رسالة من حجرة الصالون .. رسالة من بريد الجمعة عام 1985

 رسالة من حجرة الصالون .. رسالة من بريد الجمعة عام 1985

رسالة من حجرة الصالون .. رسالة من بريد الجمعة عام 1985


قد يرى البعض في هذه الرسالة "حالة خاصة" لا تستحق الاهتمام لكنى على العكس من ذلك أرى فيها نموذجا للخطأ الصغير الذي يمكن أن يهدم صرحا كبيرا في بعض الأحيان .
كما أرى فيها صورة لما يحدث أحيانا في كثير من البيوت مع اختلاف التفاصيل في هذا الزمن العجيب .. تقول كلمات الرسالة :

 

اكتب لك هذه الرسالة من حجرة الصالون في شقتي حيث أعيش وأبيت منذ فترة غير قصيرة مع طفلي الوحيد بعد أن هجرت زوجي وتركت له غرفة النوم وأصبحنا منفصلين تحت سقف واحد .. اكتب إليك لأستشيرك فيما جرى لعلك تساعدني على سلوك الطريق الصحيح .
الحكاية يا سيدي أنني زوجة وأم لطفل وزوجي شاب مقبول جمعتني به المشاعر الطبيعية بين الزوجين ولا اعتراض لي عليه في شئ سوى أنه حاد المزاج جدا وعصبي جدا ومتحمس جدا في كل شئ .. ومن سوء حظي أنه من عشاق كرة القدم ومن المشجعين المتعصبين لناد قاهري كبير , وهو يحرص على مشاهدة كل مباريات الكرة في التليفزيون بالبيت وخاصة مباريات فريقه .. وهنا تبدأ متاعبي , فهو عند مشاهدة المباراة يفقد السيطرة على نفسه وتخرج منه ألفاظ بشعة تخدش الحياء وألفاظ سوقية رهيبة لا يتصور احد أنها صادرة عنه وهو الشاب المثقف المتعلم .. فإذا هُزم ناديه أسرعت بغلق النوافذ وإحكام الأبواب لكي لا يسمع الجيران هذه الألفاظ النابية .. ويسوء حكمهم على أخلاقياتنا ومستوانا الاجتماعي .


وبعد المباراة يبدو منهكا كأنه كان يلعب المباراة بقدميه فيتصبب العرق منه وتتلاحق أنفاسه .. والكارثة الكبرى تقع حين يُهزم ناديه .. ومن سوء حظي وحظ طفلي الوحيد أن ناديه هُزم هذا الموسم 3 مرات فتخيلوا حالي وما عانيته في كل مرة من تشنجات عصبية وشتائم وسخائم تصم الآذان أثناء المباراة ثم نكد وجو صامت حزين بعد المباراة كأننا في مأتم .. قد تقول إنها مشكلة ثانوية لا تستحق كل هذا الاهتمام لكنى أقول لك أن هذه المشكلة التافهة هي التي غيرت مجرى حياتي الآن منذ أكثر من شهر .. فقد حاولت كثيرا إصلاحه وتهذيبه ومنعه من التلفظ بهذه الألفاظ السخيفة لكي لا يعتاد طفلنا على سماعها ولكي لا تتسرب إلى الجيران فلم تجد محاولاتي صدى .. فأصبحت حين تذاع مباراة اجلس بعيدا عنه مع طفلي خوفا منه ومن هياجه وحتى نتجنب ثورته وحزنه وغمه ونكده الذي يستمر بعد المباراة .. إلى أن وقعت الواقعة التي لم تكن في حسباني أبدا .


في إحدى المباريات كنت لسوء حظي قد قررت أن الفت نظره إلى ما يفعله فقال لي .. "مالكيش دعوة" ويشاء القدر أن يُحرز الفريق المنافس هدفا في فريقه فانقلب كالثور الهائج لا تهدأ له حركة يفرك يديه بعنف ويشد شعره , فانسحبت من لساني وقلت له : مش معقول كده ده مش تشجيع ده .. فإذا به يستدير نحوي بانفعال شديد متشنجا ثم .. ثم .. ثم .. يبصق على وجهي ! هل تتخيل ذلك يا سيدي .. يبصق على وجهي أنا زوجته وأم طفله وشريكة عمره لأنني فقط لفت نظره إلى ما يفعل .. اعرف أنه فعل ذلك في لحظة انفعال لكني لا استطيع أن اغفر له جرحه لكرامتي بهذا الشكل المهين ولهذا السبب التافه .. إنني جريحة الكرامة أعاني آلام مبرحة في قلبي ومشاعري ولا استطيع تصور فكرة العيش معه مرة أخرى رغم محاولاته العودة لي فهل أنا على حق يا سيدي ؟

 

ولكاتبة هذه الرسالة أقول :

نعم يا سيدتي أنت على حق في غضبك لكرامتك وفى رفضك لهذا الأسلوب المجنون في الاستمتاع بمشاهدة مباراة كرة , وأنت على حق أيضا في استنكارك لهذه الألفاظ النابية ولهذه العصبية وهذه التشنجات خلال مشاهدة مباراة كرة كأن ما يجرى فيها يتوقف عليه مصير العالم .. أنت على حق في كل ذلك وزوجك أجرم في حقك حين بصق في وجهك من أجل ملاحظة عابرة خلال مباراة كرة .
لكنى الفت نظرك إلى أن ما يعاني منه زوجك وباء منتشر في معظم أنحاء العالم وليس مقصورا على بيتك فقط وكثيرا ما يتسبب في كوارث كبرى عامة وعائلية على السواء خاصة في الملاعب العامة حيث تتجمع أعداد غفيرة من البشر الهائجين المتحمسين فتحكمهم نفسية الحشد وهى نفسية سريعة الالتهاب سهلة الاستثارة يمكن خضوعها لمؤثرات خارجية كما يمكن أن تنجرف إلى العنف بسهولة , وفى هذا الحشد يمكن أن يخرج الأفراد عن أطوارهم بسهولة وتصدر عنهم تصرفات لا تتسق مع نمط سلوكهم العام في الحياة أو نمط شخصياتهم الطبيعية.

 

ومشكلة زوجك هي أنه يشاهد مباريات الكرة وحيدا في شقته ولكن بنفسية هذا "الحشد" الهائج سريع الالتهاب فتندفع القذائف من فمه ويمكن أن يصدر عنه رد فعل عنيف لأي تصرف أو ملاحظة كما حدث معك للأسف وترتب عليه تعكير صفو حياتكما .. وأنا بهذا الكلام لا أدافع عن تصرفه وإنما أفسره فقط .. بل إنني في الحق لا احترم من يخرج عن طوره لمثل هذا السبب غير الجاد وأعجب ممن ينفعلون أو يحزنون أو يثورون لمباراة كرة أو ما أشبه ذلك من الأسباب وأقول لنفسي دائما : لو خلت الدنيا من كل الهموم والمشاكل والآلام لحق أن نحزن أو نتجادل ونتخاصم لمثل هذه الأسباب غير الجدية , ومع ذلك فلقد عكر خطأ صغير هو الانفعال خلال مشاهدة مباراة كرة صفو حياة أسرة صغيرة وكاد يعرضها للخطر وهذا هو درس التجربة الذي ينبغي أن يتعلمه زوجك وان يستوعبه ..فمعظم النار من مستصغر الشرر .. وأنا معك فيما فعلت حتى الآن لكنى أسألك وماذا بعد ؟

 

إن هناك مبدأ قانوني معروف هو تناسب العقوبة مع الجريمة فلا يجوز أن يعاقب مخالف لإشارة المرور مثلا بقطع أذنه .. ولا أن يعاقب قاتل بدفع غرامة .. وأنت قد عاقبته بما فيه الكفاية حتى الآن وهو بالضرورة نادم لما بدر منه وراغب في إصلاح الأمر بينك وبينه فاقبلي اعتذاره هذه المرة على أن تكون المرة الأولى والأخيرة .. وتجنبي بقدر الإمكان مجادلته أو الاقتراب منه خلال لحظاته المتفجرة .. وأنصحك بأن تقدمي إليه قبل كل مباراة قرصا مهدئا وكوبا من عصير الليمون وبمجرد أن يطلق الحكم صفارة البداية تسرعين بالفرار بعيدا عنه إلى أن تنتهي المباراة .. وعجبي لما أقرأ وأسمع في بعض الأحيان !.

·       نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" أغسطس عام 1985

شارك في إعداد النص / علا عثمان

راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي 


Neveen Ali
Neveen Ali
كل ما تقدمه يعود إليك فاملأ كأسك اليوم بما تريد أن تشربه غداً
تعليقات