منزل الأسرة .. رسالة من بريد الجمعة عام 1995

 

منزل الأسرة .. رسالة من بريد الجمعة عام 1995

منزل الأسرة .. رسالة من بريد الجمعة عام 1995

 

أنا فتاة فى الحادية والعشرين من عمري .. أعيش مع أسرتي المكونة من ثمانية أفراد هم 4 بنات وولدان والأبوان , أما أين نعيش أو يقع "منزل الأسرة" ففي حجرة واحدة ضيقة بأحد أطراف القاهرة , ولا مجال لأن أصف لك معاناتنا فيها , ولكن يكفي أن أقولك لك فقط أننا نحن بنات الأسرة الأربع وأصغرنا في السادسة عشرة من عمرها ننام على سرير واحد لا يسع أكثر من شخصين , وأن كل ما حلمت به في فترات طويلة من صباي هو أن يأتي يوم أستطيع أن استمتع فيه بحق التقلب في الفراش كما أرى بطلة الفيلم تفعل أحيانا في التليفزيون حين تكون قلقة أو مهمومة بأمر يشغلها .. ولا غرابة في هذا الحلم يا سيدي لأن الإنسان إنما يحلم دائما بما ينقصه أو يحتاج إليه , ولأن نومنا نحن البنات الأربع على هذا الفراش ليس مسموحا فيه بالتقلب من جنب إلى آخر , وإلا اضطربت الأحوال والحياة تمضي رغم ذلك , وكلنا نحن الأخوة ننجح في دراستنا ونتقدم فيها بلا فشل رغم صعوبة المذاكرة في مكان تترد فيه ثمانية أصوات في وقت واحد , وأذكر أنني في الثانوية العامة كنت أسهر طوال الليل لأذاكر دروسي في نفس الغرفة التي تتردد فيها أنفاس أبي وأمي وأخوتي الخمسة , وكنت لا أجرؤ على اضاءة نور الغرقة حتى لا يصحو النائمون فذاكرت دروس الثانوية العامة كلها على ضوء شمعتين في ركن من الحجرة كل ليلة حتى الصباح وبلا دروس خصوصية أو مجموعات تقوية , وكنت أذهب للامتحان بلا نوم ووفقني الله سبحانه وتعالى فحصلت على الثانوية بمجموع 72%

أما قبل ذلك فلقد حاولت دائما أن أتكيف مع ظروفي بقدر المستطاع .. وقد نشأت فوجدت أبي يعمل بائعا متجولا ووجدتنا نحيا برزق يوم بيوم , وعملت مع أبي وأنا تلميذة بالصف الأول الابتدائي وتجولت معه في الشوارع وجلست إلى جانبه في الطريق أنادي على بضاعته البسيطة كالأقلام والأمشاط وغيرها , ولم أشعر بالخجل من ذلك إلى أن بلغت الصف الثالث الاعدادي فرفض أبي أن أواصل تعليمي بحجة أنه غير قادر على نفقاته وأنه يكفيه أن يطعمنا ويكسونا لكني صممت على مواصلة التعليم وخرجت للعمل في الإجازة الصيفية لأوفر لنفسي نفقات الدراسة بالمدرسة الثانوية وثمن الملابس ومصروف يدي اليومي خلال الدراسة , وظللت طوال سنوات المدرسة الثانوية الثلاث ارتدي نفس الملابس بلا تغيير .. وأخرج للعمل كل إجازة حتى بداية العام الدراسي , وعملت في مصنع صغير بالمنطقة التي نعيش بها وتحملت بلا اعتراض تكليفي بمسح السلم من الدور الأول للدور الثالث كل أسبوع فكنت أنحني عليه لأمسحه فتتساوى رأسي بأقدام الصاعدين والهابطين على السلم ولم يكن ذلك يؤلمني في حد ذاته وإنما كان يؤلمني اضطراري للانزواء عن زميلاتي اللاتي لا أستطيع مجاراتهن حين يرسلن في شراء الغداء بمبلغ يصل إلى "جنيهين" أحيانا في حين أحمل أنا معي من البيت رغيفا اشتري معه قطعة طعمية واحدة , وأذهب إلى المصنع على الأقدام في مشوار يستغرق ساعة كاملة وأعود منه بنفس الطريقة لأوفر ثمن تذكرة الأتوبيس لمطالبي خلال العام الدراسي.

ومضت الحياة رغم كل شئ والتحقت بكلية نظرية ونجحت في عامي الأول وعملت خلال الاجازة الصيفية , ونجحت في عامي الثاني وعملت هذه المرة في مصنع آخر صغير , مع مجموعة من الفتيات غير المتعلمات , أحمل معهن البضائع وأجلس معهن على الأرض حيث لا مكان لنا سواها , إلى أن علم رئيسي في العمل بأنني طالبة جامعية فأخذ بيدي وأعفاني من حمل البضائع ونهاني عن الجلوس على الأرض وكلفني "أكرمه الله" بعمل مناسب واسترحت من عناء حمل البضائع بقية الإجازة .. وجاءني هذا الانقاذ في موعده المناسب تماما لأنني ضعيفة صحيا وأعاني من الأنيميا الخبيثة ولا أستطيع شراء الفيتامينات التي وصفها لي الطبيب بانتظام فشعرت بالامتنان الشديد لرئيسي في العمل هذا وهو شاب في السادسة والعشرين من عمره ويحمل شهادة متوسطة ومن أسرة ميسورة الحال , وأحسست بكرم أخلاقه وعطفه فلم يلبث أن صارحني بعد قليل بحبه لي واتفقنا على أن يتقدم لخطبتي حين انتهي من امتحان عامي الجامعي الثالث في الصيف القادم بإذن الله.

وحمدت الله كثيرا على ذلك وسجدت له شاكرا وحمدا فلقد كان أول إنسان يشعرني بأنني إنسانة ولي حق في السعادة وفي الحياة كباقي الفتيات .. وأول رجل يدخل حياتي، حيث أن ظروفي لم تسمح لي بترف التفكير في الرجال والزواج من قبل , ونحن الآن مرتبطان والحمد لله وننتظر انتهائي من امتحاني لكي يتقدم لخطبتي .. لكن المشكلة التي تؤرقني وتقض مضجعي وتزيد من صعوبة نومي المحشور بين شقيقاتي .. هو أنني لم أصارحه بحقيقة أوضاعنا في الغرفة الواحدة التي نعيش فيها ورغم علمه بأنني فقيرة إلا أنني أعتقد أنه لا يتصورني معدمة إلى هذا الحد البشع , فقد اضطررت لأن أزعم له للأسف أن أبي يعمل عاملا بإحدى الشركات وأخفيت عنه أنه بائع جوال , كما لم أصارحه بأننا نعيش جميعا في غرفة واحدة .. وأتساءل دائما كيف سأصارحه بذلك .. وكيف سيأتي أهله إلى هذه الغرفة , وأين يجلسون وماذا سيكون وقع ما يشاهدونه فيها عليهم ؟

لقد صارحت الطبيب النفسي في الجامعة حين اشتدت علي مخاوفي بقصتي , فنصحني بالتمسك بهذا الشاب وقال لي أنه رحمة من السماء لي , وقال لي أنني يجب أن أنتقل للإقامة بالمدينة الجامعية وعلى نفقة الجامعة وأنه سيسعى لي في ذلك .. لكن أمي رفضت بإصرار السماح لي بالانفصال عن الأسرة لأي سبب من الأسباب .. وأنا لا أشكو من ظروف حياتي .. لكني أريدك فقط أن تشير علي بالرأي الصائب وتنصحني بماذا أفعل .. هل أصارح خطيبي بكل شئ عني ولو ترتب على ذلك ما أخشاه ؟ وأريدك أيضا أن تكتب لكل الفتيات اللاتي لهن آباء وأمهات ينفقون عليهن و"يريحونهن" ويوفرون لهن مطالبهن ونفقات تعليمهن وملابسهن وأحذيتهن ومصروف أيديهن أريدك أن تكتب لهؤلاء الفتيات وأن تطالبهن بأن "يضعن آباءهن وأمهاتهن فوق رؤوسهن" وأن يشكرن الله على هذه النعمة ويسجدون لله شكرا وعرفانا .. فأنا منذ كنت تلميذة بالصف الثالث الاعدادي وأنا أتكفل وحدي بمصروفات تعليمي وملابسي ومصروف يدي ولم أشعر في يوم من الأيام أنني "مسئولة من أحد" أو أن هناك أحدا يتحمل مسئوليتي , حتى أنني سأواجه الأسابيع الباقية على الامتحان بلا كتب دراسية لأني لم أستطع العمل في إجازة نصف السنة واعتمد على اقتراضها من الزميلات واعادتها لهن والحمد لله على كل حال .. وأرجو ألا تتأخر علي بنصيحتك والسلام عليكم ورحمة الله .

جميع الحقوق محفوظة لمدونة "من الأدب الإنساني لعبد الوهاب مطاوع"

abdelwahabmetawe.blogspot.com

 

ولـكــــاتــــبة هـــذه الـــرســــالــــة أقـــــول:

 

القصة كلها يا آنستي تجري في مناخ اجتماعي ليس بعيدا عن إدراك فتاك أو حسن فهمه للأمور . ولست أظن أنه سيصدم أو يفاجأ بما ليس في الحسبان حين يعرف أن أباك بائع جوال وليس عاملا باحدى الشركات أو بأنكم تقيمون في غرفة واحدة وليس في غرفتين , لهذا كله فإني أفضل أسلوب المصارحة بحقائق الأوضاع مع من سوف ترتبطين به في حياة واحدة إلى نهاية العمر بإذن الله ..

وإذا كنت أؤمن دائما بأن المصارحة هي أساس الثقة فليس يعني ذلك أبدا أن نبادر كل من نلقاه في الطريق بتعرية أنفسنا إنسانيا واجتماعيا أمامه .. وإنما يكفي فقط ألا ندعي لأنفسنا أوضاعنا غير حقيقية , ثم حين تتعمق روابطنا بالآخرين إلى الحد الذي يسمح لهم بأن يكتشفوا فينا ماهو أجدر بالاعتزاز به من ظروف الحياة المادية التي لا تشين إنسانا شريفا فلا بأس في هذه الحالة بأن نتصارح معهم بحقائق الحياة التي لا حيلة لنا فيها , وبما لا يمس اعتزازنا بأنفسنا مهما كان نصيبنا من عرض الدنيا الزائل .. فالإنسان إنما يستحق الاحترام بذاته وشخصيته وأخلاقياته .. ونظراته الحكيمة للحياة .. وليس بما سمحت له من الدنيا من اعراضها .. ولسنا مطالبين في النهاية بالاعتذار لأحد عن ظروفنا الاجتماعية أو المادية لسبب بسيط هو أننا لم نخترها لأنفسنا .. تماما كما لم يختاروا هم ظروفهم المادية الأفضل لأنفسهم , ومن قبل بنا وبظروفنا فأهلا به ومرحبا ولسوف يكون من الفائزين .. ومن رفضنا فهو وشأنه ولا لوم علينا في ذلك فإذا كان في ظروفنا ما يسوءنا فهو فقط في ألا نستثمر قدراتنا في محاولة تغييرها للأفضل بالإرادة والكفاح الشريف في الحياة وهو فقط في أن نستسلم لمثل هذه الظروف ونجبن عن تحديها ومواجهتها .

وأنت يا آنستي خير مثال لذلك , فأنت لم تستسلمي للواقع الاجتماعي المؤلم المحيط بك ولم تكتفي بالشكوى والأنين وترددي مع بطلة رواية "المساكين" للأديب الروسي دستوفيكسي "ما أظلم أيامي" ثم تتجمدين حيث أنت بلا أدنى محاولة للتغلب على هذه الظروف , وإنما كافحت وتعلمت وتكفلت بنفقات دراستك منذ طفولتك , وحصلت على الثانوية العامة بمجموع لا بأس به أبدا في مثل ظروفك القاسية وعلى ضوء شمعة وبلا دروس خصوصية أو مجموعات تقوية , وكذلك فعل كل إخوتك أيضا , إذن فأنت من أسرة تؤمن بأهمية التعليم كوسيلة للتقدم .. وتكافح للارتقاء بنفسها اجتماعيا وتعليميا , وليس في كل ظروفك ما يعيبك .. فحياتك كلها سعي شريف للوصول إلى حياة أفضل وسط أصعب  الظروف إلى حد يذكرنا بكلمة دستوفيسكي المعبرة حين قال " إن الراحة سلعة لا يقدر على ثمنها البسطاء من الناس"

فماذا يخجلك في هذه الظروف والأجدر بك حقا أن تعتزي بكفاحك الشريف وبقوة إرادتك وإصرارك على تحدي الصعاب.

 إن يجدر بهم حقا أن يخجلوا من أنفسهم هم من يوفر لهم ذووهم كل امكانيات الحياة المريحة فيفقدون فرصهم في التعليم بسبب استهتارهم وخور إرادتهم .

يا آنستي تمسكي بفتاك الطيب هذا كما نصحك طبيب الجامعة ولا تسمحي أبدا للإحساس المؤلم بالدونية بأن يهدر فرصتك العادلة في السعادة والحياة .. واتصلي بي مساء الاثنين القادم أو تفضلي بزيارة في "الأهرام" لكى أتدبر معك كيفية قطع الميل الأخير من سباحتك الطويلة البطولية في بحر العناء , أما نداؤك لكل الفتيات بأن يضعن "فوق رؤوسهن" آباءهن وأمهاتهن الذين يوفرون لهن كل امكانيات النجاح والتفوق .. فهو نداء مؤثر حقا ويستحق أن تتأمله كل الفتيات .. وكل الفتية على السواء .. فما ينبئك مثل خبير .. وما يحس بقيمة الأشياء في كثير من الأحيان إلا من بخلت عليهم بها الحياة .. ولسوف تسخو عليك الحياة بكل شئ جميل في المستقبل القريب بإذن الله .. ولسوف تصلين إلى شاطئ الأمان والسعادة والكرامة بإرادتك واصرارك إن شاء الله.

نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" ابريل 1995

كتابة النص من مصدره / بسنت محمود

راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي

 

Neveen Ali
Neveen Ali
كل ما تقدمه يعود إليك فاملأ كأسك اليوم بما تريد أن تشربه غداً
تعليقات