نداء العقل .. رسالة من بريد الجمعة عام 1985

 

نداء العقل .. رسالة من بريد الجمعة عام 1985

نداء العقل .. رسالة من بريد الجمعة عام 1985


اعتدت أن أقرا في مقدمة رسائل بعض قراء البريد عبارات تقليدية تؤكد لي في البداية أني رغم ما قرأت من مشاكل سوف اقرأ في السطور التالية مشكلة لم تعرض علي من قبل ولم تخطر لي على بال .

ولأني فقدت منذ زمن طويل ومن كثرة ما لمست من هموم البشر قدرتي على "التعجب" أو "الاستغراب" لأي شيء فإني اتجاوز هذه العبارة عادة متوقعا أن تكشف الرسالة في النهاية عن مشكلة كمشاكل البشر الذين تتشابه همومهم في أغلب الأحيان .. لكن هذه الرسالة فاجأتني بالفعل بأني مازلت قادرا على التعجب ! |

تقول كلمات الرسالة بعد حذف "العبارة التقليدية" :

 

إني يا سيدي أنظر حولي فأرى الناس يشكون من مشاكل عديدة لكن ليس من بينها مشكلة كالمشكلة التي أعيشها الآن .. إنني يا سيدي موظفة جامعية في الأربعين من عمري .. زوجة وأم .. زوجي يشغل منصبا علميا كبيرا ولي ابنتان في بداية سن الشباب تدرسان في إحدى الكليات وصورة أسرتي من الخارج تقدم للناس صورة لامعة.

 فأنا موظفة محترمة أتقاضی حوالي ۲۵۰ جنيها كل شهر وزوجي في منصب مرموق ودخله يصل إلى 450 جنيها وابنتاي طالبتان متفوقتان في دراستهما وعلى خلق طيب وزوجي والحمد الله زوج مثالي وإنسان ممتاز بكل معنى الكلمة هاديء الخلق لا يثور ولا يغضب .. ولا ينطق بكلمة جارحة لأحد وهو أيضا محبوب من كل زملائه و معارفه لولا .. وآه من لولا هذه .. لولا حبه العجيب لشراء الكتب ! ستقول لي إنها مشكلة صغيرة فأقول لك ليس من يسمع كمن يرى فتفضل بزيارتي لتعرف أنها ليست مشكلة صغيرة وإنما هي مشكلة تهدد حياتي الزوجية وحياة ابنتي ومستقبلهما بالخطر .

 

فزوجي يا سيدي مصاب والأمر لله "بداء" شراء الكتب والاحتفاظ بها الكتب التي يحتاج إليها والتي لا يحتاج إليها .. والكتب التي سيقرؤها والكتب التي لن يفض غلافها .. وهو يشتري الكتب بلا تمييز ويرصها على الأرض في كل شبر من الشقة ولو زرتني لما استطعت أن أجد مكانا أستقبلك فيه .. فالكتب بربطاتها تغطي جميع جدران الشقة من الصالون إلى الصالة إلى غرفة الطعام إلى غرفة نوم الأولاد إلى غرفة نومي إلى المطبخ إلى جزء من الحمام .. صفوف صفوف بارتفاع قامة الرجل ، وهی صف أول وصف ثان وصف ثالث كأنها جدران سميكة أمام جدران الشقة وقد إمتلات شقتي التي أعيش فيها خلال السنوات الأخيرة بعد أن امتلأت بها غرفة الغسيل على سطح العمارة التي نقيم بها .. فبدأ يخزن الكتب في شقتي وبدأ عذابي معها .

 

 لقد استعنت بصديقة تعمل مهندسة معمارية طلبت منها زیارتي ورؤية هذه الكتب لأني قد بدأت أخشى على الشقة من الإنهيار من ثقل ما تحمله فجاءت الصديقة وروعت بما رأته ثم أخرجت ورقة وقلما وآلة حاسبة وراحت تجرى حساباتها وتقديراتها ومحاولاتها لإحصاء عدد الكتب .. ثم قالت لي إنها تقدر وزن هذه الكتب بحوالي 35 طنا .. وأن هذا الثقل يمكن بالفعل أن يهدد سلامة الشقة على المدى الطويل بالخطر فلما اصطحبتها إلى الشقة المغلقة لتراها لم تستطع أن تجد لنفسها ممرا بين صفوف الكتب المتراكمة فصرخت مندهشة ثم خرجت .

 

لقد كنت في بداية حياتي الزوجية أضيق قليلا بهذه الكتب لكني كنت في النهاية أعتبرها مشكلة جانبية يمكن احتمالها خاصة وزوجي فيما عدا ذلك زوج مثالي لكن الأمر اختلف الآن فلقد كان زوجي عندما تزوجنا في بداية حياته ويتقاضی ثلاثين جنيها وكنت أتقاضى عشرين جنيها كان ينفق من دخلنا المشترك حوالي 10 أو 15 جنيها على شراء الكتب فلا اهتم بذلك كثيرا ثم واصل دراسته وحصل على أعلى الدرجات العلمية وشغل منصبا هاما وزاد دخله فزاد إنفاقه على شراء الكتب حتى أصبح ينفق حوالي مائة جنيه كل شهر على شرائها ولم أتوقف عند ذلك كثيرا رغم بعض المضايقات التقليدية كأن أطلب منه شراء شيء لي فيخرج ليشتريه ثم يعود بعد ساعات بغيره وإنما "برصة كتب" وقد نفدت نقوده فأثور وأغضب ثم أنسى بعد حين أو كأن أضيق بالكتب التي بدأت تتكاثر في شقتي حتى ضيقت علي حرية الحركة وأعاقت ابنتي عن اللعب ، لكن الأمر تطور تطورا خطيرا خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة فقد زاد إنفاقه على الكتب حتى أصبح يبتلع تقريبا كل ما يتبقى من دخله بعد دفع الإيجار! ولماذا ؟ لا اعرف !

 إن بعض الكتب التي اشتراها لم تفك عنها أربطة الدوبار التي ربطها بها البائع منذ عشر سنوات حتى الآن .. ومع ذلك فهو يشترى المزيد والمزيد .. وبعض الكتب التي يشتريها لا يصدق أحد انه ممكن شراؤها فهو يشتري الكتب التي تدرس في كلية الطب وهو ليس طبيبا ولا طالب طب .. ويشتري و"يرص" في البيت حتى فتحت عيني ذات يوم فوجدت نفسي أعيش في نصف مساحة الشقة التي تزوجت فيها أما النصف الآخر فقد احتلته الكتب القديمة والجديدة .. ووجدت نفسي أخجل من مظهره الرث لأننا لم نجدد فيه قطعة أثاث واحدة خلال عشرين سنة .. ولأنه لا مكان للضيوف حتى في الصالون وتفاقم الأمر بعد أن كبرت البنتان وبدأت مطالبهما تزيد وبدأت تطلعاتهما تكبر أيضا بدأت البنتان تتساءلان .. لماذا يا أمي لا نعيش حياة لائقة بمركز أبي وبمركزك .. وبدخل اسرتنا ؟ فلا أجد جوابا شافيا .. أو تتساءلان لماذا يا أمي يبدو أبي "مبهدلا" دائما لا يغير البدلة التي يرتديها لعدة سنوات ولماذا لا نجد ملابس لائقة بنا .. وغيرنا بدخل أقل من دخلنا يحيا حياة أفضل من حياتنا .. ويرتدون ملابس أفضل من ملابسنا ولديهم سيارة وليس لنا سيارة .. ولهم حياة اجتماعية ونحن لا نستطيع أن تخرج في فسحة و لو مرة كل شهر لقلة النقود .

 

وافقت على الواقع الأليم الذي أعيشه اكتشفت أنني انفق مرتبي كله على الأسرة .. أما زوجي فيدفع بعض الضروريات ثم يضيع مرتبه كله على هذه "الرصات" من الكتب .. اكتشفت أننا نعمل منذ عشرين سنة ودخلنا كبير ولم ندخر مليما واحدا للبنتين استعدادا للمستقبل أو لزواجهما واكتشفت منذ سنوات أني لم أخرج معه في مشوار أو فسحة كأي زوجين منذ سنوات لسبب غريب هو أني بصراحة أصبحت اخجل من ملابسه الرثة ومظهره الذي لا يليق به ولا بي ، أما هو فلا يهمه شيء .. وليس لديه رد على انتقادات الأقارب والأصدقاء لمسلكه ومظهره سوى أنه "جهل" منهم ! وتكهربت حياتنا .. مع مطالب البنات واستمرار زوجي في أسلوب حياته حتى عجزت عن التصرف.

 

هل تعرف من هو أعدى أعدائي الآن ؟ إنه سور الأزبكية الذي تباع عليه الكتب القديمة .. هل تعرف ما هي أتعس أيامي كل سنة ..إنها هذه الأيام و المباركة التي يقام فيها معرض الكتاب الدولي في القاهرة والذي تفرحون به وتتهللون له كل سنة !

إن أيام هذا المعرض هي أيام الخراب بالنسبة لي .. فهو يشتري منه بكل ما في يده من نقود ولو كان له رصيد في البنك لسحبه كله خلال انعقاد معرض الكتاب لعنة الله عليه ! ستقول لي طبعا أن الثقافة شيء مهم .. وهواية شراء الكتب أفضل من أشياء أخرى ، فأقول لك إنها ليست ثقافة .. صدقني فزوجي بعد كل هذا العذاب أشرف على الخمسين ولم يكتب مؤلفا واحدا ومازال شارعا في تأليف أول كتاب له منذ سنوات ، وإنه لا يقرأ هذه الكتب بل بعضها .. أو القليل منها .. وأن هوايته ليست قراءة الكتب وإنما ترتيبها ورصها وهو يمضي 4 أو 5 ساعات في ذلك كل يوم ولا يمنع ذلك من أن يقرأ بغير انتظام كل حين ثم إنه يشتري من الكتاب الواحد أحيانا 4 نسخ أو ه نسخ .

 

إني اكتب لأقول لك أن سفينة حياتي تتعثر الآن بسبب هذه المشكلة

وأنتي لأول مرة في حياتي قد بدأت أرفض هذه الحياة وأطالبه بأن يرعی مستقبل ابنتيه وأن يوفر لنا حياة لائقة خاصة وقد تجمع لديه مايزيد على ۳۰ ألف كتاب سيفتي العمر قبل أن يفنيها .. وعلاقتنا الآن متوترة لهذا السبب ومطالب ابنتي تؤرقني .. ومستقبلهما يؤرقني .. وتساؤلاتهما تعذبني ، وقد طالبته بأن يوجه دخله لأسرته ولرفع مستواها وبالكف عن شراء الكتب بلا ضرورة فيعدني ثم يخلف وعده ، ثم يقول لي إنه عاجز عن التوقف عن الشراء .. فهل أنا على حق في موقفي ؟ وبماذا تنصحني أن افعل ؟

 

ولكاتبة هذه الرسالة أقول:

إن مشكلتك يا سيدتي ليست بالفعل مشكلة صغيرة وإنما هي مشكلة خطيرة تعاني منها أسر عديدة .. لكنها تعبر عنها بصورة فريدة بالفعل.

فمشكلتك هي إحدى صور مشكلة سوء توزيع دخل الأسرة على متطلباتها .. وهي لا تختلف كثيرا عن مشكلة أسرة نجار المسلح مثلا الذي يكسب 600 جنيه كل شهر فينفق منها على طعامه هو وحده وشرابه ومكيفاته ونزواته 550 جنيها وينفق الخمسين الباقية على أسرة من 5 أفراد تعيش في أدنى مستوى اجتماعی ممکن . إنها نفس المشكلة مع فارق المستوى العلمي والثقافي للأسرتين .. ومع الفارق في وجوه الإنفاق .. وهي مشكلة ضعف إحساس رب الأسرة بالمسئولية عن أسرته أو بمعنى أصح عن رعيته ، لأن رب كل أسرة هو راع ومسئول عن رعيته ، وأولى مسئولياته أن يقيم العدل في مملكته الصغيرة هذه ، والعدل يتطلب أن يوزع دخله على أسرته توزيعا عادلا يلبي الاحتياجات ويحقق مطالبها الضرورية ويوفر لها الحياة اللائقة ، والاعتدال في كل شيء هو قمة الحكمة .. ولو أتيح لي أن ألتقي بزوجك لما نصحته بألا يشترى الكتب ، لأن الكتب لمن يعمل في مجاله هي من الضروريات وليست ترفا ، وإنما لنصحته بألا يشتري منها إلا ما يحتاج إليه فعلا وما يتناسب مع إمكانياته بعد توفير الحياة اللائقة لأسرته ، ولنصحته أيضا بأن يكون عادلا مع أسرته حتى في المساحة التي يخصمها لكتبه في مسكنه فمن حقه أن تكون له مكتبة في إحدى غرف الشقة لكنه ليس من حقه بالتأكيد أن يخزن ۲۰ طنا من الكتب في شقة سكنية ضيقة لا يقرؤها ولا يفك أربطتها ، ولنصحته أيضا بأن يتخلص مما لا يحتاج إليه من هذه الأطنان ولو أراد أن يؤدي خدمة ثقافية جليلة للأجيال الصاعدة لنصحته بالتبرع بهذه الكتب الزائدة لمن لا يستطيعون شراءها من الشباب فيساهم في تثقيفهم وفي تحقيق الاستفادة من هذه الكتب العاطلة .. وفي ذاكرتي تجربة مماثلة مع أديب مثقف ضاق مسكنه بكتبه فكتب إلي عن استعداده لإهدائها لمن يرغب في القراءة والاطلاع من الشباب فحققت رغبته فلم تمض أيام حتى كانت طوابير الشباب تقف أمام باب شقته فوزع كتبه عليهم جميعا ووزع خلال أيام آلافا من الكتب فأفاد الكثيرين وأفاد الثقافة بتصرفه النبيل .

 

أما أنت يا سيدتي فاني أنصحك بأن تكوني رفيقة به رغم كل شيء وبألا تفرطي فيه وبأن تواصلي الكفاح معه للحفاظ على الأسرة بمزيد من التفاهم والتضحيات المشتركة من الجانبين .

فمشكلتك رغم غرابتها ليست نادرة الحدوث وهي مشكلة زوجات كثير من المشتغلين بالعلم والأدب والثقافة .. ( والبيوت أسرار ، كما يقولون ! فقط عليك أن تضاعفي من جهدك لإقناعه بضرورة أن يوجه معظم دخله للارتفاع بمستوى أسرته وتأمين مستقبلها .. وبضرورة ألا ينسى نصيبه من الدنيا فالمظهر اللائق هو أيضا من الضروريات له ولكل أفراد أسرته والجمال قيمة ينبغي الحرص عليها كقيم الثقافة والعلم والمعرفة ، وحبذا لو استطعت إقناعه برفق وهو العالم المثقف بأن ما يعاني منه ليس "حالة ثقافية" بالمعنى المعروف .. وإنما هي حالة مرضية ، لاشك فيها هي حمي الشراء التي يعرف المتخصصون عنها الكثير ولعلهم يحللونها لنا تحليلا علميا مفيدا .

 

لذلك فمن المفيد أن يقتنع بضرورة استشارة الطبيب النفسي وأنا واثق أنه سوف يستجيب لنداء العقل ونداء العدل لأنه كما تقولين أنت زوج مثالي وإنسان ممتاز من كل الوجوه لولا ! وليست هناك حياة خالية من "لولا" هذه يا سيدتي لكن صورها وخطورتها تختلف من حياة إلى أخرى .. ثم أليس طلب العلاج وإقناعه به أجدى من أن تعلني "الحداد" عند افتتاح معرض الكتاب الدولي كل سنة ؟

 ·       نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" عام 1985

راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي


Neveen Ali
Neveen Ali
كل ما تقدمه يعود إليك فاملأ كأسك اليوم بما تريد أن تشربه غداً
تعليقات