كشف الأسرار .. رسالة من بريد الجمعة عام 1994
اكتب لك هذه الرسالة وأنا في مرحلة النقاهة من أزمة صحية ألمت بي مؤخرا فأنا رجل متوسط العمر بدأت كفاحي في الحياة عقب تخرجي مباشرة في كليتي ، فعملت بوظيفة حكومية في الصباح ، وبعمل خاص بي في المساء، وأعطيت العملين كل جهدي وفكري وطاقتي فكانت ساعات عملی تطول إلى 15 ساعة يوميا ولا تقل أبدا عن ۱۲ ساعة ، وبعد عدة سنوات من الكفاح انتقلت من عملي الحكومي إلى عمل آخر أفضل ماديا بالقطاع الخاص مع استمرار عملي المسائي وواصلت الجهاد في معركة الحياة ففتح الله لي أبواب الرزق ، وأصبحت خلال سنوات معدودة رجل أعمال ناجحا والحمد لله .. وكنت قد تزوجت وأنا موظف من زوجتي .. وهي سيدة فاضلة عظيمة ووفية فرعتني ورعت أبنائي منها وهيأت لي التفرغ لعملي ، وككل زوجين كانت هناك بعض المشاكل العابرة في حياتنا من حين لآخر لكننا كنا تتجاوزها بالتسامح والصبر ، كما كانت أسفاري للخارج تساهم من ناحية أخرى في تجاوز هذه الخلافات العابرة ، إذ كنت أرجع منها في كل مرة مشتاقا إلى زوجتي وبيتي وأطفالي مهما كانت الخلافات البسيطة بيننا فلا أجد من زوجتي إلا الشوق والفرحة الصادقة باللقاء ، لكنه وبعد سبع سنوات من زواجنا حدثت بيني وبينها مشكلة كبيرة بعض الشيء وكنت وقتها على وشك السفر للخارج في إحدى رحلات العمل .. فأملت أن يسهم افتراقنا المؤقت في تهدئة الأعصاب كالعادة وسافرت .. وأنجزت أعمالي سريعا ووجدتني لا أرغب في العودة لمصر سريعا قبل أن تمر فترة كافية لصفاء النفوس ، فقررت أن أقضي أسبوعا آخر في البلد الأوروبي الذي أزوره وتساءلت عما أفعل خلاله وأنا الذي لم يعتد حياة الفراغ فهداني تفكيري لأن اتصل بشركة من الشركات السياحية التي تنظم رحلات داخلية في هذا البلد لأشترك في إحدى رحلاتها واتصلت بالشركة بالفعل وشاركت في رحلة جماعية إلى مدن الجنوب في هذه الدولة.
وبدأت الرحلة وأنا أحاول الانشغال بما أراه وأشاهده عن كل شيء آخر، فتعرفت على فتاة من أصل عربي عمرها ۲۱ عاما تدرس بالجامعة وتعمل وتتحدث أربع لغات منها اللغة العربية ، وبهرتني هذه الفتاة بنبوغها وثقافتها ومحافظتها على التقاليد الشرقية بالرغم من حياتها وحيدة في هذه الدولة الأوروبية التي جاءت إليها للدراسة وبدأت بيننا صداقة عميقة أساسها الاحترام والثقة ، ورجعت من رحلتي إلى مصر وقد أصبحنا صديقين حميمين ، واستمرت الاتصالات بيننا بعد ذلك شبه يومية بالتليفون والفاكس كما تكررت اللقاءات بيننا عند سفري للخارج أو حضورها لمصر ، ووقفت إلى جوارها في أحداث وتطورات كثيرة ، وساعدتني هي أيضا من ناحيتها في أعمالي وخلال عام واحد كانت علاقتنا قد تعمقت كثيرا ، وأنهت في دراستها الجامعية فاشتركنا في عمل مشروع صغير في بلدها ، وكان المشروع الصغير بداية ناجحة لنا معا، ولها هي على وجه الخصوص .
وبعد عامين من تعرفنا وصداقتنا وجدنا نفسينا نرغب بشدة في الارتباط الكامل بيننا ولأنني أخشى الله كثيرا وأكره أن أغضبه .. ولأنها
كذلك متدينة فلقد اقتنعنا معا أنه لابد لنا من أن نتزوج عرفيا لكي يتحقق ارتباطنا المشروع، وبغير أن يؤدي ذلك إلى متاعب عائليه لي مع أسرتي وأبنائي ، وتزوجنا عرفيا بالرغم مما واجهته زوجتي الثانية من معارضة شديدة من أسرتها لهذا الزواج ، وازدادت علاقتنا بعد الزواج قوة وعمقا، وزاد منها أن أهلها قد انصرفوا عنها وقاطعوها فأصبحت أنا كل أهلها ودنياها كما ازدادت أيضا للدهشة علاقتي بزوجتي الأولى عمقا وقوة بعد زواجي السري هذا ، ولا تسألني کيف
أو لماذا لأنني أروي لك ما حدث بغير أن أعرف تفسيرا له ، فلقد وجدت كل خلافاتنا السابقة البسيطة تذوب فجأة بعد زواجي ووجدتني أسعد بأوقاتي مع زوجتي الأولى ، كأفضل ما يسعد زوج محب لزوجته المخلصة وأسعد بأوقاتي مع أبنائي منها ، وحين أسافر للخارج والتقي بزوجتي الثانية أسعد بأوقاتي معها كأفضل ما يفعل عاشقان يستمتعان بالحب والمشاعر الجميلة.
وقمت مع زوجتي الثانية بتأسيس شركة تجارية باسمينا معا في بلدها ، ونجحت الشركة خلال وقت قصير وحققت لنا خيرا وفيرا ، وكثرت أسفاري للخارج حتى أصبحت أسافر خارج مصر لمدة أسبوع كل شهر أو كل 45 يوما على الأكثر ، كما كثر أيضا مجيء زوجتي الثانية لمصر ، حتى وجدت نفسي منذ عدة سنوات أحيا حياة مزدوجة بین زوجتين .. وبيتين يتقاسمان وقتي واهتمامي .. ومشاعري .. حيث أعيش مع زوجتي الأولى لمدة ثلاثة أسابيع في سعادة ووفاق ، وأعيش أسبوعا آخر مع زوجتي الثانية وكلتاهما سيدة فاضلة .. ووفية وحنون، وكنت قد اشترطت على زوجتي الثانية ألا تنجب لكيلا تتضاعف متاعبنا في المستقبل ، والتزمت هي بذلك ، لكن السنوات راحت تعمق الروابط بيننا ، وبدأت استشعر حنين زوجتي الثانية لأن تنجب مني وبدأت تطلب حقها في الأمومة فأنجبت مني طفلا بعد ثماني سنوات من الزواج !
وتسألني بالطبع وأين زوجتي الأولى من كل ذلك ، وأجيبك بأنني خلال وجودي بالقاهرة أكن لها كل الحب والتقدير وأقوم بإسعادها كأفضل ما يفعل زوج مثالي خصوصا وأنني الآن قد أصبحت قادرا على تنظيم أوقات عملي وقضاء وقت أطول مع زوجتي وأبنائي ، وهي تحيا حياة سعيدة للغاية ، ولا تعلم بزواجي الثاني حتى الآن وليست هناك وسيلة لان تعرف به ، أما زوجتي الثانية فهي تعرف منذ البداية بالطبع أنني زوج وأب ، وهي معروفة كزوجتي في أوساط عملي معها ببلدها ، ولقد ظللت أحيا هذه الحياة المزدوجة وأنهل من المتع المضاعفة فيها بلا حساب ، فأحصل على الحب والتفاهم والعون العملي والنفسي
والتفتح العقلي والذكاء من زوجتي الثانية وأحصل على الحب والفهم والحنان والعطاء الأسري والمظهر العالي المحترم في بلدي من زوجتي الأولى ، وأعد نفسي أسعد السعداء ، إلى أن كنت في عملي منذ بضعة أسابيع .. فشعرت فجأة بالعرق يتصبب من وجهي ، وبصدري يضيق وتنفسي يصبح ثقيلا ، ففتحت ياقة قميصي .. وخلعت ربطة العنق ، وشعرت باختناق شديد ، واستنجدت بمن كانوا حولي ، فانزعجوا بشدة وأسرعوا بنقلي إلى المستشفى حيث أدخلت إلى العناية المركزة وقضيت بها بضعة أيام عولجت خلالها من الإجهاد والإرهاق الجسدي الشديد وخرجت من العناية المركزة لقضاء فترة النقاهة فشعرت كأنما قد كتب لي عمر جديد ، ووجدتني استعرض تاريخ حياتي وأفكر طويلا في أمري وأتساءل بيني وبين نفسي كيف سيكون الحال حين تتكشف الأسرار ولا بد لها من أن تتكشف ذات يوم، وماذا ستفعل زوجتي الأولى الطيبة الفاضلة التي تشعر بأنها أسعد زوجة في العالم وماذا سيفعل أبنائي وقد بلغ أكبرهم الآن سن الشباب وكيف ستكون نظرتهم لأبيهم الذي كان يبدو لهم دائما الأب المثالي في كل شيء ويغمرهم بالهدايا بعد كل سفر ويلبي كل مطالبهم ويعتزون به كثيرا ويعتز بهم أكثر ؟
إن الزوجتين لم تلتقيا أبدا حتى الآن وإن كانت زوجتي الثانية هي التي تشتري الهدايا لزوجتي الأولى وأبنائي في كل سفر ، ولقد دفعتني الأزمة الصحية التي مررت بها أخيرا لأن أحقق العدل بين الأسرتين وبين أبناء الزوجتين ، فخصصت عملي المشترك مع زوجتي الثانية في بلدها لابني منها، وخصصت عملي بالقاهرة لزوجتي الأولى وأبنائي منها ، لكن زوجتي الثانية تطلب الآن شيئا أهم بالنسبة إليها من الأمور المادية وهو أن يعرف أبنائي من زوجتي الأولى أخاهم منها، وتقول لي إن هذا الابن الوحيد من حقه علينا أن يعرف أخوته ويعرفوه .
فإذا كان لا يحتاج إليهم من الناحية المادية فإنه يحتاج إليهم بكل تأكيد من الناحية الإنسانية والعاطفية خاصة أنه الآن بلا عائلة بعد أن قاطع الأهل زوجتي الثانية منذ ارتباطها بي وأنا مقتنع بمنطق زوجتي الثانية ، وانظر لابني الطفل هذا بإشفاق وأشعر بالأسى له ، وأخشى ما أخشاه الآن هو أن توافيني المنية فجأة ويعرف أبنائي وزوجتي الأولى هذا السر ويؤثر ذلك عليهم سلبيا ، ويغير من مشاعرهم تجاهي وهم الذين يحملون لي أعظم الحب والتقدير .. كما أخشى أن يكون كشف المستور هذا وبالا على أسرتي الأولى ، أما زوجتي الثانية فإني أثق في قدرتها على الكتمان فقد حافظت على السر 15 عاما حتى الآن ، وحفظته عن كل المحيطين بنا في مصر، لكن هذا الابن الذي جاء على كبر سيأتي يوم يرغب فيه في أن يعرف أهله بمصر .. فتتكشف الأسرار وتبدأ المتاعب ، وزوجتي الثانية من ناحية أخرى تلح علي بأن أعرف أبنائی به وأعرفه بهم ولقد أظهرت لي الأزمة الصحية الأخيرة أن الحياة لا تبدو ممتدة بلا نهاية كما كانت تظهر لي من قبل فالنهاية يمكن أن تحل في أي لحظة ، ولقد وفقني الله في تربية أبنائی جميعا الكبار منهم والصغار على المبادىء الدينية والأخلاقية القويمة ، لكن خوفي من انكشاف الأسرار وأثر ذلك على زوجتي الأولى وأبنائي منها يعكر علي صفو حياتي الآن .. ويزيد من عنائی ، فماذا أفعل يا سيدی وبماذا تشير علي؟
ولكاتب هذه
الرسالة أقول :
ولكاتب هذه الرسالة أقول :
لا سر يبقى طي الكتمان إلى الأبد مهما أملنا في ذلك ، أو تفننا في تكتمه أو محاولة منعه من الافتضاح ، لهذا فقد قال أحد الحكماء إنه إذا أردت ألا تنكشف أسرارك التي تخجل من أن يعرفها عنك الآخرون ، فإن أجدى وسيلة لذلك هو ألا يكون في حياتك الشخصية من الأسرار ما تخشى أن يعرفه عنك الغير ، وأن تحيا حياة فاضلة أمينة لا يجد الآخرون فيها ما يغريهم بالحديث عنه والتلذذ بكشف أسراره .. لكن الإنسان مولع للأسف منذ قديم الزمان بأن يكون له غالبا " سره الخاص" الذي يجهد نفسه لتكتمه .. ويترقب خائفا انکشافه ، ويتحسب لذلك كثيرا مع أن كل سر جاوز الاثنين شاع كما يقول الشاعر العربي.
ولأنه لا حد لتطلعات الإنسان إلى السعادة والمتعة ولا لرغباته
وطموحاته إلى كل ما يحقق له الإرضاء الذاتي مهما كان مصادما للأعراف وقوانين الحياة فكثيرا ما تقوده خطواته إلى دخول كهف الأسرار الشخصية التي لا يسعد بأن يعرفها عنه الآخرون ، ويجهد النفس لطيها طي الكتمان وإبعاد العيون عنها ، ولقد طبعنا على حب الحياة وطلب الحد الأقصى من المتع والأشياء واعتبار النفس "ذاتا" مميزة جديرة بأن تنال الحد الأكبر من السعادة دائما حتى ولو تعارض ذلك مع سعادة من يهمنا أمرهم أو حقوقهم علينا ، كما طبعنا أيضا على ألا نتفكر طويلا في العواقب ونحن نستمتع بجمال البدايات وننهل من ينابيعها ، وقليلا ما نعمل بالحكمة التشيكية القديمة التي تقول لنا إنه "خير لك ألا تبدأ.. من أن تبدأ ولا تعرف كيف تنتهي".
وكثيرا أيضا ما نعمل بما قاله أحد الحكماء متفاخرا : إن لي عقلا يخرجني من أية مشكلة ، فنقترب من نهر المغامرة المحفوفة بالمخاطر ، ونتوهم قدرة عقولنا على أن تجنبنا أشواكها وتبعاتها.. ولا نعمل للأسف غالبا بما أجابه به الحكيم الآخر مفحما : وإن لي لعقلا لا يوقعني أصلا في أية مشكلة !
ولأن الأمر كذلك في معظم الأحيان ، فنحن نسعد دائما بالبدايات البهيجة ونتغافل عامدين عما تحمله من بذور المشاكل المستقبلية الأكيدة ، ولا نبدأ في تدبر العواقب ، ومواجهة التبعات ، إلا بعد أن تكون تلك العواقب قد تجسدت أمام ناظرينا بالفعل في "شخوص" أو تبعات تمثل أمرا واقعا لا يمكن إخفاؤه ولا مفر من الاعتراف به والتعامل معه .. والتسليم بحقوقه علينا .. كما هو الحال الآن مثلا مع طفلك من زوجتك الثانية الذي تتطلع أمه إلى أن يعرف أخوته ، ويعرفه هؤلاء الأخوة .
ولقد تابعت حديثك في رسالتك عن "الحياة المزدوجة" التي عشتها طوال خمسة عشر عاما ونلت خلالها "الحد الأقصى" من الأشياء فنهلت من نبع العطف والحب والحنان مع زوجتك الأولى وحظيت بالجو الأسري المستقر ، والأبناء المحبين الذين يعشقون
أباهم ويرون فيه مثلهم الأعلى في الحياة ، وارتويت كذلك من نبع المتعة الإضافية وجو الإثارة العاطفية والأسرار الخاصة والتفاهم العقلي والتعاون العملي في الحياة مع زوجتك الثانية ، حتى كدت وأنا أقرأ رسالتك أن أتصور أن "الفردوس" التي يجني فيها القلب كل أنواع المتع العاطفية والحسية بلا حساب ، يمكن أن يتحقق في بعض الأحيان على الأرض وليس في السماء ، إلى أن جاءت اللحظة التي لا مفر منها ، وتكشف "الفرودس الأرضي" عن حقيقته التي تخفت عنك طويلا وتبين لك إنه لا يخلو من التبعات الجسام ، والمشاكل المؤجلة التي لا مفر من مواجهتها ذات يوم ، وسقطت أنت يا سيدي مريضا بعد طول إسراف في الجهد البدني والمعنوي على مدى 15 عاما أو تزيد وتجسدت أمامك الحقيقة واضحة ، وهي أنه لا متعة بغير تبعات ولا سعادة مضاعفة بغير ثمن واجب السداد .. وإنه حتى الإسراف في السعادة قد يرهق القلوب والأبدان فتئن تحت وطأة مثل هذه الحياة المزدوجة ولو كانت خالية من كل المنغصات ذات يوم ، وإنه قد جاء أوان تدبر العواقب بعد أن كنا مشغولين عنها من قبل "بالثقة الزائدة" في يومنا والغد.
ولأن الأوان قد فات الآن للحساب عما مضى وأدى إلى ظهور هذه المشكلة المصيرية التي تواجهها الآن ، فلسوف أركز حدیثي معك على كيفية التعامل معها ومحاولة تحجيم خسائرها النفسية والإنسانية بالنسبة لك ولأسرتك الأولى ، وفي ذلك فإني أقول لك يا سيدي إن مواجهة الحقيقة وتحمل تبعات هذه المواجهة بشجاعة ورجولة أفضل كثيرا من مواصلة الهروب منها وتأجيل لحظة المواجهة الفاصلة معها إلى ما لا نهاية ، فمن يحيا حياته خائفا متوجسا من افتضاح أمره بالنسبة لزوجته وأبنائه ، يعاني من القلق النفسي والتوتر العصبي ما قد يهون إلى جواره في كثير من الأحيان تحمل تبعات مواجهة الحقيقة ، وإزاحة عبء الأسرار التي يخشی افتضاحها عن صدره وقلبه .
والحقيقة خير من أي زيف على أية حال ، واستمرار الهروب
منها لا يعني سوى تأجيل انفجار المشاكل ومضاعفة تبعاتها.
ولأستاذنا الكبير الأستاذ نجيب محفوظ كلمة بليغة في روايته الفلسفية "رحلة ابن فطومة" يقول فيها : خلقنا لنكابد الحقيقة .. ونصمد لها ! و "المكابدة" من الناحية اللغوية هي مقاساة المرء لشدة الشيء وعنائه ، ولأننا قد نهلنا من نبع الحب والمغامرة والإثارة بغير حساب ، فمن العدل أن نرضى كذلك "بمكابدة" العواقب والصمود لها إلى أن نجتاز المحنة .. ونصحح الأخطاء.
ولهذا فليس هناك من مفر أمامك إلا أن تصارح زوجتك الأولى بسر حياتك المزدوجة هذه ، وثمرتها التي تتجسد في هذا الطفل الحائر الآن وأن تتحمل كل ما سوف يترتب على هذه المصارحة القاسية من آلام وعناء، ذلك أنه من حق زوجتك عليك أن تعرف "حقيقة" من تعاشره ومن سكنت إليه طوال هذه السنوات الماضية، وأن تقرر بعد ذلك لنفسها ما تشاء من اختيارات .
وفي الاعتراف بالأخطاء بعض ما يحقق لنا "التطهر" من إحساسنا الداخلي بالإثم لتكتمها عمن كانت تفرض علينا الأمانة ألا نخفي شيئا من أسرارنا أو أخطائنا الشخصية عنهم.
وفي صدق هذا الاعتراف "وشجاعته" أيضا بعض ما قد يشفع لنا لدى من أخطانا في حقهم ، في أن "يتفهموا" ولا أقول أن يتقبلوا أسباب تخوفنا طوال السنوات الماضية من مواجهتهم بخداعنا المؤلم لهم .
وليس من حقنا بعد ذلك أن نطلب ممن خدعناهم كل هذه السنين أن يتقبلوا الحقيقة بلا احتجاج .. وإن يمنحونا تأييدهم ومباركتهم لما فعلنا ، وإنما من واجبنا أن نتقبل صابرين ثورتهم علينا ، وأن نقدر لهم عمق صدمتهم في إخلاصنا ووفائنا لهم ، وأن نتحمل راضين كل ما يفرضه علينا الموقف من تبعات وترضيات وتضحيات ، إلى أن تهدأ ثورة انفعالهم ، وتستشفى نفوسهم .. ويتفكروا معنا في العواقب ويدركوا أنه لم يعد يجدي الآن الحساب على ما كان من أمرنا معهم .. ويدفعهم إحساسهم بالواجب العائلي والإنساني تجاه الأبناء ، إلى التفكر معنا في كيفية تخفیف خسائر ما فعلنا من الناحية النفسية والعاطفية على هؤلاء الأبناء.
أما تحسبك لصدمة الأبناء في مثلهم الأعلى واهتزاز صورتك في مخيلتهم فإنني أشاركك الإحساس بوطأة هذه المخاوف عليك ، وأقول لك إنه لا مفر أمامنا بالرغم من ذلك من أن نتقبل تبعات أفعالنا وأن نرضى بها ، ثم نأمل بعد ذلك في أن يتفهم الأبناء ذات يوم حقائق الحياة ويدركوا أن آباءهم في النهاية بشر كالبشر لهم ضعفهم وقوتهم وإيجابياتهم وسلبياتهم ، وأن الحب الصادق الذي يجمع بين الطرفين لا بد له أن يعلو فوق الأخطاء والتحفظات مهما كانت مصادمة للمشاعر ومخالفة لكل ما تصوروه من قبل في آبائهم ، ولا مهرب لنا من أن نتقبل أيضا راضين وصابرين صدمة هؤلاء الأبناء واهتزاز مثلهم العليا فينا ، مادمنا قد اخترنا لأنفسنا أن نكون بشرا کالبشر لا أباء مثاليين يترفعون من أجلهم عن كل ما يسيء إليهم أو يجرح مشاعرهم .. أو يُسبُّون به ، كما كانوا يعتقدون فينا من قبل .
· نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" عام 1994

برجاء عدم النسخ احتراما لمجهود فريق العمل في المدونة وكل من ينسخ يعرض صفحته للحذف بموجب حقوق النشر