الرجل القوي .. رسالة من بريد الجمعة عام 2002

 الرجل القوي .. رسالة من بريد الجمعة عام 2002

الرجل القوي .. رسالة من بريد الجمعة عام 2002


الآن فقط أستطيع أن أعترف بخطئي .. فأنا رجل في الثامنة والثلاثين من عمري‏,‏ منذ عشر سنوات أردت أن أتزوج فلم أستطع اختيار شريكة حياتي بنفسي‏,‏ لأنني للأسف عديم الشخصية ولا أستطيع أن أتخذ قراراتي بمفردي وإنما يجب أن تقرر لي والدتي ثم أنفذ ما تقرره ولست أعرف هل هي طبيعتي التي كانت تفرض علي ذلك أم أن أمي هي التي عودتني عليه‏,‏ على أية حال فقد رشحت لي أمي فتاة من جيراننا فوافقت على ذلك بدون تفكير وخطبتها لكن خطيبتي ضاقت بسلبيتي وطاعتي العمياء لأمي ففسخت الخطبة‏,‏ وبعد قليل رشحت لي أمي ابنة خالتي وكالعادة فقد وافقت دون تفكير ولمجرد أن أمي قد أمرت بذلك ووقعت خلال فترة الخطبة مشاكل كثيرة بسبب أمي‏,‏ لكن خالتي رحمها الله كانت تحاول دائما إرضاءها وتتنازل كثيرا لكيلا تخسر أختها‏,‏ وأنا كالعادة أنفذ دون تفكير‏,‏ وتم الزواج ووجدت زوجتي مطيعة ومخلصة وتحبني بالرغم من علمها بأنني أقص على أمي كل ما يحدث بيني وبينها وأقدم لها تقريرا يوميا عن حياتنا معا وأنفذ كل حرف تنطق به‏,‏ وحدثت مشاكل كثيرة لا أحب أن أخوض فيها الآن لكنها كلها بسبب أمي‏,‏ وكانت النتيجة أن هجرتني زوجتي أكثر من مرة ورجعت إلى بيت أهلها وقضت فيه فترات طويلة إلى أن يتدخل الأهل بيننا‏.‏


ثم جاءت النهاية حين أقنعتني أمي أن زوجتي تختلس من مصروف البيت وتعطي ما تختلسه لأمها واتهمتني بأنني سلبي ولا أستطيع السيطرة على زوجتي‏,‏ وبدون تفكير عدت إلى البيت ثائرا فوجدت زوجتي وشقيقها فانهلت عليها بالسب بأفظع الشتائم وعندما حاول شقيقها الدفاع عن أخته انهلت عليه وعليها بالضرب والركل‏,‏ ولم أكتف بذلك وإنما طردت زوجتي وهي بملابس النوم من البيت وكل هذا وأنا لا أفكر في شيء سوى في أنني سأظهر بذلك أمام أخوتي وأمي بمظهر الرجل القوي الذي أدب زوجته‏,‏ وبالفعل نلت منهم الاستحسان والتشجيع لما فعلت خاصة أمي التي أرضيتها تماما‏.‏

وبعد مغادرة زوجتي للبيت ذكرتها بأقبح الصفات أمام الأهل والأقارب والجيران‏,‏ ولاحقتها هي وأهلها بمحاضر في الشرطة واتهامات عديدة مرة بالسرقة ومرة بمحاولة الاعتداء علي‏..‏ وكل ذلك بتحريض من أمي واعتقادا أنني بذلك سأؤدب زوجتي بل وكنت أتصل أيضا بزوجتي وأسبها هي وأهلها فلا أسمع منها سوى الدعاء بأن ينتقم الله مني‏.‏
ومضت عدة شهور دون أن يتدخل بيننا أحد وينتهي الأمر بعودة زوجتي إلى بيتها كما اعتدت منها في كل الخلافات السابقة‏.‏
فراودتني نفسي أن أذهب إليها وأطلب منها العودة معي لكني خشيت أن تتهمني أمي بالضعف وعدم الرجولة فتراجعت وطالت فترة وجود زوجتي في بيت أهلها حتى قاربت على السنة وأنا وحيد فاتخذت لأول مرة قرارا دون تدخل من أمي وذهبت إلى زوجتي وطلبت منها أن تسامحني وترجع إلى بيتها فرفضت بإصرار وتمسكت بالطلاق لأنها لم تعد تطيق النظر في وجهي‏,‏ وبعد تردد طويل لم أجد مفرا من طلاقها فطلقتها‏.‏

 

ووجدتني بعد ذلك أضيق بأمي ضيقا شديدا وأعتبرها المسئولة عن هدم أسرتي الصغيرة وبيتي‏,‏ وهكذا ابتعدت عنها وامتنعت عن الكلام معها ورؤيتها‏..‏ وحين جاءت تزورني ذات يوم رفضت العودة إلى البيت إلا بعد أن تأكدت من انصرافها منه‏,‏ ومضى على ذلك الآن عامان ولست أقول إنني أكرهها وإنما أشعر فقط بأنني لا أريد أن أراها‏,‏ أو أرى أخوتي الذين يعيش كل منهم الآن هانئا مع أسرته وهم الذين كانوا يشجعونني على ظلم زوجتي‏.‏
إنني أحيا الآن وحيدا وأصلي وأدعو الله أن يغفر لي ويجعل زوجتي تصفح عني‏,‏ وأطالب كل زوج تتدخل والدته في حياته بأن يضع حدا لهذا التدخل حتى لا تنهار أسرته كما حدث معي‏..‏ فماذا تري؟

ولكاتب هذه الرسالة أقول‏:‏

مفتاح مشكلتك مع زوجتك السابقة يكمن في هذه العبارة التي تكررت عدة مرات في رسالتك فأشارت إلى جوهر المشكلة وهي عبارة بدون تفكير‏!‏
فلقد قبلت في البداية بخطبة جارتك بدون تفكير لأن والدتك هي التي رشحتها لك ثم قبلت بابنة خالتك بدون تفكير كذلك ولنفس السبب‏,‏ وشهدت فترة خطبتك لها العديد من المشاكل كلها بسبب والدتك ولأنك تنفذ كل حرف تنطق به بدون تفكير‏,‏ وتكررت المشاكل على نحو أعمق بعد الزواج إلى أن بلغت ذروتها حين أقنعتك والدتك بأن زوجتك تختلس بعض مصروف البيت فرجعت إليها ثائرا‏,‏ وانهلت عليها وعلى شقيقها بالضرب والإهانة وطردتها من البيت بملابس النوم ولاحقتها بالافتراءات والمحاضر الكيدية والسباب لها ولأهلها عبر الاتصالات الهاتفية‏,‏ ومع أن أهلها هؤلاء هم بعض من أهلك أنت وكل ذلك بدون تفكير ولأن والدتك قد أوحت لك به أو شجعتك عليه أو لكي تظهر أمامها وأمام إخوتك بمظهر الرجل القوي الذي يؤدب زوجته‏!‏


فكيف يتصرف إنسان رشيد بلغ طور الرجولة في حياته وحياة من يرتبطون به على هذا النحو الغريب؟
وما مظهر القوة في ضرب وركل وصفع زوجة شابة هي وشقيقها وطردها من منزلها بملابس النوم؟
إن الإنسان يحتاج لأن يطيل التفكير في كل أمر يتعرض له حتى يتبين مواقع أقدامه ووجه العدل والصواب والمصلحة في كل خطوة يخطوها خاصة إذا كانت ستتأثر بها حياة الغير أو حياته‏..‏ فكيف يعفي إنسان نفسه من التفكير في أي أمر ومن اتخاذ القرارات لنفسه اكتفاء بأن تقوم والدته نيابة عنه بكل ذلك‏..‏ ويكتفي هو بالتنفيذ الحرفي دون تبصر؟
إن الطاعة العمياء للآخرين مهما بلغ حب المرء واحترامه لهم هي من سمات العبيد وفاقدي الأهلية‏,‏ وليست أبدا من صفات الأحرار وذوي الحجى والرشاد الذين يفرقون بين ما تجوز الطاعة فيه وما لا تجوز ويطيعون من يحبونهم ويحترمونهم طاعة مبصرة عاقلة وليست عمياء هوجاء كما كنت تفعل مع والدتك إنني لا أشعر بالارتياح لمحاولتك الآن إعفاء نفسك من أي مسئولية عما حدث اكتفاء بإلقاء كل المسئولية على والدتك وأخوتك‏,‏ وتعبيرك عن ذلك بقطيعتك لها ولهم‏.


ولو أنصفت لما قاطعتهم حتى ولو كانوا قد أساءوا المشورة لك‏,‏ لأن الإنسان مسئول في النهاية عما جنت يداه وعما ارتكب من أفعال‏,‏ ولا يمكن أبدا إعفاؤه من المسئولية بزعم أنه كان عديم الشخصية ويطيع والدته بلا تردد أو يستجيب لتحريضها وتحريض إخوته له على زوجته‏,‏ فلقد تزوجت بعد أن تخطيت الثامنة والعشرين من عمرك وأيا كانت سيطرة والدتك عليك أو نوع القيم العائلية السائدة في محيطك العائلي والتي ترى في ضربك لزوجتك وطردها ما يستحق الاستحسان والتشجيع من الإخوة وليس اللوم والاستنكار‏..‏ فالمحصلة النهائية هي أنك ابن هذا المحيط العائلي وهذه القيم السائدة‏..‏ وأنك فعلت ما فعلت عن إرادة واختيار وتهور واندفاع وأفكار فاسدة عن الحياة الزوجية‏..‏ ولدد في الخصومة بدليل ملاحقتك لزوجتك بعد طردها من البيت بالاتهامات والإهانات والمحاضر الكيدية‏..‏ بدلا من الإقرار بالخطأ والاعتذار عنه‏.‏

 

 فإذا أردت أن تبدأ حياة جديدة تجنب خلالها أشواك تجربتك السابقة فلابد أن تتخلص أولا من هذه الأفكار الفاسدة وهذا الحمق والتهور والاندفاع واللدد في الخصام ولابد أن تعترف بمسئوليتك الكاملة عن انهيار زواجك وتعفي والدتك وأخوتك من المسئولية عنه بالرغم من أنهم قد ساهموا بالفعل في انهياره‏,‏ لكن مسئوليتهم ثانوية إلى جوار مسئوليتك الجسيمة وتركيزك على توجيه اللوم لهم ومقاطعتهم الآن إنما يعنيان أنك مازلت تفضل إعفاء نفسك من المسئولية عن حياتك وتحميلها للغير استطرادا للاستنامة إلى أن يتخذ لك الآخرون القرارات المصيرية ويتحملوا كامل المسئولية‏,‏ عنها إذا أردت أن تغير حياتك وتستفيد من الأخطاء السابقة فلا تلومن إلا نفسك في النهاية عن فشل زواجك السابق‏..‏ ووطن النفس من الآن على ألا تصدر فيما تتخذه من قرارات أو مواقف إلا عن نفسك وليس عن أي مصدر خارجي‏..‏ وحين تنجح في ذلك فلقد تجد زوجتك السابقة فيما سوف تلمسه في شخصيتك من تغيرات إيجابية ما يدعوها للتفكير وإعادة النظر في موقفها منك‏..‏ فإن لم تفعل ذلك فلسوف تكون أنت صالحا للارتباط بغيرها والحياة معها على نحو سليم‏.‏


وإذا كان هناك في النهاية من يستحق التهنئة في هذه القصة كلها فهي جارتك التي كانت بعيدة النظر فرأت علامات الخطر بادية في الأفق البعيد فآثرت الانسحاب والنجاة من العاصفة قبل هبوبها‏!

·       نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" عام 2002

راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي


Neveen Ali
Neveen Ali
كل ما تقدمه يعود إليك فاملأ كأسك اليوم بما تريد أن تشربه غداً
تعليقات