القرار السليم .. رسالة من بريد الجمعة عام 2000
أكتب إليك بعد تفكير طويل
لأروي لك قصتي وترشدني إلى الحل السليم .. فأنا شاب أبلغ من العمر25 عاما,
ترجع قصتي مع الحياة إلى جذور بعيدة, فلقد كانت أمي زوجة لأقرب أصدقاء أبي إليه..
ثم رحل هذا الصديق عن الحياة تاركا وراءه زوجته وابنا وابنة, وواجهت أمي بعد
وفاة زوجها ضائقة مالية شديدة لم تستطع مواجهتها, فتزوجها أبي بالرغم من معارضة
أهله لهذا الزواج وأنجبني منها, وبعد فترة من زواجهما أنشأ معها تجارة لتوزيع
بعض منتجات شركات الإنتاج, ونجحت تجارتهما التي كانت باسم أبي.. وبعد خمس
سنوات نشبت المشاكل بينهما وانتهزت أمي ـ كما عرفت فيما بعد ـ فرصة سفر أبي لإحدى
المحافظات واستولت على بضائع تجارته وقامت بإخفائها عند إحدى قريباتها, وتفاقمت
المشاكل بينهما وانتهى الأمر بطلاقهما وتنازل أبي لها عن تجارته.. وعن السيارة
وشقة التمليك اللتين كتبهما من قبل باسمها. وغادرنا أنا وأبي بيت الزوجية لا
نملك إلا ملابسنا, وأقمنا وأنا طفل في السادسة من عمري في بيت جدي, والتحق أبي
بالعمل في إحدى الشركات لمدة ثلاث سنوات, ثم أنشأ أبي مع زوج إحدى عماتي تجارة
جديدة, ورفض أبي الزواج مرة أخرى خوفا من أن يأتيني بزوجة أب تسئ معاملتي,
وتمتعت في حياتي ببيت جدي بعطف أبي وحنان عماتي وأعمامي الذين يقيمون في نفس
العمارة.
إنسانة واحدة لم أتمتع بحنانها
ولم أرها رؤية العين, منذ الانفصال, هي أمي!! فلم تسأل عني في يوم من الأيام
ولم تسع لرؤيتي.. بل رفضت أيضا ـ كما عرفت ـ أن تراني حين أرسل إليها أبي مع أحد أصدقائي يبلغها بحاجتي النفسية إلى حنانها ورؤيتها.
ومضت بي الأيام وأنا يتيم
معنويا بالرغم من وجود أم لي على قيد الحياة, وتقدمت في مراحل الدراسة, وحصلت
على الثانوية العامة بمجموع 95,5% والتحقت بالكلية العملية المرموقة وتفوقت أيضا
في دراستي بها, ونشأت ملتزما دينيا, وخلال هذه السنوات كانت تجارة أبي وزوج
عمتي قد نجحت وأتت بثمارها, فكانت هدية أبي لي بعد التخرج شقة تمليك لكي أتزوج
بها حين يأتي الأوان.. وإلى جانب الشقة فاجأني أبي بدعوتي لأداء العمرة معه مكافأة
لي على نجاحي وتفوقي.
وفي إحدى الأسواق بالأراضي
الحجازية لفت نظري وأنا واقف إلى جوار أبي وجود سيدة ورجل يبدو من ملامحهما أنهما
مصريان.. ولا يكفان عن التحديق فينا باهتمام غريب, فلفت نظر أبي إليهما وسألته
عما إذا كان يعرفهما, فما أن رآهما حتى توجه ناحيتهما وهو يجرني معه وصافحهما,
ودعاني لمصافحتهما, وعرفني بهما فإذا بهما خالتي وزوجها!
ودعاهما أبي لتناول الغداء معنا
بأحد المطاعم, وعلى مائدة الطعام راحت خالتي تتوسل لأبي أن يأخذني بعد عودتنا
لمصر إلى زيارة أمي التي تعاني بعض المشاكل الإنسانية والصحية.. وتحدثت خالتي
طويلا عن معاناة أمي مع أخي وفشل أختي في الدراسة وسوء حظها في الزواج الذي أوقعها
في زوج يسئ معاملتها إلى حد التطاول عليها بالسب والضرب, ومرض أمي بالسكر وسوء
حالتها الصحية وكيف أنها قد اعترفت بظلمها لأبي ولي, تقصيرها معي وعدم اهتمامها
بالسؤال عني طوال السنوات الماضية, لكن كبرياءها كان يمنعها من قبل من التصريح
بذلك, وانتهى اللقاء بيننا بوعد من أبي لخالتي بأن يصطحبني بعد العودة لزيارة
أمي, ووصل ما انقطع بيني وبينها.
ورجعنا إلى بلدنا, وراح أبي
يحاول إقناعي بزيارة أمي فلم أجد في نفسي أية رغبة في ذلك, وصارحته بأنني لا
أريد أن أزورها ولا أشعر بافتقادها بعد أن أهملتني 19 عاما
كاملة وانصرفت عني.
ولم ييأس أبي من محاولة إقناعي..
وبلغ في توسلاته إلي لكي أفعل ذلك أن قبل رأسي داعيا لي الله أن يهديني سواء
السبيل.
واختتم محاولاته بأن تركني
لنفسي ونصحني بالسفر لعدة أيام إلى فايد لكي أخلو بنفسي في قرية سياحية هناك وأفكر
تفكيرا هادئا ثم أرجع منها بقرار سليم.. وشكرته على نيته الطيبة, وسافرت
بالفعل لعدة أيام وحاولت أن أتجرد من مراراتي القديمة تجاه أمي, وانتهت الرحلة
ورجعت إلى بيتي دون التوصل لهذا القرار.
إن أحدا من أهل أبي لم يذكر أمي
أمامي ذات يوم بسوء, ولا فعل ذلك أبي لكني لم أستطع بالرغم من ذلك أن أغفر لها
إهمالها لي ورفضها لرؤيتي طوال السنوات الماضية.. بل إنني لم أغفر لها أيضا
افتعالها للمشاكل التي أدت لانفصالها عن أبي وحرمتني من الحياة الطبيعية بينها
وبينه .. كما لم أغفر لها مباعدتها بيني وبين أخوتي منها حتى نشأنا لا يكاد أحدنا
يعرف الآخر.
إن نفسي مازالت مملوءة بالمرارة
تجاهها.. وأبي يلح علي بأن أنسى, وبأن أكون بارا بأمي.. لكنها لم تعطني من
حنانها شيئا.. فكيف أعطيها أنا من بري؟ إنني حائر ومتردد, فبماذا تشير علي؟
ولكاتب هذه
الرسالة أقول :
من حقك يا صديقي أن تتجدد
المرارة القديمة في نفسك تجاه والدتك حين تثار قضية وجودها في حياتك مرة أخرى بعد
هذه السنوات الطويلة من الغيبة .. والاختفاء .
ومن حقك أيضا أن يكون قرارك
بالرفض المطلق هو استجابتك الأولية لدعوتك إلى زيارتها بعد هذه القطيعة الطويلة.
فمثل هذا القرار الانفعالي هو
رد الفعل الطبيعي لهذه الدعوة التي تنكأ الجراح القديمة لديك. وكثيرا ما نعبر بمثل
هذا الرد الانفعالي عن مشاعرنا البدائية تجاه الأحداث والأمور التي تثير حنقنا أو
تشعرنا بالغصة في حلوقنا تجاه من أساءوا إلينا ، غير أننا "على الناحية
الأخرى" كثيرا ما نراجع أنفسنا بعد فترة الاستسلام المبدئية لهذه المشاعر
الانفعالية ونروض انفعالاتنا الجامحة .. ونكبحها بلجام الدين والعقل والعدل
والرحمة .. ونحاول أن نفكر فيما أثار حنقنا بروية ، وأن نجنب تفكيرنا فيه دواعي
التأثر بانفعالاتنا تجاهه .. لنتوصل في النهاية الى ما لا يتجافى مع القيم الدينية
والأخلاقية من قرارات عادلة . ولن نكون بشرا كالبشر لو لم تنفجر في البداية
انفعالاتنا الجامحة هذه تجاه ما يجرح مشاعرنا وكرامتنا وينكأ جراحنا ، أو يستفز
ذكرياتنا الأليمة . ولن نكون من الصالحين الذين يدعون ربهم في العشية والأسحار أن
يجنبهم مزالق السوء ويحميهم من غدر الأيام لو لم نراجع أنفسنا بعد هذه الانفعالات
الأولية ونكظم غيظنا ممن أساءوا إلينا ونهتد بالدين والحق والرحمة في مواقفنا منهم
ولهذا فلا لوم عليك في رفضك
الانفعالي الاستجابة لنداء زيارة والدتك بعد 19 عاما من انقطاعها عنك دون
سبب مفهوم لديك أو عذر مقبول منها
.
لكني سوف ألومك بكل تأكيد إذا
تحجرت عند هذا الموقف الأولى ، وتمسكت به بعد فترة رد الفعل التلقائية لهذه الدعوة
المجددة للأحزان والأشجان ، ذلك انه قد يكون مقبولا أن نعامل كل البشر بالمبدأ
الذي تتعامل به الدول فيا بينها وهو مبدأ المعاملة بالمثل ، لكن ليس من المقبول
أبدا أن نتعامل به مع أبائنا وأمهاتنا وأبنائنا وذوي رحمنا.
فأما أبناؤنا فإن فطرتنا
تقهرنا على الرفق بهم والحرص عليهم حتى ولو لم يقدروا لنا هذا الحرص .. أو لم
يكافئونا عليه ببرهم بنا ..
وأما آباؤنا وأمهاتنا فنحن
مأمورون بأن نترفق بهم ونحسن صحبتهم حتى ولو جاهدونا على ألا نعبد الله
سبحانه وتعالى .
وأنت تقول انك قد نشأت ملتزما
دينيا، وكانت مكافأتك على تخرجك وتفوقك زيارة بيت الله الحرام وقبر رسوله الكريم
صلوات الله وسلامه عليه فكيف يغيب عنك إذن انك تقترف إثما عظيما برفضك زيارة أمك
في ضعفها وحاجتها إليك ، حتى ولو كانت قد تخلت عنك وباعدتك وهي في عنفوانها وقوتها؟
إنك لا تستطيع معاملتها بالمثل
.. ولا حتى "عقابها" على ما قصرت فيه من حقك ، بحرمانها منك أو من رؤيتك
حين توجه إليك النداء، لأنك لا ترجو بزيارتها شيئا من رضاها او حنانها الذي حرمت
منه .. وإنما ترجو بها فقط رضا خالقك سبحانه وتعالى وأن تعفي نفسك من إثم عقوقها
حتى ولو كانت قد عقتك من قبل، مادامت قد ندمت على ما اقترفت في حقك ورغبت في
التكفير عنه.
ومن رحمة ربنا بنا انه لا
يعاقبنا على ما يمور في صدورنا من انفعالات سلبية تجاه الغير ما لم نعبر عنها
بالأفعال والتصرفات، وأنت لست مطالبا في النهاية بان ينفجر في قلبك ينبوع الحب
لامك كما يتدفق في صدر الابن البار تجاه أمه الرؤوم العطوف التي رعته صغيرا وأحبته
كبيرا، وإنما بأن تترفق بها وتسمع دفاعها عن نفسها وتبريرها لمجافاتها لك
وانقطاعها عنك طوال السنوات الماضية ، فلقد يتضح لك أن لديها بعض ما يبرر تقصيرها
في حقك من وجهة نظرها .. ولقد يكون كل ما لديها هو الإقرار بخطئها معك وتقصيرها في
حقك ورجائها لك أن تصفح عما كان من أمرها وتغفره.
والحقيقة على أية حال يمكن
النظر إليها من أكثر من زاوية للرؤية .. وأنت تقول انك لم تسمع من أبيك وأعمامك
وعماتك كلمة سوء عن أمك طوال حياتك معهم .. وقد يكون ذلك صحيحا ..ولقد يكون والدك
قد أحسن إليك بعدم الإساءة إلى رمز الأم في مخيلتك كما ينبغي للآباء والأمهات
الصالحين أن يفعلوا مع أبنائهم .. لكنك على الناحية الأخرى قد علمت من أمرها
الكثير مما أسهم في تشكيل رأيك السلبي فيها إلى جانب
غيابها عنك، كقصة زواجها من أبيك بعد صديقه الراحل .. وقصة إخفائها بضائع تجارية
واستيلائها على الشقة والسيارة والتجارة ، وقصة رفضها الاستجابة لدعوة الأب لها
لزيارة طفلها المحروم من أمه.
فكيف عرفت إذن كل هذه الأمور
إن لم يكن قد جرى بالضرورة حديث لا مفر منه لتبرير يتمك المعنوي مع وجود أمك على
قيد الحياة ؟ إنني أؤمن بأنه لا شئ في الدنيا يمكن أن يبرر لأم أن تتخلى عن صغارها
بلا أسباب قهرية أو أن تكرر معهم سيرة إناث الضفادع التي تضع بيضها في المستنقع ثم
تهجر صغارها وتتركها تكافح أسباب الموت بمفردها.
لكني أؤمن أيضا بأنه لا شئ في
الحياة كذلك يمكن أن يمنع ابنا من تلبية نداء أم اعترفت كما تقول شقيقتها بخطئها
في حقه وندمت عليه وترجو أن ترى ابنها وتشرح نفسها له.
ولست انصح بأية حال من الأحوال
إذا استجبت لندائها كما ينبغي لشاب ملتزم دينيا مثلك أن يفعل، بالتحقيق بأثر رجعي
فيما حدث بين أبويك، ولا بمحاكمة الماضي وإصدار الأحكام القاسية عليه .. وإنما فقط
بقبول اعتذارها إذا اعتذرت والصفح عما جنت في حقك، أو بسماع تبريراتها إن لم تعتذر
لك بتحفظ لا يحرمها حق الدفاع عن نفسها من ناحية ولا يورطك في سماع ما يسئ إلى
أبيك أو يجرح مشاعرك تجاهه من ناحية أخرى.
فإذا ظللت بعد أن تسمع لها
مقتنعا بظلمها لك بغير أسباب قهرية، فليكن صفحك عما فعلت ورفقك بها في ضعفها قربى
لربك وشفعا لديه أن يكتب لك السعادة في أيامك المقبلة، ولتتذكر في مثل هذا الموقف
دعاء العادل العظيم عمر بن الخطاب رضوان الله عليه حين دعا ربه قائلا : رب قدرني
على من ظلمني لأجعل عفوي عنه شكرا لقدرتي عليه.
ومع فارق الحال بين من ينطبق
عليهم هذا الدعاء من الغرباء وبين وضع الأب والأم وذوي الرحم في حياة
الإنسان ، فإني أسألك في النهاية : ألا تحب أن يكون عفوك عما أساءت به إليك أمك ..
هو شكرك لخالقك العظيم سبحانه وتعالى على ما انعم به عليك من نعم جليلة كنعم الأب
الرحيم والتفوق في الدراسة والصحة والشباب ؟
راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي

برجاء عدم النسخ احتراما لمجهود فريق العمل في المدونة وكل من ينسخ يعرض صفحته للحذف بموجب حقوق النشر