السابقة إلي بعد كل ما فعلت بی .. علما بأني قد بدأت ألمس بعض التغيرات الإيجابية في شخصيتها ، من خلال حديث صديقتها عنها ، ومن خلال أقوال بعض أفراد أسرتي؟
ولكاتب هذه الرسالة أقول :
أما وأنك تود في أعماقك أن تستمر صديقة زوجتك السابقة في ملاحقتك والاتصال بك وحثك على قبول عودة أم أبنائك إليك ؛ فلأنك ترغب بالفعل في أن ترجع زوجتك السابقة إلى بيتك وحياتك وأطفالك ، ولكنك تنكر على نفسك هذه الرغبة ، وتخجل من الاعتراف بها .. وتتمسك بالرفض ، لا نفورا من شخص زوجتك السابقة أو زهدا في عودتها إليك ، وإلى أطفالها ، وإنما انتصارا لكرامتك الشخصية
الجريحة، وثأرا لمعاناتك المريرة التي تجرعتها حين تمسكت بالطلاق منك .. وحين تزوجت غيرك .
وبقدر عمق الجراح ، يطول وقت الشفاء .. والمؤكد هو أن نفسك لم تشف بعد من جراحها ، وأنك مازلت في مرحلة النقاهة مما أصاب النفس من شروخ ؟ والحق هو أن أعمق هذه الشروخ ليس هو شرخ إصرار زوجتك على الانفصال عنك ، و إنما شرخ زواجها من آخر
نما إلى علمك أنها كانت ترتب للزواج منه بعدك ، بدعوى أنه أقدر على توفير الحياة اللائقة بها منك ، فهذا هو الجرح الحقيقي يا صديقي ، الذي يحول بينك وبين الصفح والنسيان خلال وقت قصير ..
ولو لم تكن زوجتك السابقة قد تزوجت هذا الشخص بالذات ، أو لو لم يكن هو موجودا من الأصل في خلفية الصورة من البداية ، لما احتاج الأمر منك إلى تردد طويل في قبول رجوعها إليك ، فأنت كأي أب، حريص على مصلحة أبنائه الصغار ، يسعدك أن ترجع أمهم إليهم ، وأن تقر بخطئها في حقك ، وأن تعترف لك بقدرك الذي أنكرته عليك من قبل ، ولكنك « كزوج » تشعر بالمرارة ؛ لأن يكون سبب فراقها عنك وعن أطفالها هو رجل آخر، حتى ولو كانت قد تزوجته بعد ذلك، وحتى أيضا لو كانت قد اكتشفت وهم السعادة ، الذي طلبته لديه بعيدا عنك وعن أبنائها !
ومن ثم .. فليس غريبا عليك أن تتردد بين الرفض الصريح المعلن .. وبين الرغبة الباطنية الخفية في أن تواصل زوجتك السابقة سعيها
إليك ورغبتها فيك .. فالرفض هنا هو رفض الزوج و «الرجل»، الذي يأنف من التجاوز بسهولة عن نقض العهود وخيانة الوفاء والرغبة هي رغبة الأب ، الذي يهفو قلبه إلى استقرار أطفاله بين أبويهما، ومازال يأمل في أن يتجاوز الحواجز النفسية ، ويستعيد لهم حياتهم الآمنة المستقرة .
غير أني - على الناحية الأخرى - لا أرى في سعيها إليك ما يشير إلى أنها قد تعلمت من أخطائها شيئا جديرا بتسجيله لها ، أو أنها قد اكتسبت خبرة جديدة ثمينة من تجاربها السابقة .. بل لعلي أراها فيه تكرر به الخطأ الأخلاقي نفسه ، الذي وقعت فيه من قبل ، حتى ولم تخرج فيه عن حدود العرف المحفوظ ، وهو أن تسعى - وهي في عصمة زوج تحمل اسمه - إلى رجل آخر ، وتتفاوض معه عن طريق وسيط في الارتباط به ، وتكرارها لهذا الخطأ حتى في حدود العرف المحفوظ ينبئ بأنها لم تتغير كثيرا إلى الأفضل من هذه الناحية على الأقل ؛ لأن سعيها غير المباشر إلى رجل آخر ، عدا زوجها - حتى ولو كان والد أطفالها - يتناقض بالضرورة مع أمانتها كزوجة ، ومع إخلاصها لمن ارتبطت به؟
فإذا كانت صادقة العزم حقا على أن تكفر عن خطئها السابق في حقك ، فليكن أول ما تقنعك به بصدق تغيرها ، هو أن تعترف بلا أخلاقية هذا السلوك من الأصل ، وأن تكف عن تلمس الخطى لنفسها قبل الانفصال عمن ترتبط به .
والإنسان الذي لا يتعلم من أخطائه ولا تجاربه لا أمل فيه ولا رجاء ،
والمرء ليس مطالبا فقط بأن يتعلم من أخطائه وتجاربه الشخصية ، بل ومن أخطاء البشر جميعا وتجارب الإنسانية كلها ، وفي ذلك يقول لنا الشاعر الألماني العظيم جوته إن من لم ينتفع بدروس ثلاثة آلاف عام من عمر البشرية ، لم يتجاوز زاده من الخبرة الإنسانية خبرة يوم بيوم ، ولسوف يكرر أخطاءه أيضا يوما بعد يوم.
وبقدر الخطأ ، يكون حجم التكفير عنه يا صديقي .. فإذا كانت زوجتك السابقة قد تنبهت إلى أخطائها ، واستيقظت أمومتها ، وتنبه إحساسها بواجبها الديني والإنساني تجاه أبنائها .. فعليها أن تبذل في إقناعك بذلك ، وفي السعي للعودة إليك الجهد نفسه الذي بذلته من قبل في مطالبتك بالطلاق والإصرار عليه ، إن لم يكن أكثر ! وإذا كانت لم تسعد بحياتها الشخصية مع من هجرتك للارتباط به ، فلتطلب الطلاق منه ، ولتحصل عليه بغض النظر عن احتمال عودتها إليك أو رفضك لذلك ، ولتقبل بذلك أيضا ثمنا عادلا لخطأ هجرها لأطفالها ، وتمردها على زوجها ، الذي لم يقصر في محاولة استرضائها والحفاظ عليها.
ثم فلتسع إليك بعد ذلك ، راجية أن تتجاوز عما جرى منها ، حرصا على مصلحة الأطفال ، وأملا في تخطي المرارات ومواصلة الحياة إلى بر الأمان ، فهذه هي الخطوة الأولى على طريق التكفير عن الأخطاء .. والاستفادة بدروسها ، ولسوف يعينك ذلك بالتأكيد على اتخاذ القرار الملائم ، الذي يحقق صالح الأبناء، ومصالح الطرفين بغير حساسيات ولا مرارات سابقة .
أما أن تتفاوض معك ، وهي في عصمة هذا « الآخر » على العودة إليك مرة أخرى ؛ لأنها لم تجد السعادة معه أو لم تجدها وهو الأرجح ، بعيدا عن أطفالها فتقبل أنت بذلك على الفور ، وترجع المياه إلى مجاريها بلا عناء هكذا ، فليس ذلك مما يعينها على استيعاب درس التجربة ، ولا على الاستفادة منها ، ولا عجب في ذلك ، ولا غرابة ؛ لأن "أسرع الأشياء نموا أسرعها فناء ، وأبطأها حدوثا أبطئها نفادا ، وما دخل عسيرا لم يذهب يسيرا" ، كما يقول لنا الإمام ابن حزم الأندلسي .. فاطلب من تلك الوسيطة ، أن تبرهن زوجتك السابقة على أنها قد تعلمت حقا من تجربتها بالكف عن هذا الخطأ الأخلاقي ، الذي تمارسه الآن بالتفاوض معك عن بعد ، وبأن تتخذ قرارها بشأن حياتها مع زوجها الحالي ، بغير شروط مسبقة ، ولا ضمانات من جانبك ، ثم فلتفكر أنت بعد ذلك - إن هي فعلت - فيما تتخذه بشأنها من قرارات ، مراعيا في ذلك ما يحقق صالح أطفالك قبل كل شيء ، وما يلبي أيضا رغباتك الحقيقية ، حتى ولو لم تعترف بها بعد مرور الفترة الملائمة لتجاوز المرارات .. والصفح عن الأخطاء
· نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" عام 1997
راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي

برجاء عدم النسخ احتراما لمجهود فريق العمل في المدونة وكل من ينسخ يعرض صفحته للحذف بموجب حقوق النشر