البداية الثانية .. رسالة من بريد الجمعة عام 1996

البداية  الثانية .. رسالة من بريد الجمعة عام 1996

البداية  الثانية .. رسالة من بريد الجمعة عام 1996

 

أنا شاب في الثلاثين من عمري .. نشأت في أسرة طيبة بين أبي الذي يعمل بالتجارة وأمي الجامعية التي تفرغت لبيتها وأختي الوحيدة الغالية، ومضت بنا رحلة الحياة حتى بلغت أنا وأختي المرحلة الجامعية ، ثم توفي أبي فجأة وأنا طالب بالسنة الثالثة وأختي في عامها الأول الجامعي ، وتولانا الحزن العميق عليه وتكدر صفو حياتنا ، وكانت أمنا أكثرنا حزنا لرحيل شريك عمرها .. وبعد أسابيع بدأنا نتكيف مع الأمر الواقع ونتقبل حياتنا .. فإذا بأمي ترحل هي الأخرى عن الحياة بعد وفاة أبي بثلاثة شهور فقط رحمه الله رحمة واسعة ، ووجدت نفسي أنا وشقيقتي ولم يعد لكل منا سوى الآخر ، فازددنا ارتباطا ببعضنا البعض وتماسكا .. ونجحت في امتحان السنة الثالثة وانتقلت إلى السنة النهائية في كليتي ، وفي أول يوم لي فيها التقيت بفتاة شعرت بضعف غریب تجاهها ، وكأن سهم الحب قد نفذ فجأة في قلبي ، وتكرر اللقاء وصارحتها بمشاعري وعن رغبتي في الارتباط بها الارتباط المشروع الطبيعي في مثل هذا الحالة ، ورحبت هي بذلك ولكن بشرط أن ننتهي أولا من دراستنا الجامعية وسعدت بالتفاهم بيننا وصارحت شقيقتي بنيتي في الارتباط بها وسعدت لسعادتي.

 

وكان أبي - رحمه الله - قد ترك لنا ما نؤمن به حياتنا ضد غدر الأيام ، غير أنه لم أشعر بمشكلة كبيرة في إتمام زواجي بفتاتي حين يأتي الوقت المناسب ، فلم تمض شهور على هذا التعاهد حتى فوجئت بها ، تتزوج قبل الامتحان النهائي من شخص آخر بلا مقدمات ولا أي محاولة لشرح الأسباب ، وتألمت كثيرا لذلك ، وتمنيت لو كان أبي على قيد الحياة ليعينني على مواجهة هذا الموقف الغادر .

 وتمالكت نفسي بعد قليل وكرست وقتی وجهدي للاستذكار وأديت الامتحان وحصلت على شهادتي بتقدير جيد ، ووفقني الله في العثور على عمل ممتاز بإحدى الشركات الأجنبية بالقاهرة ، وثبت أقدامي في عملي ونلت ثقة رؤسائی وحب زملائي .. وبعد عام من تخرجي تقدم لأختي زميل لها وشاب ممتاز ومن أسرة طيبة فرحبت به لما لمسته من رغبة أختي في الارتباط به ومميزاته العائلية والشخصية ، وبالفعل تم عقد القران خلال أسابيع، وبعد شهور أخرى تم الزفاف وانتقلت أختي الحبيبة إلى بيت زوجها ، وسعدت بحياتها معه وسعدت بسعادتها.

 

وذات يوم كنت جالسا في مطعم للوجبات السريعة لأتناول غدائي لأول مرة خارج بیتي بعد انتقال أختي لبيت زوجها ، فإذا بي أرى فتاة القلب القديمة تدخل من باب المطعم ومعها طفلة صغيرة عمرها ثلاث سنوات تقريبا فخفق قلبي بشدة حين رأيتها .. وتساءلت بيني وبين نفسي .. هل أحييها إذا التقت العيون كزميلة قديمة أم انتظر أن تأتي منها هذه المبادرة ؟ ولأن المطعم صغير فقد كان لابد لها أن تراني کما رأيتها ، ورأتني وابتسمت لي فتقدمت منها وحييتها وتبادلت معها الحديث عن الأحوال ، وذكريات الكلية ، وسألتها عن اسم طفلتها وعرفت منها أنها تعيش مع أسرتها منذ شهور لأن زوجها قد انتقل إلى العالم الآخر بعد خمس سنوات فقط من الزواج ، وكانت هذه هي البداية الثانية مع فتاتي السابقة ، فلقد تكررت اللقاءات بيننا بعد ذلك كثيرا واستيقظ الحب القديم في قلبي تجاهها بأقوى مما كان في المرة الأولى ، واعتبرت لقائي بها مرة أخرى بالصدفة بعد ترملها إشارة من السماء بأن هذا الحب سوف يستكمل فصوله التي توقفت قبل إتمامها .. وصارحتها على الفور برغبتي في الارتباط بها مرة أخرى ، ووافقت هي على الزواج مني ولكن بشرطين مهمين الأول أن اشترى لها شقة باسمها .. والثاني أن تكون العصمة بيدها ، وقبلت بهذين الشرطين بغير تردد ، وتساءلت : وماذا يضيرني في أن تكون العصمة في يدها أو لا تكون وفي أن تكون الشقة باسمها أو باسمي ونحن قد التقينا في الحياة مرة أخرى على غير توقع ولن يفرط أحدنا في الآخر ؟ واشتريت الشقة بالفعل ، وكتبتها باسمها كرغبتها .. وعقدنا قراننا بعد شهور ومنحتها في عقد الزواج العصمة كطلبها واحتفظت بشقة الأسرة التي نشأت فيها مغلقة لتكون مرجعا لشقيقتي ترجع إليها عند الحاجة .. وتزوجنا وبدأنا حياتنا معا ، وبذلت كل جهدي لإسعاد زوجتي وطفلتها اليتيمة التي اعتبرتها ابنة لي ، وبعد عام أنجبت زوجتي طفلنا الوحيد فسعدت بأن يكون لابني أختا.

 

 إلى أن جاء يوم منذ أسابيع وزارتني أختي تطلب مني قرضا تحتاج إليه لأنها قد شاركت زوجها في مشروع تجاري استنفد ما معها من نقود ، فلم أتردد في وعدها بتدبير المبلغ المطلوب لها في أقرب فرصة ، وانصرفت شقيقتي شاكرة وراضية ففوجئت بزوجتي بعد خروجها تسألني : هل ستعطيها حقا هذا المبلغ ؟

وأجبتها بالإيجاب قائلا لها ببساطة إنها أختي الوحيدة والباقية لي من أفراد أسرتي ، وأن المبلغ المطلوب لن يؤثر علينا في شيء لأن معي ما يكفيني ويكفي بيتي وزيادة ، فإذا بزوجتي تكشف لي عن وجهها الحقيقي وتتطاول علي وتنهال تجريحا في بألفاظ يصعب علي سردها ، وکرد فعل هذا التجريح وهذه الألفاظ النابية ، فقد أعلنتها بأنني سأعطي لأختي هذا المبلغ ليس كقرض کما طلبت وإنما كمنحة لا ترد ، لأنني حر في مالي وفيما أفعله به ، وبتنا ليلتنا هذه متخاصمين ، وفي الصباح ذهبت إلى البنك قبل أن أتوجه إلى عملي وسحبت المبلغ المطلوب وتوجهت به إلى بيت أختي وأعطيته لها وشعرت بسعادة كبيرة وأنا أفعل ذلك ، ثم توجهت إلى عملي وأنا مازلت لا أصدق ما جرى بيني وبين زوجتي في الليلة الماضية ، وقضيت يومي كله في العمل مؤملا أن تمضي هذه الزوبعة الصغيرة بلا أثر على علاقتنا وحياتنا ، ورجعت إلى البيت فإذا بي أفاجأ بان «صاحبة العصمة» زوجتي قد غيرت كالون باب الشقة .. وتركت لي كل متعلقاتي لدى البواب ، فوقفت مبهوتا أمام باب الشقة المغلق أتعجب لما آل إليه حالنا هكذا بين يوم وليلة ، وشعرت بالخجل الشديد والبواب يقول لي في حياء إن "الحقائب" لديه في انتظاري، فحملت أشيائي مهموما ورجعت إلى شقة الأسرة التي أحسنت صنعا حين احتفظت بها .. وأنا أتعجب لما فعلته زوجتی بی لأول بادرة خلاف بيننا؟

 

وذهبت إلى أسرتها بعد أيام لأعرض على أهلها الأمر فلم أجد لديهم إلا السكوت على ما جرى وانتظرت حتى تهدأ العاصفة ، ونتوصل معا إلى حل للمشكلة ، ليس من أجلها ولا من أجلي ولكن من أجل الطفل الوليد ، ولكن هيهات أن أتوصل معها إلى أي حل مرض .

والآن يا سيدي فقد مضت أسابيع بدون أية بادرة تراجع عن الموقف الذي اتخذته زوجتي .. ولم يبق لي سوی کرامتي التي امتهنتها صاحبة العصمة بتصرفاتها هذه ، فاتخذت قراري بأن أطلقها ثأرا لكرامتي الجريحة وبغض النظر حتى عن مصلحة ابني ومستقبله .

فهل ما توصلت إليه هو القرار السليم ؟

إنني في حيرة من أمري وأريد مشورتك حول ما اعتزمته من قرار ولسوف اعتبر صمتك عن الرد علي تأييدا للقرار .. فهل تفيدني بالرأي الصريح في ذلك؟

 

ولكاتب هذه الرسالة أقول :

لو صح ما تقول من أنه عند أول بادرة خلاف بينك وبين زوجتك ولهذا

هذا السبب وحده ، قد قامت بتغيير کالون باب الشقة التي اشتريتها لها، وألقت لك بمتعلقاتك الشخصية لدى البواب ، لو صح هذا على وجه الدقة ، لقلت لك على الفور إن القرار الذي اتخذته هو القرار الصحيح الوحيد للتعامل مع مثل هذه الزوجة الجاحدة ، حتى ولو كان قرارا ظالما من الناحية الإنسانية لطفلك الوليد !

أما انه قرار ظالم لهذا الطفل ، فلا جدال في ذلك لأنه سوف يعود عليه بأوخم العواقب ويحرمه من حقه العادل في أن ينشأ بين أبوين يرعيانه ويقدمان له الحماية النفسية والاجتماعية ، وأما أنه القرار الوحيد الصحيح للأسف بالرغم من ذلك ، فلأن من تتحول عند أول بادرة خلاف إلى نمرة شرسة لا ترعى لأحد حرمة ، ولا تبقى لرأب الصدع أملا، فتنهض على الفور إلى تغيير کالون باب الشقة التي اشتراها لها زوجها من ماله ثم تلقي له بملابسه ومتعلقاته لدى بواب العمارة على هذا النحو المهين .. مثل هذه الزوجة لا علاج لها إلا بصدمة الطلاق المزلزلة التي تفيقها من غرورها وتنبهها إلى أن من تتوهم أنها تملك عليه نفسه حتى لا يجرؤ ذات مرة على أن يتمرد على إرادتها إنما يستطيع كذلك أن ينزعها من حياته کما ينزع الإنسان الشوكة المغروسة في لحمه .. ويتحمل آلام نزعها المؤقتة ليستريح من أوجاعه إلى الأبد .

 

فإذا تبصرت ذلك بالفعل .. وتعلمت بدرس التجربة أن الفجر في الخصومة لا يورث إلا قتل الحب ولو كان عملاقا ومتمكنا ، فقد ينفتح الباب في المستقبل للتفاهم معها حول بداية ثالثة على أسس

جديدة وبغير شروط استغلالية مهينة ، إيثارا لمصلحة الطفلين معا وليس طفلك وحده .

لأنه فارق كبير يا صديقي بين أن يختلف زوجان حول أمر من أمور الحياة ويتجادلا فيه ويتخاصما لبعض الوقت بشأنه ، وبين أن يقفز أحد الطرفين هكذا من قمة الوفاق إلى قمة العداء بلا تدرج فيطرد الآخر من جنته ويشهد الغرباء على مهانته وإذلاله .. وقد كان في مقدوره حتى لو رغب في فصم العلاقة مع شريكه أن يفعل ذلك بما يحفظ عليه کرامته ، ويبقى الحب أملا في التفاهم بعد حين .

ومن يفعل ذلك لابد أن يشعره الطرف المهان بأن من الأمور مالا يقبل التهاون معه .. ولو دفع المرء ثمن ذلك من سعادته واستقراره ومشاعره العاطفية ، بل وحتى لو دفع أيضا بعض الأعزاء من أبنائه ثمن حمق أحد أبويه وفجره إلى أن يتعلم الطرف المعتدي درس المحنة ويستشعر مسئوليته المشتركة عن سعادة هؤلاء الأبناء .

 

وما دامت زوجتك لم تتعلم بعد درس التجربة ومازالت سادرة في غيها بدلیل عجزك حتى الآن عن التوصل معها إلى حل ملائم ، فليكن الانفصال إذن هو الحل الذي يحفظ عليك كرامتك ، ويضع هذه السيدة أمام مسئولياتها عن طفلها البرىء .. وطفلتها أيضا التي عوضتها الأقدار بأب مثلك ، وما زالت في حاجة إلى أب بديل يرعاها ويحميها من غوائل الحياة .

والحق أنها لم تفعل ما فعلت طلبا لهذا الطلاق وإلا لكانت قد استخدمت حقها في تطليق نفسها منك ، لكنها أقدمت عليه فقط بهدف ترويضك وإخضاعك وتلقينك درسا لا تنساه عقابا لك على تحديك لإرادتها السامية في أول بادرة خلاف بینکما.

ولاشك انك أخطأت حين استجبت لرغبتها في شراء الشقة باسمها، وليس يعنيني هنا أن تستجيب لرغبتها في أن تكون لها العصمة في عقد الزواج أو لا تكون ، لكن تلازم هذين المطلبين معا ووضعهما أمامك ؛ في صيغة الشرط الذي لا تقبل التنازل عنه لإتمام الزواج ، كان ينبغي له أن يثير شكوكك منذ البداية حول مفاهيم هذه السيدة عن الزواج ونظرتها للحياة والمستقبل ، وينذرك منذ البداية بمغالاة هذه السيدة في الاعتداد بنفسها وإحساسها بمدى سطوتها عليك ، وثقتها في امتثالك لكل رغباتها وأوامرها.

 

ولاشك أيضا في أنها لم تحمل لك بعض ما حملت لها أنت من حب ومن مشاعر عاطفية سامية ، فلقد غدرت بك مرتين حتى الآن بغير تردد ولا تدرج ، وفي ذلك وحده كل الكفاية للحكم على شخصيتها ومدى وفائها ومدى احترامها لحقوق الآخرين عليها .. والإمام ابن حزم الأندلسي يقول :

أفعال كل امرئ تنبئ بعنصره

والعين تغنيك عن أن تطلب الأثر !

 

وبدلا من أن تشکر أقدارها التي عوضتها بك عن تجربتها الأولى

الحزينة في الزواج فإنها لم تتعلم من دروس هذه التجربة سوى درسها الفاسد فقط وهو الخوف من المستقبل وتقلبات الأيام وحدة إحساسها المادي بدرجة غير طبيعية ورغبتها في أن تؤمن نفسها بكل الضمانات ولو كان ذلك على حساب من يرتبط بها ، ولقد استنامت إلى إحساسها بسطوتها عليك وشدة رغبتك فيها ففزعت بشدة حين لمست فيك بعض الرغبة في العطاء لشقيقتك الوحيدة .. وبعض القدرة على عدم الامتثال لإرادتها في كل شيء .. فكان ما كان من أمركما معا .

والمثل الانجليزي القديم يقول إن العاقل له عينان تبصران ، أما الأحمق فليس في وجهه سوى تجويفين ينظران ولا يبصران .. ولا يتبصران .. وكذلك المغرور بقوته أو جماله وأوهام سيطرته على شريك حياته ، ولابد من تلقين مثل هذا المغرور - إن لم يفق من غروره - درسا قاسيا يعيده إلى جادة العدل والحق والإنصاف و يضيء تجويف عينيه ويعيد إليها قدرتها على الإبصار الواعي لحقائق الحياة .

·       نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" عام 1996

راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي

 


Neveen Ali
Neveen Ali
كل ما تقدمه يعود إليك فاملأ كأسك اليوم بما تريد أن تشربه غداً
تعليقات